مهدي علي الراضي: انهيار الحلم العراقي
حكم البابامهدي علي الراضي: انهيار الحلم العراقيدخل انتحار الكاتب العراقي مهدي علي الراضي في بازار التجاذبات السياسية، فحمّل بعض الكتاب ـ الذين تناولوا حادثة شنق الراضي لنفسه في منزله بدمشق ـ تلميحاً أو صراحة السلطات السورية مسؤولية موته، وفسّر آخرون انتحاره باعتباره احتجاجاً علي الأوضاع في بلده العراق، وكأن الراضي لم يكن أكثر من دليل إدانه ضد هذا الفريق، أو شاهد إثبات لصالح تلك الجهة، ولم يكن بشراً من لحم ودم وأعصاب يحق له أن ينتحر لحسابه الخاص، وليس لنصرة قضية آخرين أو لإدانتها.معرفتي بمهدي علي الراضي لا تتعدي السلام المجامل أحياناً في مقهي الروضة الدمشقي، الذي أصبح في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ملتقي أغلب مثقفي العراق الهاربين من استبداد صدام حسين، وقد مرّت علاقتنا بهم كسوريين في عدة أطوار، من الاستماع بانصات وتعاطف للاضطهاد الذي تعرضوا له في بلادهم واضطرارهم للهرب، إلي حالة السأم من قصصهم وشكواهم، إلي وقت أصبحت فيه هذه القصص المؤلمة ولكثرة تكرارها علي ألسنتهم فرصة للتندر واختراع الدعابات عنها وحولها في سهراتنا، إلي اليوم الذي تحولوا فيه إلي مجرد اكسسوارات معتادة في المقهي، ولم نعد نشعر بوجودهم، إلي أن غادر أكثرهم إلي منافٍ أخري، وفي كل هذه الحالات لم نأخذهم علي محمل الجد، أو نتعامل مع شكواهم وآلامهم كبشر إلاّ من خلال تعاطف سياحي لابد وأنهم شعروا بمستوي برانيته وسطحيته.واليوم ومع سماعي لخبر انتحار مهدي علي الراضي، وبعد أن حدث ما حدث في العراق عقب الغزو الأمريكي له وإطاحة صدام حسين ونظامه، وتحوّل العراق إلي مسلخ بشري غطت فيه روائح الدم والموت، علي أشعار بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ومظفر النواب وعبد الكريم كاصد، أشعر أني مدين لهؤلاء الكتاب العراقيين باعتذار عن ضعف مشاعرنا وبلادتها تجاههم، عندما كانوا بحاجة ماسة لبعض الاحساس بالأخوة البشرية، وأحس من خلال حادثة انتحار مهدي علي الراضي بالمأزق الذي وصل إليه الكاتب والمثقف العراقي، الذي هرب من الاستبداد، وهلل لسقوطه فيما بعد، ثم اكتشف فجأة بلداً غريباً عنه، ليس الوطن الذي تركه، وكل ما فيه لا يشبه الحلم الذي حلمه به وله خلال سنوات تشرده ونفيه.ولهذا السبب بالذات لم يعد كتاب العراق وصناع ثقافته إليه، ومن عاد منهم رجع وفضل حياة النفي علي الحياة في الوطن الذي سكن عقله وقلبه طوال كل السنوات التي عاش فيها مشرداً، ولهذا السبب بالذات انتحر مهدي علي الراضي في هذا التوقيت بالذات، وبعد سقوط نظام الاستبداد الذي عاش كل السنوات السابقة علي أمل سقوطه، وبعد أن اكتشف أن الحلم الذي جعله يستمر في العيش حتي اللحظة التي قرر فيها الانتحار دمّر وهشّم، ولم تعد هناك أسباب قادرة علي اقناعه بالاستمرار في الحياة.بطريقة أو بأخري كان استبداد صدام حسين يعطي أملاً لكتاب العراق ومثقفيه للاستمرار بالعيش انتظاراً ليوم العودة إلي فردوس العراق المفقود والممنوع والمشتهي رغم كل مصاعب وآلام المنفي، أما اليوم وبعد تحوّل الفردوس العراقي من مفقود وممنوع ومشتهي إلي مهشم وبائس ودموي، تغطي فيه رسائل القاعدة التلفزيونية علي مسرحيات جواد الأسدي، وتعلو فيه أصوات جيش المهدي الثأرية علي أشعار بدر شاكر السياب، ويصدّر صورته عبر الرؤوس والأرجل والأيدي المقطوعة بدلاً من أغاني ناظم الغزالي، فلن يكون مهدي علي الراضي لا أول ولا آخر المثقفين العراقيين المنتحرين، وإن كان غيره سيختار طرقاً أقل وضوحاً من الحالة التي اختارها الراضي لانهاء حياته بعد تهشم حلمه. 9