مهام خطيرة أمام حكومة مدبولي الجديدة… والشعب يريد قتل الغلاء والظلام

حسام عبد البصير
حجم الخط
3

القاهرة ـ «القدس العربي»: أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس السيسي، تلك الحكومة التي استغرق ظهورها للعلن قرابة شهرين من المشاورات، والتي يدرك أفرادها أن مصر باتت تواجه تهديدات وجودية، وأن استمرار إطلاق الأماني من مصنع الأوهام لن يجد بين الأغلبية التي تعاني الأمرين من يصدقه، لأجل ذلك دعا الرئيس السيسي قبل أن تظهر الحكومة للعلن بأن مطالب الجماهير المؤجلة، خاصة الملحة منها يجب التصدي لها وإنجازها على الفور، وبالتأكيد في الصدارة منها استمرار ارتفاع الأسعار بالنسبة للسلع الاستراتيجية، والتصدي لأزمة انقطاع التيار الكهربائي.
وعلى المستوي الشعبي ما زالت الحرب التي تشن على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تمثل مصدر اهتمام للكثيرين الذين يلازمهم الشعور بخذلان القضية وأصحابها، إذ يشتد الحصار العالمي على مليوني غزاوي، للحد الذي يصبح ما تبقى من ورق الشجر طعام المواطنين هناك مهددا بالنفاذ بينما المقاومة الفلسطينية، تواصل إبداعها ومفاجآتها، في تلقين الكيان وحليفته الولايات المتحدة أعظم الدروس وأشدها تعقيدا في عالم الحروب والنظريات العسكرية، دون أي امداد من الخارج، أو مخزون يحول بين المقاومة والتوقف عن نضالها، الذي يتواصل على مدار الساعة.
وفي أول تصريح له قال الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف أتقدم بأخلص الشكر والتقدير والاحتراف للرئيس السيسي على ثقته التي أولاني إياها لهذا المكان، وأضاف خلال لقاء على شاشة “إكسترا نيوز”، أننا سنعمل تحت قيادة الرئيس السيسي، بما يليق بوطننا. وأوضح أننا سنعمل على تحويل المساجد إلى منارة للأمان والعلم وحفظ الوطن، وتقديم الخطاب الديني الرشيد، مضيفا أن تجديد الخطاب الديني ضمن أولوياتنا. وأكد، أننا نواجه تحديات صعبة تحتاج إلى وعي كبير لإدراك حجم الخطر.
كما أكد السفير بدر عبد العاطي وزير الخارجية، أن مصر تعيش في منطقة تموج بالصراعات والأزمات، كما لم تواجه مصر في تاريخها الحديث والمعاصر أزمات من كل الاتجاهات، سواء من الغرب أو الجنوب أو الشرق. وأضاف خلال تصريحات تلفزيونية، الدولة المصرية راسخة وقوية، ودورها الإقليمي والدولي الآن واضح للعيان ومشهود له، كما أن مصر ركيزة الاستقرار في هذه المنطقة التي تموج بالصراعات. وقالت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي الدكتورة رانيا المشاط، إن المرحلة المقبلة ستشهد جذب عدد كبير من الاستثمارات. وأوضحت الوزيرة، في أول تصريحاتها عقب توليها حقيبة التخطيط والتعاون الدولي، أننا نعمل على تلبية الاحتياجات الوطنية وترتيب أولوياتها.
آن لغزة أن تستريح

لشهور ظل مجرم الحرب نتنياهو يرفض كل النداءات الدولية لإيقاف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ويصمم على اقتحام مدينة رفح الفلسطينية باعتبارها مفتاح النصر النهائي الذي سيقضي على المقاومة الفلسطينية، ويستعيد الرهائن، ويجبر سكان غزة على الهجرة القسرية من وطنهم. الآن.. وبعد اقتحام رفح، وارتكاب كل جرائم الحرب وقتل آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والمدنيين.. يجد نتنياهو نفسه، حسب جلال عارف في “الأخبار” بطريق مسدود، كما حذره الجميع بمن فيهم قادة جيشه أنفسهم ومقر حكومته، بما سمته الانتقال إلى مرحلة جديدة في الحرب تسحب فيها القوات العسكرية، وتقول إنها ستعتمد بعد ذلك على الضربات الانتقائية، وتزعم أنها تفعل ذلك بعد القضاء على القوة العسكرية للمقاومة. والحقيقة التي يعرفها الإسرائيليون أنفسهم قبل غيرهم أن مجرم الحرب لم يحقق شيئا من أهدافه.. لا استعاد الرهائن، ولا قضى على المقاومة، ولا أكمل النصر النهائي الذي زعم أنه سيأتى به مع اقتحام رفح. كل ما فعله إلحاق أكبر دمار لتنضم رفح إلى باقي غزة، كمنطقة لا تتوافر فيها أسباب الحياة، وأنه ارتكب العديد من المذابح وأقام العديد من المحارق الصهيونية.. وأن جيشه ـ في المقابل ـ دفع أثمانا باهظة من الجنود القتلى والمصابين، وسيظل يدفع حتى يقر بالفشل ويوقف المذابح وينسحب من كل الأرض الفلسطينية المحتلة، ورغم كل ذلك.. ما زال مجرم الحرب نتنياهو يراهن على كسب الوقت، وعلى فتح جبهات أخرى، لكنه لا يفعل شيئا إلا الهروب من فشل إلى آخر. لا أحد في العالم يعطي ثقته لحكومة من زعماء العصابات المهووسين بالحرب والعنصرية، وغالبية الإسرائيليين ترفض استمرار الحروب المجنونة، والجيش الإسرائيلي المنهك لا يريد تحمل مسؤولية المزيد من الفشل، ويدرك حجم الخطر في غياب أي رشد سياسي مع حكومة يتحكم في قراراتها أمثال بن غفير وباقي زعماء عصابات الإرهاب الصهيونية. حتى لعبة الهروب للأمام التي أدمنها نتنياهو لها حدود، الحرب، الشاملة على لبنان لن تتم إلا بموافقة أمريكا ودعمها «وهو غير متوافر الآن» والتصعيد في الضفة لن تتحمل إسرائيل نتائجه، والاعتراف بالهزيمة لا يدخل مطلقا في حسابات مجرم الحرب نتنياهو.. لكنه ـ بالتأكيد ـ يفرض نفسه، في وقت يدرك فيه الإسرائيليون أن وجود إسرائيل نفسه مهدد كما لم يحدث من قبل، بسبب نتنياهو والعصابة الإرهابية التي تقود إسرائيل إلى الهاوية.

امتداد لما حدث

كان ينبغي أن تتوحد إرادة القوى الفلسطينية في ظل مواجهة الكيان الصهيوني والقوى التي تسانده. كان ينبغي أن يقف الشعب الفلسطيني بكل ما لديه من مصادر الصمود والقوة، ولكن عادت المواجهات القديمة بين حماس والسلطة، وبين غزة والضفة، وما زالت إسرائيل، كما أوضح فاروق جويدة في “الأهرام” تراهن على الصدام بين أبناء الشعب الواحد، ولن يكون ذلك جديدا، بل هو امتداد لما حدث قبل ذلك.. كان ينبغي أن يترفع الجميع عن المناصب والمصالح والخصومات، ولكن بدأ التراشق على الشاشات، وبدأت الاتهامات بالخيانة بين المسؤولين الكبار في السلطة وحماس وفرق المقاومة الأخرى.. كان ينبغي أن يدرك دعاة السلام أن أوسلو فشلت، وأن ما قامت به حماس أعاد القضية الفلسطينية إلى الرأي العام العالمي، وأن عملية طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيلي حركا الملايين في دول العالم، الذين خرجوا تأييدا لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته.. الخلاف بين السلطة وحماس يجعل إسرائيل تفكر في إشعال الصراع بينهما، وقد نجحت في ذلك في يوم من الأيام.. كان ينبغي أن يجتمع قادة حماس والسلطة وكل القيادات الفلسطينية لتوحيد صفوفهم، لأن هناك أطرافا كثيرة تريد إشعال الفتن وليس هذا وقت تصفية الحسابات، خاصة أن شباب فلسطين هو الأحق الآن بأن يتصدر المشهد، وأن تمنح الفرصة لمن يقاتل، وعلى مواكب السلام العاجز أن تترك الساحة لأنها لم تحقق شيئا للقضية.. أخشى أن تنجح إسرائيل في إشعال الفتنة بين أبناء الشعب الواحد وهو يخوض أشرف معركة في تاريخ فلسطين، خاصة أننا نعيش فرصة تاريخية قد لا تتكرر.

مؤامراتهم فاشلة

لم تفلح حرب الإبادة الجماعية التي تواصلها إسرائيل في غزة في خلق واقع جديد يوافق مخططات اليمين المتطرف، الذي يحكم ويظن أنه يتحكم في إعادة رسم خريطة المنطقة، دون اعتبار لتعارض كل ما يقوم به مع مصالح القوى الإقليمية التي باتت جميعها في حالة اختلاف كامل مع مجمل ما يجري خاصة مع عدم استجابة المفاوض الإسرائيلي لكل محاولات وقف الحرب. الرأي العام في إسرائيل الذي يتابع توجهاته صلاح البلك في “الوطن” يضغط هو الآخر في اتجاه الوقف الفوري للحرب حفاظا على أرواح من تبقى من الأسرى على قيد الحياة، مع قناعات مؤكدة بعدم جدوى استمرار القصف والقتل وإفشال كل جولات المفاوضات عن عمد واستمرار اختلاق مساحات خلافية مع الحليف الرئيسي متمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعمد الاقتراب من حد الصدام مع الوسطاء الرئيسيين في المنطقة، الذين باتت لديهم قناعة بأن إسرائيل لا تريد سوى استمرار الحرب لأهداف غير معلنة، تتعلق بسياسات جديدة تثبت السيطرة على مجريات الأمور في المنطقة، وإن خالفت كل المواثيق الدولية والقواعد الدبلوماسية، أو المصالح المشتركة مع أطراف فاعلة ومهمة في المنطقة. نتنياهو لا يهتم بفداحة نتائج كل ما ارتكبته قوات الاحتلال، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، أو أخطر التداعيات المتمثلة في الاحتمال المؤكد لاشتعال جبهة جنوب لبنان، وما قد يترتب عليه من توسيع دائرة الصراع ليشمل كل المنطقة، وسيستدعي حتما بعض الأطراف التي قد لا تتحلى بضبط النفس والحكمة التي مارستها خلال الشهور الماضية.

صمودهم أسطوري

الحرب والتجويع لن يفلحا في الإفراج عن الأسرى، ومن الوارد وفق ما يتوقع صلاح البلك، أن تتسبب في قتلهم وهو ما لا يمثل الاهتمام الأول لحكومة تمعن في صناعة مناطق صراع، وتخلق مواجهات في كل شبر تسيطر عليه، كما أنها لا تمتلك أي رؤية موضوعية لطبيعة ما قد تسفر عنه عمليات القتل من زيادة انتشار الكراهية، بما يؤسس لحالة من الرفض لفكرة الحلول التفاوضية لدى شعوب المنطقة في جهتي الصراع بشكل يصعب تداركه. الانقسام والتفسخ داخل المجتمع الإسرائيلي لا يشغل بال جنرالات الحرب، كما أنهم استنادا إلى الدعم الأمريكي المطلق لا يهابون منظومة العدالة الدولية، المتمثلة في المحكمة الجنائية التي ستصدر مذكرات الاعتقال بحقهم هذا الشهر على الأرجح، ولا يتخوف أحد منهم من تأثيرات الاقتراب من الانتخابات الأمريكية واحتمالات تغير الإدارة، خاصة وأن كلا الحزبين تتشابه مواقفهما، وتكاد تتطابق في مواقفها من إسرائيل، بل يتسابق كل من بايدن وترامب في إظهار مدى دعمهما غير المقترن بالاستجابة لبعض الضغوط الرامية لوقف الحرب. لم تعد أهداف الحكومة الإسرائيلية تقتصر على ما سبق وأعلنته مع بداية الحرب، بل إنها تسعى للتخلص من كل الالتزامات الموثقة، وفق اتفاقية أوسلو، وتجتهد في القضاء على السلطة الفلسطينية، وتبذل كل جهودها للإجهاز على فكرة حل الدولتين، وتركز على خلق إدارة مدنية في الضفة وغزة بلا صلاحيات، اعتمادا على فرض الأمر الواقع الذي خلقته الحرب والقوة العسكرية ما يمثل «الخروج الإسرائيلي الأخير» من المسيرة الساعية لخلق عالم ينعم بقدر نسبي من السلام. فرص السلام باتت ضئيلة وكل القراءات تؤكد أننا نتجه إلى وضعية معقدة تسببت فيها الممارسات الإسرائيلية، وعمليات القتل والتجويع في غزة والضفة، بخلاف تدهور العلاقات الدبلوماسية وعدم احترام كل الاتفاقيات مع دول وقوى هي الأهم في المنطقة، والتي أسهمت في حفظ حالة من الاستقرار النسبي في المنطقة طوال عقود، ما لم يكن للمجتمع الدولي دور أكثر فاعلية يستطيع فرض حلول عادلة لصراع يتجدد ويهدد السلم العالمي.

حاضرة رغم الأشرار

فلسطين حاضرة بقوة اليوم في انتخابات مجلس النواب الأمريكي. وبسبب مناصرتها استُهدف النائب التقدمى الأسود جمال بومان في الانتخابات التمهيدية في ولاية نيويورك الأسبوع الماضي. فمنذ شهور طويلة والكلام للدكتورة منار الشوربجي في “المصري اليوم” ينفق لوبي إسرائيل أموالا طائلة للتخلص من بومان، واستبداله بنائب آخر مطيع للوبي ومؤيد بلا شروط لإسرائيل. ولوبي إسرائيل ليس منظمة واحدة، وإنما عشرات المنظمات والجمعيات وعلى رأسها «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية»، المعروفة اختصارا بإيباك. والأموال التي أُنفقت في دائرة بومان وحدها من كل منظمات لوبي إسرائيل بلغت 23 مليون دولار، أنفقت منها «إيباك» بمفردها 14 مليون دولار، الأمر الذي جعل الحملة ضد بومان الأعلى إنفاقا على الإطلاق في تاريخ الانتخابات التمهيدية كله، أي التي تجري بين منافسي الحزب الواحد. باختصار، نجح لوبي إسرائيل في شراء مقعد بومان لصالح إسرائيل، فلوبي إسرائيل جند المدعو جورج لاتيمر من أجل منافسة بومان وأنفق على حملته بلا حدود، ثم خصص الملايين لحملة دعاية تلفزيونية ضد بومان. أما لاتيمر نفسه، فقد أدار حملة عنصرية تتسم بالصفاقة والكذب معا. فهو لم يتهم بومان فقط بالحصول على «تمويل من حماس»، وإنما قال إن الرجل يمثل ديربورن (المدينة ذات الأغلبية من العرب والمسلمين الأمريكيين) أكثر مما يمثل دائرته، بل واستخدم عبارات تأتي من عمق التاريخ القبيح للعنصرية، إذ قال مثلا أن بومان «يصرخ في الجمهوريين ويخطب فيهم من على سلالم الكونغرس» في إشارة للصورة النمطية العنصرية للرجل «الأسود الغاضب» التي تصوره كوحش كاسر يلزم تقييده. وبومان حين فاز بمقعده أول مرة عام 2020 كان، مثل أغلبية زملائه، مؤيدا لإسرائيل ولا يذكر فلسطين مطلقا.

يخشون سخطها

المفارقة التي توقفت عندها الدكتورة منار الشوربجي هي، أن زيارة بومان لإسرائيل، التي نظمتها له منظمة صهيونية في 2021 أدت لتغيير مواقفه. فخلال الرحلة، زار الضفة الغربية، فرأى بعينيه أوضاع الفلسطينيين. لكن الأهم أنه اكتشف، كما قال، أن «هناك شوارع يحظر على الفلسطينيين المرور منها وأماكن لا يمكنهم دخولها»، وهي بالضبط أوضاع السود في زمن الفصل العنصري البغيض في أمريكا. وما أن عاد بومان حتى تغيرت مواقفه، فصار ينتقد إسرائيل علنا ويرفض تمويلها دون شروط. ومتى بدأ العدوان على غزة وصفه صراحة «بالإبادة الجماعية» وكان من أوائل الذين طالبوا بوقف إطلاق النار، لذلك، سعى اللوبي لهزيمته لتحقيق هدفين، أولهما التخلص من صوته في الكونغرس وثانيهما إثارة ذعر باقي النواب من انتقاد إسرائيل لئلا يلقون المصير نفسه. وتلك ليست المرة الأولى التي يقوم بها لوبي إسرائيل بطرد أعضاء الكونغرس السود تحديدا من مقاعدهم. وهو من أهم أسباب الصدع الممتد لعقود في العلاقة بين السود واليهود في أمريكا، إذ يعتبره السود استهانة بمقدراتهم واستعلاء واضحا عبر اختيار من يمثلهم في الكونغرس نيابة عنهم. لكن المفارقة أن بومان ليس بالضرورة أحد تلك الحالات. فدائرته أغلبيتها من البيض من الطبقة الوسطى العليا، وفيها أعلى تركز لليهود الأمريكيين في أمريكا كلها، وهي بالتالي ليست معيارا، بينما فشل اللوبي في هزيمة نائبة سوداء أخرى قبل شهور. لذلك، فالامتحان الحقيقي سيأتى في أغسطس/آب. فلوبي إسرائيل ينفق أموالا طائلة لهزيمة النائبة السوداء التقدمية كوري بوش، أكثر النواب التقدميين السود دعما لفلسطين، في تقديري. وهي تمثل دائرة ذات أغلبية سوداء تمثل الطبقة الوسطى الدنيا. غير أن الأكثر دلالة على الإطلاق في القصة برمتها هو استراتيجية لوبي إسرائيل لهزيمة هؤلاء. فهي تقوم على دعاية تركز بالكامل على قضايا داخلية وتخلو تماما من أي ذكر لغزة وإسرائيل.

نتنياهو مكرر

كل يوم يتضح للمتابع أن في تل أبيب رئيسين للحكومة، أحدهما شكلي أمامنا هو بنيامين نتنياهو، وثانيهما اعتبره سليمان جودة في “المصري اليوم” فعليا من وراء ستار هو إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي. وحتى عبارة «من وراء ستار» هذه ليست دقيقة تماما، لأن بن غفير يمارس ما يمارسه في العلن، ولا يخفي استحواذه على قرار بقاء الحكومة كلها في الحكم.. آخر الدلائل على ذلك أنه قال لقناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية إنه «خارج الحكومة إذا توقفت الحرب على غزة». فما معنى هذا الكلام؟ معناه أنه يهدد رئيس الحكومة مباشرة بإسقاطها، وهذه ليست المرة الأولى، فقد فعلها من قبل مرات وسيظل يفعلها.. إنه يعرف جيدا مدى رعب نتنياهو من سقوط الحكومة، ولذلك يواصل استخدام هذه الورقة الابتزازية معه، بلا رحمة. الحكومة القائمة أمامنا في تل أبيب تشبه الكرسي الذي يقف على 3 قوائم، إذا انكسر قائم منها سقط الكرسي على الفور.. أما القائم الأول فهو كتلة الليكود التي يترأسها نتنياهو، وأما الثاني فهو حزب «القوة اليهودية» الذي يترأسه بن غفير، وأما الثالث فهو حزب «الصهيونية الدينية» الذي يترأسه بتسلئيل سموتريتش وزير المالية.. والأشخاص الثلاثة يضمنون أغلبية مطلقة في الكنيست، ويحكمون متضامنين، لأنهم بأحزابهم الثلاثة يملكون أكثر من 60 مقعدا في مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدا. وهذا ما يعرفه بن غفير طبعا وهو يقول في كل مرة، إن وقف الحرب على غزة معناه أنه سيترك الحكومة فورا. والمشكلة ليست في أنه سيتركها، ولكن المشكلة أنه سيأخذ نتنياهو معه، وإذا أخذه معه ففي اليوم التالي سيكون رئيس الحكومة أمام محاكمتين معا: واحدة جنائية في أربع قضايا فساد يقف فيها أمام العدالة منذ ما قبل تشكيل الحكومة، ولا يمنع استئناف محاكمته إلا وجوده على رأس الحكومة.. والمحاكمة الأخرى سياسية عن تقصيره في وقوع هجوم السابع من أكتوبر، الذي أشعل هذه الحرب على قطاع غزة. لهذا كله أصبح نتنياهو لا يتفادى شيئا في حياته قدر تفاديه وقف الحرب، ليس عن رغبة مجردة في مواصلتها، ولكن عن خشية حقيقية مما ينتظره بعدها.. وكلما هدأ هذا الهاجس في داخله راح بن غفير يحركه أمام عينيه فلا تكون النتيجة إلا استمرار الحرب.

وقود الأثرياء

فترة التسعينيات والعقد الأول من الألفينيات كان العمل في القطاع الخاص يحمل ميزة وعيبا. أما الميزة فهي المرتبات الكبيرة مقارنة بمرتبات العاملين في القطاع العام. أما العيب فهو كما يرى محمد بحيري في “الوفد”، عدم الاستقرار الوظيفي والاستغناء عن العامل في أي وقت، أو ما يعرف بـ«استمارة 6». الآن راحت الميزة، وبقي العيب. فغالبية القطاع الخاص حاليا أقول غالبية، وليس الكل يجد عمالة فائضة رخيصة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تدفع الجميع للبحث عن عمل، وفي ظل ظروف تعليمية لا تؤهل العامل أصلا للمنافسة والاستقرار. لم تعد هناك مرتبات محترمة، سوى مجالات بعينها في البنوك وشركات البترول والتكنولوجيا.. أما السواد الأعظم فهم عبيد في انتظار ما لا يجيء. ظل الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص، شعارات رنانة ولافتة عريضة، تخفي وراءها ويلات المعذبين واللاهثين وراء لقمة العيش. ففي يناير/كانون الثاني 2022 وصل الحد الأدنى إلى 2400 جنيه، ثم ارتفع إلى 2700 جنيه بعدها بعام، ثم ارتفع مرة أخرى في يوليو/تموز 2023 ليصل إلى 3000 جنيه، ثم إلى 3500 جنيه، ثم إلى 6 آلاف جنيه حاليا. لكن.. كم منشأة تلتزم بتطبيق الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص؟ كم تبلغ نسبة المنشآت الملتزمة من إجمالي قطاعات التصنيع، سواء الملابس، أو الصناعات الغذائية، أو الأسمدة، أو المراكز الطبية والمستشفيات وغيرها من القطاعات؟ كم عاملا يحصل على الحد الأدنى للأجور من إجمالى 12.6 مليون عامل طبقا لآخر إحصاء رسمي بعدد العاملين سواء في القطاع الخاص الرسمي أو غير الرسمي؟
فوق القانون

منح القانون الذي يستشهد به محمد بحيري المُنشآت التي تواجه «ظروفا اقتصادية» يتعذر معها الوفاء بالحد الأدنى للأجور، حق الاستثناء من تطبيقه.. لكن ليست كل مؤسسة تخسر على الورق هي مؤسسة خاسرة فعلا. فثمة مؤسسات تخسر بالفعل، وهذه لا يمكن إجبارها على تطبيق الحد الأدنى للأجور، وإلا سيكون ذلك انتحارا لها. وهناك منشآت صغيرة، وبالطبع استثناها القانون أيضا. أما الكيانات الكبيرة التي يتم إعداد قوائمها المالية بالسلب، لتجنب الضرائب على الأرباح، وتجنب الحد الأدنى للأجور، فهذة كارثة أخلاقية قبل أن تكون جريمة قانونية. لا يمكن أن نضع رؤوسنا في الرمال، ونكتفي بتبريرات من نوعية أن العامل المصري قليل الإنتاج، أو لا يمتلك الخبرة ولا يلتزم بساعات العمل وحجم الإنتاج. فهذا العامل لو تلقى تعليما جيدا، ولو عاش عدالة اجتماعية حقيقية لتغير حاله، وأصبحت فرص العمل تطارده بدلا من انكفائه على مشاكله وانتظاره الحد الأدنى للأجور. ربما لن تغير الكلمات ثقافة جانب من العاملين ممن يفضلون «الاتكالية»، وربما لن تغير ثقافة جانب من أصحاب العمل ممن يفضلون «الانتهازية».. لكن على الدولة أن تعي أن القطاع الخاص مسؤوليتها أيضا، وأي خلل فيه لن تكون تبعاته بعيدا عنها. وبالتالي فإن البداية تكون من إحصائيات تظهر كم منشأة ومؤسسة خاصة تطبق الحد الأدنى للأجور؟ وهل المنشآت المستثناة من التطبيق هي منشآت خاسرة فعلا أم أنها تأكل حق عبيد الأرض؟

بين السياسة والرياضة

يستحق حسين لبيب رئيس نادي الزمالك الهجمة الشرسة، التي يشنها عليه مشجعو القلعة البيضاء، بعد أن اتخذ موقفا جسورا تحت راية العدالة والإصلاح، ثم باع الاثنين دفعة واحدة تحت مظلة “الصالح العام”، في سوق النخاسة الكروية.. سوق يصفه أحمد عادل هاشم في “المشهد” بأنه لا قواعد له إلا الاستعلاء والاستهزاء.. استعلاء النخبة الرياضية “المنتخبة” على اللوائح والقوانين والنظام العام، يتشابه مع استعلاء النخبة السياسية الحاكمة في الشكل والمضمون. الطرف الأول يمارس الاستعلاء بقوة الجماهير وضغط الشعبية الطاغية للقطبين الكرويين الكبيرين، ويزيح القواعد الضابطة والحاكمة لإدارة المسابقات الكروية بعيدا، ليفسح المجال أمام ابتزاز السلطة “المرتعشة” من غضبة الجماهير التي تنتظر “شكة دبوس” لتنفجر، أمام الأوضاع المعيشية الظالمة والمرهقة، والطرف الثاني (النخبة الحاكمة) يمارس الاستعلاء على الجماهير تحت راية أنها الأكثر دراية بالمصلحة الوطنية العليا. الاستعلاء على القانون بالترهيب والتضليل من شبح غضب الجماهير، ولّد الاستهزاء بالقانون ذاته.. نبدأ بكرة القدم قبل أن ننهي بالسياسة: الاستهزاء باللوائح والقواعد والنظام، جزء أصيل من تاريخ كرة القدم في مصر، ولا يهم مَن صاحب الضربة الأولى، الأهلي أم الزمالك، فالكبيران لهما تاريخ حافل في الإطاحة بالقانون واللوائح.. النادي الأهلي استهزأ بلوائح المسابقة نحو 19 مرة، بدايتها عام 1930، عندما أعلن الانسحاب أمام النادي المصري في بورسعيد بنهائي كأس مصر وكانت النتيجة تعادل الفريقين 1/1، ورفض لعب الوقت الإضافي بسبب حلول موعد مغادرة القطار المتجه إلى القاهرة، واعتبر النادي المصري نفسه فائزا نتيجة انسحاب المنافس، واحتفل أهالي بورسعيد بالتتويج بنهائي الكأس.. إلا أن اتحاد الكرة قرر إعادة المباراة، والأغرب أنه قرر إعادتها في القاهرة على ملعب الترسانة وليس في بورسعيد.

خطيئة الكبار

هكذا يمارس القطبان الكبيران لعبة كرة القدم، كما أوضح أحمد عادل هاشم الأهلي فوق الجميع شعار يجسد حالة استعلاء القلعة الحمراء.. استعلاء ولّد الاستهزاء بالقيم والمبادئ، أهم وأغلى ما في النادي الأهلي، والوقائع لا تعد ولا تحصى، لعل آخرها التعاقد مع لاعب من الزمالك سبّ وأهان رموز النادي على مرأي ومسمع من إدارة نادي “القرن”، ليكتشف الرأي العام أن “المبادئ” أرجوحة تمتطيها الإدارة، وقتما تشاء من أجل كسب رضاء مشجعي الدرجة الثالثة. والزمالك، يدعي أنه نادي الكرامة والوطنية.. رئيس النادي يعلن الاعتذار عن مواجهة الأهلي، بحجة غياب المنافسة العادلة، ويحتشد وراء جماهير النادي الغفيرة تأييدا لقرار، يراه الجمهور خطوة كبرى لاستعادة الكرامة المفقودة بسبب ما يعتقدونه من تغول رابطة الأندية واتحاد الكرة عليه، مقابل الانبطاح أمام غريمهم التقليدي النادي الأهلي، وفي الوقت نفسه روجت إدارة الزمالك بقيادة حسين لبيب فكرة العصيان على الفساد الكروي من أجل “الوطنية” والصالح العام، إلا أنها سرعان ما طعنت “الوطنية” بخنجر المصالح الخاصة للنادي، التي قد تكبده خسائر عديدة. أما السلطة فتمارس الاستعلاء على المواطنين، وتمارس عليهم الاستهزاء في الوقت ذاته.. فمن جهة تفرض على الناس ضوابط صارمة في الاستثمار وتقديم الخدمات العامة، وتترك الباب مفتوحا أمام المسؤولين والمتنفذين وأصحاب الجاه والمال ليفعلوا ما شاء لهم، فنتج عن سياسة الاستعلاء، الاستهزاء بعقولنا في مشكلة الكهرباء (كمثال) وتستند إلى مبررات تتحمل وحدها مسؤولية وجودها، ولا يصدقها الناس.. الحكومة تترك المواطنين فرائس لعشوائية تسعير السلع، والبضائع المغشوشة (قطع غيار السيارات كمثال) وفي الوقت نفسه تمارس الاستعلاء عليهم على طريقة “اللي مش عاجبه يشرب من البحر”.. ومياه البحر شديدة الملوحة لن تعوض نقص مياة النيل بعد إملاءات إثيوبيا المتوالية لسد نهضة، فضلا عن خطوط حمر بألوان “اللخبطة”. بالاستعلاء والاستهزاء، تم تقسيم المجتمع المصري، إلى أهلاوي وزملكاوي، مثلما قسمتنا السياسة إلى وطني وخائن.

سيرضخ للزمن

في لحظة ما يواجه الأساطير سحرهم، فهل يستمرالسحر أم أنه يتضاءل ويهرب من بين أيديهم وأقدامهم. إنها معركة الزمن والنجومية، كما أخبرنا حسن المستكاوي في “الشروق”، ففي لحظة ما لا تستطيع المهارة أن تهزم الجسد. وبعد مباريات البرتغال حتى دور الثمانية لم يسجل رونالدو هدفا واحدا في مرمى المنافسين. وفقد قفزته الرائعة ورد فعله السريع، في مواجهة المدافعين. وكانت دموعه أهم من انتصار البرتغال على سلوفينيا وانتصار فرنسا على بلجيكا.. وسارعت الصحف والوكالات لعرض أرقام وشريط رونالدو مع ضربات الجزاء، فقد سدد 193 ركلة جزاء، أهدر منها 30 ركلة وسجل 163 ركلة سواء مع الأندية أو المنتخب البرتغالي. وأهدر كريستيانو رونالدو بقميص ريال مدريد 13 ركلة، وبقميص مانشستر يونايتد 4 ركلات، وبقميص يوفنتوس ركلات وبقميص منتخب البرتغال 8 ركلات. والركلة الأخيرة سحبت دموعه، لاقتراب مرحلة عدم الغفران من جانب الجمهور. ورنالدو الذي يلعب للنصر السعودي لم يهدر أي ضربة جزاء وتصدى لتسديد 14 أحرزها كلها. كان مارتينيز المدير الفني للبرتغال شجاعا حين صمم أن يبدأ رونالدو سباق ركلات الترجيح. وكان النجم البرتغالي شجاعا مثل مدربه، فقد تقدم لتسديد الضربة وسط صراع يدور في عقله ماذا لو ضاعت؟ وماذا لو هزت شباك الحارس يان أوبلاك؟ هناك جيل الآن في الفريق هو مستقبل البرتغال، وسيظل رونالدو أسطورة في تاريخ اللعبة في بلاده مثل غيره من الأساطير، وستكون تلك هي آخر بطولة كبيرة يشارك فيها، إنها كأس أوروبا السادسة بالنسبة له والأخيرة أيضا. في يوم ما، ستكون هناك مباراة للبرتغال لا تتعلق برونالدو، ولكن ليس هنا، ليس بعد هناك فرصة أخرى أمام رونالدو في مباراة فرنسا في دور الثمانية. هل يسجل هدفا أو أكثر؟ هل يخرج مع فريقه فائزا ومنتشيا؟ لكن تلك المباراة مهمة أيضا للاعبي المنتخب الفرنسي الذين ظلوا يمثلون «جزيرة وطنية هادئة» وبينما بلدهم يغلي بالسياسة، حتى إن بعض لاعبي الفريق صرحوا بأن معركة فرنسا السياسية لم تنته لفوز اليمين بنسبة 33% في اليوم الأول للتصويت.

