مهاجمة ناقلات النفط: إيران تحت الضغط وإسرائيل تفضل البقاء خارج الصورة

حجم الخط
0

أجهزة المخابرات في إسرائيل والغرب تقدم موقفاً حاسماً: إيران هي المسؤولة عن الهجوم الأخير على ناقلات النفط في خليج عُمان، مثلما كانت مسؤولة عن أحداث سابقة في المنطقة على مدى الأسابيع الأخيرة. ولكن تبقى الدلائل الدامغة عالقة. ومع الأخذ في الحسبان السوابق التاريخية (على رأسها ادعاء وجود سلاح إبادة في العراق عشية حرب الخليج الثانية في 2003)، ومشكلة مصداقية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمخاوف الأوروبية من حرب زائدة ـ ليس غريباً أن النقاش الإعلامي حول الأزمة مشبع بالشكوك والتساؤلات.
مع ذلك، نفي إيران غير مقنع. لا يبدو جدياً التفكير وكأن باستطاعة السعودية شن عدة هجمات من أجل دفع الولايات المتحدة نحو حرب مع إيران بدون التورط وإبقاء أي بصمات وراءها. أثبتت السعودية إلى أي درجة هي دقيقة في خطواتها، في قتل الصحافي جمال الخاشقجي في إسطنبول وفي قضية استضافة رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري المفروضة وبالإكراه، وفي قضايا أخرى. والأكثر أهمية من ذلك هو اتهام بريطانيا لطهران، التي تتساوق تماماً مع ادعاءات الولايات المتحدة.
ما الذي يوجه إيران، التي كما يبدو هاجمت، الخميس الماضي، ناقلات للنفط قرب عُمان، وهو الهجوم الثاني في أقل من شهر؟ حتى الربيع الأخير، كان التقدير في إسرائيل والولايات المتحدة بأن إيران تلعب على الوقت، أملاً في هزيمة ترامب في الانتخابات للرئاسة في تشرين الثاني 2020، وأن بديله الديمقراطي في البيت الأبيض سيعيد أمريكا للاتفاق النووي ويرفع العقوبات. في هذه الأثناء فإن أضرار العقوبات التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية وزادت شدتها في الشهر الماضي، آخذة في الازدياد.
إيران تعتمد أكثر من أي وقت مضى على تصدير النفط، ولكن سعر النفط في السوق بقي منخفضاً نسبياً، وحتى الهزة البسيطة التي أثارتها الأحداث الأخيرة لم تؤد حتى الآن إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. اليابان التي قام رئيس حكومتها شنزو آفي بزيارة مغطاة إعلامياً لطهران، توقفت عن شراء النفط من إيران الشهر الماضي، بعد انتهاء مفعول إعفاء العقوبات الذي منحته الولايات المتحدة لثماني دول كانت لها تجارة مع طهران.
يبدو أيضاً أن العلاقة بين إيران وروسيا ليست كالسابق. موسكو لا تنضم لواشنطن، وهي تواصل التمسك بالاتفاق النووي، ولكن مصالحها المشتركة مع طهران في سوريا لم يعد قوياً مثلما كان. الروس توقفوا مؤخراً عن الاحتجاج على الهجمات الجوية المنسوبة لإسرائيل على القواعد الإيرانية في سوريا. اللقاء الثلاثي لمستشاري الأمن القومي من إسرائيل وأمريكا وروسيا الذي سيعقد في إسرائيل نهاية الشهر لا يفرح الإيرانيين. يمكن الافتراض بأنهم يخافون من تراكم مؤامرة ما سرية هدفها السعي إلى تقليص نفوذهم في سوريا. إن مجرد استعداد الدولتين العظميين في القدس لعقد لقاء هدفه مناقشة مستقبل سوريا يعدّ إنجازاً لإسرائيل.
إزاء تراكم هذه الظروف، يبدو أن الإيرانيين مضغوطون، ويبدو أن هدفهم الرئيسي هو إقناع الأمريكيين بتقليص شدة العقوبات. هذا حدث كالعادة خلال السير نحو نهاية الطريق، إرسال رسائل متناقضة ونشر معلومات مضللة. لم يكن هناك مصابون في الهجومين على الناقلات، وفي هجوم هذا الأسبوع عملت قوة إيرانية على إنقاذ الملاحين من إحدى السفن التي أصيبت. وليس من الصدفة أنه لم يضرب أي هدف أمريكي حتى الآن، إلى جانب سفن ومواقع نفط لدول أخرى.
في الوقت نفسه تستمر إيران في الإعلان بأنها ستعود إلى تخصيب مسرع لليورانيوم، الذي من شأنه أن يوصلها خلال بضعة أشهر إلى خرق واضح للاتفاق النووي (الذي ما زالت توقع عليه خمس دول عظمى بعد انسحاب الولايات المتحدة في أيار الماضي). هذا أيضاً جزء من التحدي الذي يهدف إلى حث واشنطن على تغيير موقفها.
في إحدى تغريداته مؤخراً، تطرق الرئيس الأمريكي لإيران وأطلق عليها اسم «دولة إرهاب». ولكنه لا يقوم في هذه الأثناء ببث موقف حاسم ومتواصل في الموضوع الإيراني، رغم خطة الـ 12 نقطة الطموحة من أجل الضغط على إيران، التي عرضها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو قبل سنة تقريباً. في عدد من التصريحات في الفترة الأخيرة، رمز الرئيس إلى أنه سيكون هناك من يمكن التحدث عنه مع إيران إذا رغبت في استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة. المعسكر الصقوري في الإدارة الأمريكية غير راض عن احتمالية لقاء ترامب مستقبلاً مع الرئيس الإيراني حسن روحاني. وسيشخص لديه وجود احتمال لمحبة حقيقية مثلما حدث في لقاءاته الغريبة مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ اون.
المهم في هذا السياق الهدوء الغريب وحتى الطويل لإسرائيل. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يقلل مؤخراً تصريحاته حول الموضوع الإيراني القريب جداً من قلبه. عندما يتحدث يذكر بالخطر الماثل من إيران بخطوط عامة. الوزراء الآخرون طلب منهم الصمت كما يبدو ـ لأن عدداً منهم ينتظر ترقيته في الفترة الانتقالية، ربما أن تطبيق سياسة الصمت أسهل مما هي في الأيام العادية. الاعتبار الإسرائيلي يبدو واضحاً جداً. القدس تأمل بأن تواصل الإدارة الأمريكية الضغط على إيران، لكنها تحاول بشكل نادر البقاء خارج العاصفة. فهي لا تريد اتهامها بأنها حثت ترامب على الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران.
الجنرال احتياط يعقوب عميدرور الذي كان مستشار نتنياهو للأمن القومي في السابق، عبر عن ذلك بشكل صريح في مقابلة أجراها مع «راديو الأسبوع»، المهمة الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل، قال، هي عدم إزعاج الأمريكيين في علاجهم للموضوع الإيراني، ومثلما في أحداث سابقة، يمكن الافتراض هذه المرة أيضاً بأن عميدرور يعكس موقف رئيس الحكومة.

عاموس هرئيل
هآرتس 16/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية