مهارات شخصية لطالب مسكين

حجم الخط
0

لنعود ثلاثون سنة للوراء نجد أن النظام المدرسي في المجتمعات العربية ما زال يدور في نفس الفلك ونفس المنهجية التي كان عليها في ذاك الزمان، ورغم ما تدّعيه وزارات التربية المتعاقبة من إضافات وتحسنيات قدمتها لتحسين هذا النظام، فإن الطالب ما زال يفتقر لمهارات ضرورية لجعله قادراً على مواجهة المراحل التالية من حياته سواء في الجامعة أو العمل أو حتى التعامل مع الحياة، بداية من حب المطالعة والمعرفة ومروراً بتطوير المهارات الشخصية من مهارات التواصل مع الناس والتفكير الايجابي وإدارة الوقت وتنمية روح الفريق والقدرة على التحليل واتخاذ القرارات بحيادية.

فَجُل هذه ‘التطورات’ المزعومة، تتمثل في إضافة مادة جديدة من هنا وحذف أُخرى من هناك، أو تقليل أو زيادة ساعات الدوام أو وقت الراحة، أو تغيير نظام الامتحانات والدرجات. ومراجعة وتطوير هذه النقاط شيء جيد وحيوي لمواكبة التغييرات التي تجري في عالمنا المتسارع التغيير. ولكن أتسائل لماذا مازال طالبنا المدرسي بعد مرور هذه السنون يكون تركيزه (و العائلة) منصب مثلاً على على آخر سنة دراسية فقط، ومعدل الكتب المقروءة خارج المدرسة يكاد يقارب الصفر، والطالب ينسى ما درسه العام المنصرم خلال ستة أشهر أو سنة، وليس لديه أي كفاءة في عمل مقابلة عمل، أو عمل دراسة بطريقة مبنية على أسس علمية وسليمة، أو حتى تقديم محاضرة أمام قرنائه من طلاب أو زملاء عمل لاحقاً. تثبت الدراسات العلمية أن أهم أسباب نجاح الإنسان في حياته العملية يكمن في قوة مهاراته الشخصية، بل أن خمسة وثمانون بالمئة من نجاح الموظف يعود لمهاراته الشخصية والباقي يُرد لمعرفته التقنية وشهاداته العلمية. والذي يبحث في مجال المهارات الشخصية يندهش لأهمية هذا المجال في نجاح الطالب في مستقبله، ولكن أين نحن في مدراسنا من هذه المهارات وبنائها في طلابنا المساكين الذين يقرأون المواد الدراسية طوال العام وبنفس النمط التدريسي سواء كانت المادة علمية أو أدبية فقط بهدف النجاح في امتحان آخر العام، ويزداد الموضوع سوءً (بل أقول ظلماً) حين يتم مكافئته ومعاقبته على معيار واحد فقط… العلامة النهائية، متناسين (أو متجاهلين) ما للمهارات الشخصية من أهمية كبرى في جعل هذا الطالب أقوى وأنجح وأقدر على مواجهة تحديات المستقبل الدراسية منها والعملية، بل حتى الشخصية.

و إذا توجهنا بعيداً صوب المدارس في العالم المتطور ننبهر كيف تقوم المدارس بتطوير شخصية الطالب منذ سنواته الأولى من خلال جعله يتخذ القرارات في اختيار بعض مواده الدراسية، والزامه بعمل دراسات علمية ومحاولات أدبية وشرح التاريخ من منظوره الشخصي، والتعليق وإبداء الرأي على مواضيع حساسة سياسية واقتصادية وأدبية وحتى فنية، وتشكيل فرق لعمل مناظرات في هذه المواضيع. بل يتجاوز ذلك ليصل إلى تقييم المدرس (و يا ليت لو نعمل تقييم لمدرسينا يوماً ما حتى تتأكد وزاراتنا للتربية كم أحوال أنظمتهم المدرسية محزنة). وكل هذا يخلق لدى الطالب بشكل تدريجي وعبر السنين قدرات ومهارات تجعله يتفوق على طالبنا لو هُم تواجها في صف جامعي واحد أو شركة واحدة.

النظام المدرسي يمثل لبِنَة أساسية في تطوير الطالب وبالتالي المجتمع. ولكننا (أو وزاراتنا المحترمة والتي تمثل ايدولوجية دولة ونظام عقيمين) أغفلنا وتغافلنا كيف نصنع أناس مميزين في المستقبل وإداريين وقُواد نستطيع بهم أن نقارع تلك الدول المتطورة أو أن نخلق على الأقل الأمل بذلك (منافسة الأمم الأخرى)، ورضينا لطلابنا المساكين بأن يكونوا مجرد مستقبِل لكم هائل من المعلومات لفترة تترواح الإثني عشر عاماً بدون أي تنمية لمهاراتهم الشخصية أو خلق الشعور بالثقة بأنفسهم على قدرتهم على مواجهة تحديات المستقبل وما أكثرها وأصعبها هذه التحديات. أحلم بربيع عربي آخر (لنَقُل عاصفة عربية) يجتاح أنظمتنا المدرسية يركز أكثر على اهتمامات الطالب الفردية ويحول هذه المواد الدراسية الصامتة الجامدة إلى متعة حقيقية بفائدة مستقبلية تجعل من الطالب عاشق للمدرسة وللدراسة وشاكراً لها في المستقبل لما نَمّته فيه من قوى جعلته ناجحاً في عمله وحياته. بدون نظام مدرسي بهذه الصفات لا يمكن أن تقوم لنا قائمة أمام المجتمعات التي تسبقنا، وكل ربيع عربي سياسي سيكون تأثيره أقل حدة بدون تعليم فعّال. ورغم أن الرؤية لمستقبل تعليمي أفضل في بلادنا تبدو للبعض قاتمة، إلًّا أننا لا يجب أن ننسى أننا أمة قادت الدنيا لقرون طوال، فليس من المستحيل أن نعود لدور القيادة هذا الذي بدأ مع رسالة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

محمد سعيد – الجزائر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية