يشبه اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات خطاب نتنياهو في بار إيلان في 2009 وحلم ترامب في السلام عام 2020، وليس سوى تغيير عباءة سياسة وطرق عمل رئيس الحكومة. إن استخدام نظام المفاهيم هذا مقبول ومعروف في العمليات السياسية التي استخدمت مع الفلسطينيين والدول العربية بنية تطبيقها من خلال تفسيرات معاكسة للتفسيرات المقبولة لدى قيادة إسرائيل والمجتمع الدولي. لم يكن هدف نتنياهو حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين بمساعدة الدول العربية، بل حسمه بمساعدة دعمها لإملاء شروط غير ممكنة على الفلسطينيين أو بمساعدة لامبالاتها إزاء الوضع القائم. وسيكون نجاح سياسة نتنياهو على المدى القصير خسارة للصهيونية على المدى البعيد.
وأمام كل دولة تواجه أخرى غير قادرة على هزيمتها أو التوصل إلى تسوية معها، ستفتح الاحتمالات لتبني استراتيجية توسيع نظام التدخل عن طريق تضمين طرف ثالث –عامل آخر مهم ولديه موارد – يستطيع تغيير وضع “التعادل”. هذه الاستراتيجية يمكن تطبيقها بالسعي نحو تحقيق هدفين متعاكسين: تجنيد موارد الطرف الثالث لصالح أحد الطرفين من أجل هزيمة الطرف الآخر، أو تجنيد الطرف الثالث لصالح توسيع سلة الفوائد وتوزيعها على جميع الأطراف المشاركة عند تحقيق تسوية.
التاريخ مليء بالأمثلة على الاحتمالية الأولى، وسأكتفي بذكر ثلاثة احتمالات منها في منطقتنا. الاحتمال الأول هو تجند الدول العربية لحسم الصراع بين اليهود والعرب لصالح عرب فلسطين في حرب الاستقلال وبعدها. الاحتمال الثاني هو الرؤية الاستراتيجية التي بلورها دافيد بن غوريون في الخمسينيات وأساسها بلورة علاقات خاصة وتحالفات على كل المستويات –استراتيجية واستخبارية واقتصادية– مع دول ومجموعات عارضت السياسات العربية التي قادها الرئيس المصري جمال عبد الناصر. هذه الرؤية نتج عنها تحالف “الضواحي” التي شملت تركيا وإيران وإثيوبيا والأكراد والمسيحيين في لبنان. والاحتمال الثالث: أحد العوامل التي أثرت على إسحق رابين في اختيار العملية السلمية مع الفلسطينيين في العام 1993 هو الإدراك بأن هذه العملية هي الثمن المطلوب من إسرائيل دفعه للدول العربية السنية كي يحظى بتحالف معها لصالح وقف تعزز إيران ومبعوثيها الشيعة.
وثمة أمثلة تاريخية كثيرة على الاحتمال الثاني، لكني أريد التركيز على النزاع الإسرائيلي – العربي – الفلسطيني منذ بداية العملية السياسية مع العالم العربي في العام 1974. كانت اتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر والأردن ثنائية في أساسها، لكن الأمر احتاج إلى تدخل الولايات المتحدة للتوصل إليها. فيما يتعلق بالمصريين، كانت المساعدات العسكرية الأمريكية، إضافة إلى إعادة كل سيناء، مقابلاً سخياً مكنهم من الاكتفاء باتفاق حكم ذاتي لصالح الفلسطينيين والموافقة على تجريد شبه جزيرة سيناء من السلاح. هذا صحيح أيضاً بالنسبة لإسرائيل؛ فالمساعدة المدنية والعسكرية التي حصلت عليها من الأمريكيين (التي تبلغ حتى الآن نحو 200 مليار دولار) ونشر قوات المراقبين الدولينن (ام.اف.أو) كانت بالنسبة لها – إلى جانب خروج مصر من دائرة الحرب – مقابلاً مناسباً لانسحاب كامل من سيناء. وكانت الأمور مشابهة أيضاً مع الأردن: مساعدة مدنية أمريكية ومظلة من الجيش الإسرائيلي إزاء تهديدات خارجية على الأردن وتوفير مياه من إسرائيل واعطاء مكانة خاصة في الحرم ووعود اقتصادية مستقبلية.. فعلت فعلها وجعلت الأردنيين يوقعون على اتفاق السلام.
بين إسرائيل والفلسطينيين الصورة معقدة أكثر، فقد احتاج الطرفان والولايات المتحدة إلى عقد تقريباً، من العام 1993 وحتى 2007، ليفهموا أن عليهم توسيع حدود النظام. وتباهي إيهود باراك بـ”إنهاء الأمور خلال ساعتين مع عرفات في الغرفة نفسها”. وفي كامب ديفيد 2000، حل محله تعاون متزايد لجهات أخرى: أولاً، لا تحتاج الدول العربية، التي أرادت منها إسرائيل بادرات حسن نية، إلى الاستثمارات، بالأساس إعطاء تصريح للفلسطينيين بالموافقة على تنازلات طلبتها إسرائيل في مسائل مختلفة (الأمن، الحدود، اللاجئين، القدس) مقابل المساعدة الأمريكية.
عارض نتنياهو أربع مبادرات فرنسية، منها مبادرة لتشكيل مجموعة دعم دولية ترافق المفاوضات مع الفلسطينيين.
ثانياً، دول أوروبا وغيرها، التي أرادت إسرائيل منها المشاركة في تمويل الاتفاق، بالأساس في مواضيع تعويضات للفلسطينيين وبناء الاقتصاد الفلسطيني. هكذا ولدت في 2004 “الرباعية” (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا). وفي مؤتمر أنابوليس في العام 2007 شاركت، إضافة إلى الطرفين، الولايات المتحدة ودول الرباعية ووممثلون عن جامعة الدول العربية، منها مصر والأردن ودول ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، مثل السعودية وماليزيا والسودان ولبنان وحتى سوريا.
اتبع رئيس الحكومة نتنياهو مقاربة مختلفة، فقد أعلن أنه سيطبق الخيار الثاني، وهو توسيع حدود النظام لصالح الطرفين وتسوية النزاع، لكنه عملياً يعمل حسب الخيار الأول، وهو تجنيد جهات لإخضاع الفلسطينيين بإملاء شروطه.
أوقف نتنياهو طوال سنين أي محاولة لتسوية النزاع حسب الخيار الثاني: لقد رفض مبادرة السلام للجامعة العربية من العام 2002 وأعلن في حزيران 2016: “إذا فهمت الدول العربية أن عليها تحديث مبادرة السلام العربية حسب التعديلات التي ستطلبها إسرائيل، عندها سيكون ما يمكن التحدث عنه”.
عارض نتنياهو أربع مبادرات فرنسية، منها مبادرة لتشكيل مجموعة دعم دولية ترافق المفاوضات مع الفلسطينيين، وعقد مؤتمر دولي حتى نهاية 2016، وعارض التعاون مع الرباعية في إعداد التقرير حول الجمود السياسي، وعارض اقتراح الاتحاد الأوروبي في كانون الأول 2013 لتطوير العلاقات مع إسرائيل وفلسطين إذا وقعتا على اتفاق سلام، وطلب من إدارة أوباما الحفاظ على الوضع القائم، فعارض خطة الأمن للجنرال جون إلين الذي عمل كمبعوث لوزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، في 2014، ثم عبر علناً عن مخاوفه من طرح خطة سلام من قبل أوباما قبيل انتهاء ولايته. بسبب هذه السياسة، قال كيري عن نتنياهو في تشرين الثاني 2017 في دبي: “لا يوجد لإسرائيل زعماء يريدون صنع سلام… معظم أعضاء الكابنت في حكومة إسرائيل الحالية أعلنوا بشكل علني بأنهم لن يؤيدوا إقامة دولة فلسطينية”.
انتظر نتنياهو الفرصة التي جاءت في العام 2016 على شكل الرئيس ترامب. عندها أصبح بإمكانه تطبيق خطته القديمة بمنح حكم ذاتي ثقافي محدود للفلسطينيين في الضفة، التي سماها “دولة” وجعل الرئيس الأمريكي يقترحها في الخطة، التي هي فعلياً إملاء استسلام بدون شروط، على الفلسطينيين. انضم حلم ترامب في السلام إلى خطاب بار إيلان الذي قال عنه والد نتنياهو، بن تسيون نتنياهو، في مقابلة مع القناة الثانية: “بنيامين لا يؤيد إقامة دولة فلسطينية، إلا ضمن شروط لن يوافق عليها العرب، لقد سمعت هذا منه”. حلم السلام، مثل خطاب بار إيلان، مليء إلى درجة الاكتظاظ بمفاهيم ميزت المفاوضات قبل عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في 2009، بدءاً من “دولة فلسطينية”، مروراً “بتواصل فلسطيني”، وانتهاء “بعاصمة فلسطينية في القدس”. ولكن فعلياً ليس في هذه الاقتراحات تطبيق لأي من هذه الوعود.
يضع نتنياهو أمام الدول العربية، بمساعدة الأمريكيين وتحت تهديد إيران المشترك، الحاجة إلى الحسم من جديد: التمسك بمبادرة السلام العربية من العام 2002 التي تستند إلى الشرعية والقرارات الدولية والمعايير التي وجهت المفاوضات في أنابوليس، أم الفصل بين عملية التطبيع والخلافات السياسية في الرأي مع إسرائيل، طبقاً لطموح نتنياهو؟ أي أن تحظى باستثمارات أمريكية ومساعدة عسكرية مقابل استخدام الضغط على الفلسطينيين للموافقة على مواقف إسرائيل، أو على الأقل عدم معارضتها. بكلمات أخرى، يعنى نتنياهو بأن تتبنى الدول العربية عن وعي سياسة دول أوروبا ودول أخرى – الاعتراف بإسرائيل وتطبيع كامل معها مقابل رفض الاحتلال وتأييد حل الدولتين، لكن دون الدفع قدماً بخطط لتحقيقها وبدون فرض عقوبات.
هؤلاء المتحمسون من سياسة نتنياهو يجدر بهم أن يقرأوا مقال جابوتنسكي عن “الجدار الحديدي” من العام 1923: “في نظر كثيرين، تبدو الخطة التالية جذابة: يجب الحصول على موافقة على الصهيونية، ليس من عرب أرض إسرائيل، لأن هذا الأمر غير ممكن، بل من باقي أجزاء العالم العربي، بما في ذلك سوريا وبلاد بين النهرين والحجاز وربما حتى مصر”. وأضاف: “لو كان هذا الأمر ممكناً، لم يكن في هذا ما يغير الوضع من أساسه: في أرض إسرائيل ذاتها كانت نظرة العرب بالنسبة لنا ستبقى على حالها”. عودة إلى الواقع الحالي – الفلسطينيون سبق واعترفوا بإسرائيل في حدود 1967 في اتفاق أوسلو. إن اعترافاً عربياً بالسيادة الإسرائيلية على ما بعد خطوط 1967 لن يغير موقفهم في هذا الشأن.
تصعب معرفة هل ستسير الدول العربية في طريق الإمارات، رغم أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وملك الأردن عبد الله، لدغا في 2016 عندما حاولا مساعدة نتنياهو على تشكيل حكومة تؤيد العملية السياسية. وإذا فعلوا ذلك فإن “نجاح سياسة نتنياهو ستزيد احتمالات سير إسرائيل نحو حل دولة واحدة، مع توقف مؤقت طويل في مرحلة نظام الأبرتهايد. الفلسطينيون سبق وأعلنوا رداً على مبادرة ترامب بأنهم لا ينوون رفع الراية البيضاء وتبني هذه المبادرة. وفقدان الأمل بحل الدولتين سيقود إلى تحويل النضال الوطني الفلسطيني إلى نضال من أجل المساواة في الحقوق المدنية، الذي ربما سيرافقه في مراحل مختلفة عنف وارهاب. “ثمار التطبيع” على المدى القصير، من تعاون عسكري وحتى عرض لعومر آدم – سيحل محلها على المدى البعيد نهاية حلم الصهيونية وإقامة دولة عربية على انقاضها.
بقلم: شاؤول ارئيلي
هآرتس 21/8/2020