العذراء لحل المشاكل

فى أرشيف مصطفى عبيد في “الوفد” نسخة من جريدة “الأخبار” المصرية في الخامس من مايو/أيار سنة 1968 ومانشيتها الرئيس يقول «بيان رسمي من البابا كيرلس الخامس يعلن: ظهور العذراء في كنيسة الزيتون» وأسفله عناوين أخرى تقول «آلاف المواطنين من مختلف الأديان والطوائف قرروا بيقين رؤية العذراء، واتفق وصفهم بشهادات جماعية.. العذراء ظهرت في ليال مختلفة، وأشكال مختلفة وكانت تتحرك وتمشي وتواجه المشاهدين وتباركهم وتشفيهم». وفي متن الخبر نقرأ أن ظهور العذراء بدأ يوم 2 أبريل/نيسان 1968، وأنها سبق وظهرت ثلاث مرات في العالم. وفي تفاصيل الخبر نعرف أن اثنين يعملان في ورشة إصلاح سيارات في الزيتون (مسلمي الديانة) اتصلا بالشرطة لأنهما رأيا سيدة ترتدي ملابس بيضاء فوق الكنيسة وتصوروا أن هناك راهبة تحاول الانتحار.
وعندما حضرت الشرطة تجمع الناس فرأوا نورا مبهرا فوق الكنيسة، وقال حارس الأمن فيها أن هذا النور يمثل السيدة العذراء. وتكررت الواقعة بعد أسبوع ما دفع الكنيسة لأن تشكل لجنة لبحث الأمر ودراسته. وتجمع المئات ثم الآلاف للتيقن والمشاهدة، وعلى رأسهم الوزراء والمسؤولون وأقر كثير منهم بذلك، وكتبت الصحف والمجلات قصصا وروايات عديدة، وصلت إلى حد القول بشفاء كل من شاهد العذراء، وصنعت أفلام لتوثق هذا الحدث الخارق. ومن جانبهم حاول رجال الدين تفسير المعجزة تاريخيا وربطها بأهمية مصر في التراث القبطي، وبمدلول مباركة السيدة العذراء للأرض الطيبة. ولم يقبل الرأي العام تساؤلات وطروحات منطقية بشأن المعجزة، كما لم يقبل محاولات تفسير الظاهرة علميا بالقول، إن الوهج الضوئي كان يعبر عن ظاهرة فيزيائية لها علاقة بالطقس. في ذلك الوقت تحديدا، كان الحزن عنوانا عاما في مصر. انكسار تام لدى الجميع، إحباطات تحيط بإحباطات، وشعور مكتوم بالغضب تجاه ولاة الأمر. فقبل أقل من عام واحد تعرضت مصر، بل العالم العربي كله لهزيمة قاسية من دولة صغيرة، حديثة الولادة، في حرب خاطفة، كشفت عورات دول عربية عرف قادتها بالصوت الزاعق، والشعارات الرنانة. كانت هزيمة يونيو/حزيران علامة فارقة بين محطتي الحلم والواقع، ففي ستة أيام فقط، خسرت مصر سيناء، وخسرت سوريا الجولان، وفقدت الأردن الضفة الغربية، ثم فقد العرب جميعا القدس الشريف. لم يُفكر أحد أن هناك ضرورة لبث روح إيقاظ واستنهاض همم ولو بالكذب والخداع. ربما كانت القصة كلها تلفيقا مُتقنا كما يقول كثير من الباحثين الأقباط اليوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية