من يوقف سباق الرعب النووي في الشرق الاوسط؟

حجم الخط
0

من يوقف سباق الرعب النووي في الشرق الاوسط؟

د. سعيد الشهابيمن يوقف سباق الرعب النووي في الشرق الاوسط؟بدلا من تحقيق السلام والأمن في منطقة الشرق الاوسط يبدو انها تسير نحو مستقبل محكوم بمعادلة خطيرة هي توازن الرعب ، ليس بقرارات ذاتية من زعمائها او شعوبها، بل نتيجة التدخلات الاجنبية التي تدفع الي سباق التسلح وغياب التفاهم والتعاون. ففي الاوضاع المثالية يفترض ان تقوم العلاقات بين الدول علي اساس توازن المصالح وتمتين العلاقات وتعميق أسس الحوار وقنواته. ولكن عندما تنعدم الثقة تتغير مكونات معادلات التوازن لتصبح اكثر سلبا وخطرا. في الاسبوع الماضي أطلق السيد خافيير سولانا، مسؤول العلاقات الخارجية والامن للاتحاد الاوروبي، تصريحا مهما في خطاب القاه علي وليمة عشاء تذكاري لآرثر بيرنز في نيويورك قال فيه: ان ما يفتقده النظام الحالي هو غياب الثقة في ما بين اللاعبين المعنيين ومضي مؤكدا ان الثقة هي اساس كل شيء ، مشيرا الي ان غيابها يعرقل المجتمع الدولي وقد يؤدي الي سوء تفاهم خطير وقد يكون مأساويا . وذكر من معالم فقدان الثقة علي المستوي الدولي انني اري غيابا للثقة في جوانب عديدة: بين الغرب والعالم الاسلامي، كما جسدته ازمة الكاريكاتيرات وقضية فلسطين . ونضيف الي ان انعدام الثقة بين الغرب والعالم الاسلامي يوازيه غياب للثقة بين دول المنطقة، وهي ظاهرة تزداد تعقيدا مع تعمق التدخلات الاجنبية في شؤون المنطقة وعسكرتها وتفتيتها علي اسس سياسية وعرقية ومذهبية. واذا كان المسؤول الاوروبي قد دق أجراس التنبيه الي الخطر الذي يمثله تلاشي الثقة بين دول العالم علي الامن والاستقرار الدوليين، فمن الضروري قرع الاجراس عاليا لتنبيه اهل المنطقة، شعوبا وحكاما، بالانعكاسات السلبية لتلاشي الثقة علي مستويات عديدة: الحكام في ما بينهم، وبين الحكام والشعوب، وفي داخل الشعوب نفسها. انها ظاهرة تغذي يوميا بالدعاوي الباطلة والادلة الوهمية والوشايات التي تهدف لكسر المعنويات وتعميق مشاعر اليأس والاحباط واستبدال حالة الوئام والمودة والاحترام بحالة الشك والتمرد والتحدي.غياب الثقة علي المستوي الدولي له اسبابه ودوافعه، وهو يمثل جوهر الازمة المتصاعدة التي اختلقتها الولايات المتحدة في تعاملها مع المشروع النووي الايراني. فالايرانيون يؤكدون الطبيعة السلمية لمشروعهم، ويكررون عدم توجههم لانتاج سلاح نووي. وهذا ما كرره الزعماء الايرانيون بشكل متواتر، وآخرهم السفير الايراني لدي الامم المتحدة، محمد جواد ظريف الذي قال في مقابلة له مع تشارلي روز، بالقناة 13 التلفزيونية الامريكية الاسبوع الماضي: لقد طرحت ايران عددا من المقترحات التي تزيل اي احتمال لتحويل المشروع الايراني يوما الي استعمال غير سلمي . واضاف ان الولايات المتحدة، مع الاسف، لا تبحث عن حل وغير مستعدة للنظر في الوجوه الاخري للمشروع. وهناك من الادلة الموضوعية ما يوضح حاجة ايران للطاقة النووية. فصادراتها النفطية تضاءلت بعد الثورة الي النصف (من ستة الي ثلاثة ملايين برميل يوميا)، بينما تضاعف عدد سكانها الي ضعفين ونصف، ومعه حاجاتها من المشتقات النفطية. وتقول الاحصاءات انه برغم تصاعد اسعار النفط في السنوات الاربع الماضية فان مدخولاتها النفطية اصبح شطر كبير منها ينفق علي الكميات المتصاعدة من المشتقات النفطية المستوردة. ويقول بعض المحللين انه اذا استمر انعدام التوازن بين انتاجها الثابت وحاجاتها المحلية المتصاعدة فقد تتلاشي صادراتها النفطية تماما في اقل من عشرة اعوام. يقول روبرت ميرفي، المحلل بشركة (بي اف سي) للطاقة بواشنطن ان ايران لن تستطيع تصدير اي نفط بحلول العام 2015 ما لم تضغط علي استهلاكها وتمنع تلاشي انتاجها علي المدي الطويل. ويتوقع ان تبدأ الحكومة الايرانية الشهر المقبل باخضاع توزيع مادة الكيروسين للرقابة والتحصيص، وهو اجراء قد تكون له انعكاسات سلبية علي المستوي الشعبي. فهي تنفق 20 مليار دولار سنويا، او ما يعادل 15 بالمئة من اجمالي انتاجها الاقتصادي لدعم المعدلات الحالية لاسعار الغازولين والغاز الطبيعي والكهرباء، وبقية مشتقات الطاقة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. وقد ادي ذلك الي ازدياد مضطرد في الاستهلاك المحلي من هذه المواد. الايرانيون أكدوا مرارا حاجتهم لمصادر طاقة بديلة للنفط بعد ان اتضحت صعوبة الاعتماد عليها خصوصا خلال الحرب العراقية ـ الايرانية. وبادروا في منتصف الثمانينات لمواصلة العمل في مشروعهم النووي الذي بدأ في عهد الشاه بدعم امريكي اوروبي. هذه الحاجة للنفط لم تحظ باهتمام الولايات المتحدة والدول الغربية المتصدية للمشروع النووي الايراني، بل كثيرا ما تم التشكيك في دوافع ايران للاصرار علي ذلك المشروع. ومرة اخري تبقي قضية الثقة سببا مباشرا في استمرار الازمة. والسؤال هنا هو: من المسؤول عن تراجع هذه الثقة؟ وهنا تجدر العودة الي الاوضاع الدولية قبل عقدين من الزمن، عندما كان الاتحاد السوفييتي علي وشك السقوط. يومها كان التوازن الدولي قائما، ليس علي اسس من الوئام والائتلاف، بل علي مبدأ توازن الرعب . هذا المبدأ تأسس بعد الحرب العالمية الثانية التي خرج الحلفاء منها منتصرين علي المانيا الهتلرية. لكن الحلفاء لم يكونوا من هوية واحدة، بل كان الخلاف الايديولوجي محوريا في علاقات دول ذلك التحالف. وما ان انتهت تلك الحرب حتي اندلعت الحرب الباردة بين المعسكرين: الاشتراكي والرأسمالي. ولم يؤد تحالف تلك الدول ضد المانيا الي ازالة الشكوك واستبدالها بصداقات دائمة، وذلك نظرا للتباين الفكري والايديولوجي خصوصا بين الفريقين اللذين شكلا فريقا واحدا خلال الحرب. والمعروف ان الحرب لم تنته تماما الا بعد ان استخدمت الولايات المتحدة القنبلة الذرية ضد هيروشيما وناغاساكي اليابانيتين، مدشنة بذلك عهد الرعب النووي. ومنذ ذلك الوقت أمكن السيطرة علي الوضع الدولي من خلال مبدأ توازن الرعب اذ عمد الاتحاد السوفييتي لامتلاك السلاح النووي، وتأسس مجلس الامن الذي حصر السلاح النووي بالدول الخمس الدائمة العضويه فيه. الامن والاستقرار الدوليان اذن قاما علي اساس توازن الرعب، وليس التفاهم والتعاون فحسب. الحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تواصلت بعد 1945، فكانت الحرب الكورية في مطلع الخمسينات، وحرب فيتنام التي انتهت في 1975. ويمكن افتراض ان امتلاك المعسكرين السلاح النووي كان رادعا لكل منهما، فتم احتواء تلك الحروب ضمن اطرها الاقليمية. وجاءت ازمة الصواريخ الكوبية في 1961 لتضع العالم علي كف عفريت، حيث تكشف الوثائق ان الولايات المتحدة وضعت اسلحتها النووية في حالة تأهب قصوي، ولولا تراجع الاتحاد السوفييتي عن خطته بنشر الصواريخ في كوبا لربما حدثت حرب نووية مدمرة. توازن الرعب هذا له فوائده ومشاكله. فالفرقاء يصرون علي ان السلاح النووي أداة ردع وليس سلاحا فعليا، علي اساس ان الفرقاء يعلمون ان استعماله سوف يؤدي الي فناء البشرية، وبالتالي فلن تكون لدي اي من الاطراف الشجاعة علي استعماله لعلمه بان الطرف الآخر متأهب لذلك ايضا. انه توازن خطير بقي علي مدي نصف القرن الماضي مصدر اضطراب وقلق لدي نشطاء السلام ومعارضي الحرب الذين دعوا الي القضاء علي السلاح النووي. وهناك الآن دعوات متواصلة للدول النووية بالتخلي عن ذلك السلاح لان استمرار امتلاكه يشجع الدول الاخري علي السعي للحصول عليه ايضا الأمر الذي يؤدي الي انتشار الاسلحة النووية علي نطاق اوسع. وهذا ما اثبتته العقود الاخيرة. فلم يعد السلاح النووي اليوم محصورا بالدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الامن الدولي، بل هناك دول نووية اخري من بينها اسرائيل التي ترفض التوقيع علي معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية والهند وباكستان وكوريا الشمالية. وهذا يعني ان السلاح النووي اصبح منتشرا علي نطاق واسع. ولذلك فهناك مطالبات تزداد اتساعا للدول النووية بالتخلي جميعها عن هذا السلاح الذي يهدد انتشاره بكوارث عملاقة للكوكب الارضي. غير ان ان الآذان الصاغية لتلك الدعوات محدودة. فبريطانيا مثلا تعتزم تحديث صواريخها النووية من نوع ترايدنت بتكلفة تبلغ حوالي 50 مليار دولار علي مدي العشرين عاما المقبلة، وفق ما اعلنه وزير الخزينة، غوردون براون العام الماضي. وكان الرئيس الامريكي، جورج بوش، قد اعلن قبل عامين عزمه علي تحديث كافة جوانب السلاح النووي الامريكي، واعادة تفعيل مواقع التجريب النووي في صحراء نيفادا. اما فرنسا فقد دخلت النادي النووي في 1960، وفي 1968 قال رئيسها السابق، تشارلز ديغول قولته الشهيرة: لا تستطيع دولة بدون سلاح نووي ان تعتبر نفسها مستقلة . توازن الرعب هذا ينعكس اليوم علي دول منطقة الشرق الاوسط. فبعد اندلاع أزمة المشروع النووي الايراني، بادر العديد من الدول العربية للبحث في امكان بناء مشاريع نووية خاصة بها. فمصر اعلنت اعادة تنشيط مشروعها النووي بعد عشرين عاما من التجميد، علي اساس تصاعد احتياجاتها لمصادر بديلة للطاقة. واعلنت واشنطن دعمها لمشروع نووي مصري سلمي تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن المؤكد ان من بين دوافع مصر لتفعيل مشروعها امرين: امتلاك اسرائيل اسلحة نووية ورفض المجتمع الدولي التدخل لنزع ذلك السلاح، وامتلاك ايران مشروعا نوويا يعتقد الغربيون انه قد يتحول مستقبلا الي مشروع عسكري. وقد فوجئ السياسيون والمراقبون باعلان دول مجلس التعاون الخليجي عن عزمهم اللحاق بالركب النووي. جاء ذلك خلال قمة المجلس في كانون الاول (ديسمبر) الماضي بالعاصمة السعودية، حيث اقر المجتمعون خطوات لبحث امكانية اقامة مشاريع نووية بدول المجلس. ويسود الاعتقاد بان السعودية هي التي ستحتضن المشروع في بداياته، وكان الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود قد ناقش مؤخرا الموضوع النووي مع الرئيس الروسي الذي قام بزيارة متميزة للسعودية وقطر والاردن. وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان بلاده تحترم سعي دول الخليج للحصول علي مصادر الطاقة النووية وانها تثق بان هذه الدول ستتصرف تحت اشراف وكالة الطاقة الذرية ووفقا لمعاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية. ومهما قيل عن دوافع التوجه النووي لدي دول مجلس التعاون، فمن الصعب تبريره بالحاجة لمصدر بديل للطاقة، فهي دول تمتلك كميات كبيرة من المخزون النفطي والغاز، وحاجاتها المحلية محدودة نظرا لقلة سكانها نسبيا. البعض يعتقد ان طرح التوجه النووي لدول الخليج في هذا الوقت خطوة اضافية لتصعيد الضغوط الامريكية علي ايران، فهو ايحاء قوي بان دول الخليج لن تقف مكتوفة الايدي امام الاصرار الايراني علي الاستمرار في المشروع النووي، وانها لن تتردد في الدخول في سباق الرعب مع جارتها. انه تصاعد خطير لا يعكس رغبة في تقوية الذات بقدر ما هو رسالة سياسية وامنية للقيادة الايرانية. يأتي ذلك في خضم التوتر الطائفي الذي يعصف بالمنطقة، ويهدد تماسكها الداخلي بشكل خطير غير مسبوق. في ظل هذه السياقات المؤسفة، اصبح واضحا وجود سباق محموم لتثبيت المواقع والاستعداد للمنازلات العسكرية اذا اقتضي الامر. يشجع ذلك غياب العقول المفكرة القادرة علي طرح منظور آخر للتوازن الاكثر فاعلية والأقل خطرا بين القوي الرئيسية في المنطقة. يأتي ذلك كله في اجواء تفرضها الولايات المتحدة علي الشرق الاوسط تهدف لانهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي مع اذكاء اسباب الفرقة والشتات بين المكونات العرقية والمذهبية لابنائها. ومن الصعب طرح مبررات للتوجه الخليجي لاقامة مشاريع نووية بدون ربط ذلك بالازمة المفتعلة بين امريكا وايران علي خلفية المشروع النووي الايراني. انها حلقة في مسلسل اعادة تركيب الشرق الاوسط وفق منظور امريكي ـ صهيوني يصادر حقوق الشعب الفلسطيني ويركز الكيان الاسرائيلي كحتمية سياسية وتاريخية لا تستطيع شعوب المنطقة تجاوزها. ان من الخطر بمكان هذا السباق الخطير في التسلح خصوصا في شقه النووي، في الوقت الذي تستدعي مصلحة المنطقة ابقاءها خالية من أسلحة الدمار الشامل، وعدم هدر ما توفر من اموال نفطية علي مشاريع مكلفة بمردودات متواضعة ومخاطر واسعة. انه سباق الموت الذي لا يوفر أحدا. فهل يعقل ان تبقي هذه الامة رهينة لسباق الموت الذي يبدأ بالصراع الطائفي ويصل الي توازن الرعب النووي؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية