مروان العياصرةكانت أمريكا وخلال عقود عربية من الاستلاب والقهر تراهن على بقاء الشعوب العربية في قيد تبعيتها وانهزاميتها وسلبيتها، في المقابل ظلت النخب العربية الملتزمة تراهن أيضا على هذه الشعوب أن تنهض من جديد، وتعيد انتاج حركاتها التحررية والثورية، مع ما بين هاتين الكلمتين من فوارق واختلافات، وأيضا ما بينهما من قواسم مشتركة، فالثورة لا تكون إلا لإرادة فعل التحرر من أسر الاحتلال، وما يشبهه من استبداد الأنظمة ودكتاتوريتها.
الذي يبقي أمريكا والغرب عموما على قيد القلق في هذا العصر الثوري العربي، وفي مصر تحديدا في ظل ما يتكاثف بسرعة كغيوم سوداء فوق الأفق الأمريكي، هو المكون الطبقي الرئيس لهذه الثورة، بمعنى أن طبيعة القوى الطبقية المكونة لها تجاوزت الحالة البرجوازية إلى الشعبية، فأصبحت ثورات شعبية بامتياز عام، وليس لأحد من الحزبيات الراديكالية أو الليبرالية ان يدعي ملكية هذا الامتياز، وهذا فيه مما يخيف أمريكا الكثير، ولهذا ولأنها رعت الاستبداد في الانظمة العربية طيلة أزمنة ممتدة وقاحلة فإنها أول ما وجهت لومها لأجهزتها الاستخباراتية على فشلها في توقع ما حدث، وهذا بحد ذاته لا يقدم سوى معنى واحد، وهو أن من يصنع أسباب الاضطهاد والاستبداد والقمع والمنع يجب ان تبقى خياراته مفتوحة على كل الاحتمالات، وان تقرأ حساباته بدقة كل النتائج، لكنها – وليس لها ان تأسف على ذلك ـ كان لها أن تمر بمرحلة من الغباء السياسي والاستراتيجي، بعد كل ما صنعت لنفسها من كراهية وحقد لدى الشعوب المغلوبة على امرها، وعليها ان تعيد طرح سؤال ثقافتها السياسية السوداء لماذا يكرهوننا.. ؟ زين العابدين بن علي الرئيس الساقط بالتقادم الاستبدادي بقي 24 عاما في سدة الرئاسة التونسية، قضاها في انتاج عبارة واحدة (الآن فهمتكم)، وحسني مبارك الرئيس الذي سقط أيضا، قضى (30) عاما أيضا رئيسا لأكبر دولة عربية، قضاها في انتاج عبارة واحدة أيضا وجهها للشعب المصري (الآن عرفت تطلعاتكم)، ربما كل هذا الذي يحصل بكل ما له من خسارات لأمريكا، فإنه يقدم خدمة لها في سياق مختلف، وهي أنها ليست مضطرة للبحث – ولسنوات طويلة قادمة – عن إجابة لسؤالها المعاصر (لماذا يكرهوننا.. ؟)، فالدرس التونسي قدم لها درسا في الفهم، والدرس المصري يقدم لها درسا في المعرفة التي يجب أن تتبنى نتائجها وتوصياتها، ولتأخذ الحكمة من أفواه العرب الرؤساء المخلوعين، والعرب العلماء الذين تعلموا في مدارسها وجامعاتها، وجاءوا ليقدموا لنا تفسيرا نظريا فقط لمعنى التنمية، وهنا أشير إلى تفسير فريق التنمية العربية لمعنى التنمية، من حيث (أن للبشر، لمجرد كونهم بشرا، حقا أصيلا في العيش الكريم، ماديا ومعنويا، جسدا ونفسا وروحا، وبهذا فإن عملية التنمية تنشد توسيع خيارات البشر بما يمكنهم من تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى، وهي الحرية، العدالة والكرامة الإنسانية والرفاه الإنساني)، ومن خياراتهم بعد ان يستنفدوا كل السبل ويقطعوا كل مسافات الظمأ بحثا عن الحرية والكرامة والعيش الكريم، أن يصلوا تخوم الثورة، وان يثوروا فعلا انتصارا لمستقبلهم الذي اوشكنا على فقدان اتجاه السير إليه.
هكذا يجب أن تنتفض الشعوب العربية، وهكذا يجب على أمريكا أن تخاف على نفسها وأن تقول لكل ثلة الزعماء (أنج سعد، فقد هلك سعيد)، هؤلاء الذين صنعتهم على عينها واستبقتهم قائمين بأمرها، حراسا لمصالحها، يجب ألا تخسرهم، لذا تعيد انتاجهم من جديد كي يكونوا (مطاطين) قادرين على امتصاص غضب الشعب بخطابات التغيير ونداءات الإصلاح، إلا أن هذه اللعبة المطاطية لن تنطلي على شعوب عرفت كيف تمارس كل خياراتها من أجل الحياة، وإذا بقيت هذه العدوى مستمرة من تونس إلى مصر ـ الشقيقة العربية الكبرى – إلى اليمن والأردن وسورية وباقي الدول العربية الأخرى، فمن ينقذ أمريكا ومستقبلها في المنطقة من هذه الشعوب التي قررت أن تعيد خيرات أرضها وبحرها وإنسانها لها، والتي لن تلد ثورتها إلا من يحرس مصالحها ويحمي مستقبلها، من ينقذ أمريكا من هذا الزلزال العربي ـ حسب الوصف الإسرائيلي، الذي تبدو فيه أمريكا عالقة بين خيارات مرة، ان تفقد الأنظمة الموالية لها، أو أن تخسر الجماهير العربية التي لا رهان على ان أمريكا أصلا لم تخسرها من قبل.
على أمريكا أن تعي أن ما يجري هو تحول تاريخي بكل ما في الكلمة من معنى، وان أي تحول تاريخي لا بد له من ضرورة تاريخية تصحبه، وهي – أي الضرورة التاريخية ـ التي أوصلت زين العابدين لمرحلة الفهم المتأخر، وحسني مبارك لمرحلة المعرفة الخاسرة، أما أمريكا، فهل تصل في استجابتها لهذه الضرورة التاريخية إلى فهم سؤالها (لماذا يكرهوننا.. ؟).’ كاتب أردني