مهرجان الثورة العربية القاتل..؟

حجم الخط
0

باهي لخضر التبسيلعل الأبرز خلال الفترة الأخيرة التي أعقبت سقوط النظام الاقتصادي العالمي ظهور فقاعات الثورات الشعبية، سواء كان ذلك في الدول الأوروبية التي رفضت الانصياع لشروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي أو الانكماش الاقتصادي المتهالك رغم ضخ الكثير من الترليونات في شرايين البنوك المفلسة القائمة على الإقراض المفرط والمسموم، مما فسح المجال أمام شعوب العالم الثالث الثورة على حكامهم العالقين بين فكي رحى النظام الاستبدادي ومساعدات الإنعاش الاقتصادي الغربي، فاستقوت الشعوب على حكامها رغم كثرة جيوشها المتقاعدة والمتخاذلة التي أصبحت كالغربان المترهلة تترنح لتقتات من دماء شعوبها التي أصابها الوهن المزمن.. فالدول المتقدمة قلصت إلى حد كبير من نفقاتها العسكرية وتعداد جيوشها البشرية وانتقلت إلى ثورة النانو- تكنولوجي والمرتزق البشري فالجانب التقي وفر لها الجهد والمال والزمن والمرتزق البشري شكل لها الحاضن الميداني، أما العالم العربي فلا يزال يتمتع بلباسه التقليدي أثناء العروض العسكرية في ساحات المهرجانات اليومية ما دام يملك من الثروة البشرية من يقدم ضريبة الدم دون مقابل وعدم حصوله على أدنى حقوقه،… فها هو الجيش العربي العظيم؟.. اليوم يمثل كرنفالا تقليديا بامتياز بأدوات حادة قاتلة وسامة يمثل بها بين شوارع القرى والمداشر التي لم ترق إلى حد وصفها بالمدن الحضرية، يصطاد الفئران أو الجرذان (على حد قول.. القائد العظيم) والمندسين في رواية ‘اليمنيين’ أو ‘المخربين… والمندسين ‘ بلهجة السوريين وربما ‘الإخوان المسالمون المساكين ‘ بعامة المصريين، وثوارها الدهماء أو الغرباء وأبطالها الأشقياء والتعساء المغرر بهم.

فالثورة العربية لا تكاد تخرج في فستان المهرجان حتى تلقى مفرقعات النظام المتطايرة على صدور الشباب ورؤوسهم في كثير من الأحيان، ولا شك أن الإصابات المباشرة تترك وراءها شظايا بشرية وأحزانا اجتماعية ومآسي سياسية، الكل يبكي بلسان غيره، فالتنافس الحميم بين الجيوش العربية في كيفية إدارة هذه المهرجانات المسمومة والتظاهرات العسكرية القاتلة ظاهر لشاهد العيان الذي ينقل المشاهد صورا وصوتا حتى في جنح الظلام، ما دامت التكنولوجيا الرقمية قد وفرت له من الأدوات ما يجعله يتابع كل صغيرة وكبيرة عن قرب.. فقد جنح الجيش التونسي إلى ظاهرة البوعزيزي التي لم يستطع معها الصمود أكثر مما وقع من قتلى وجرحى فالأخطاء واقعة لا محالة لأن الجيش لم يعتد أن يتقبل ظهور الأعداد الغفيرة من المشاركين في مهرجان الثورة، فالقانون لديه لا يسمح بمرور أكثر من ثلاثة أفراد إلى الطريق المقابل، أما جيش السد العظيم فقد انهار بناؤه أمام عاصفة المهرجان المصري الأنيق في ظرف قياسي وفي مشهد حزين يبكي الأموات قبل الأحياء، فأعداد المشاركين فاق التوقعات والاستنساخ الجماهيري حقيقة لا مفر منها فالمواقع الاجتماعية ألهبت المشاعر ودفعت بالأبدان إلى ساحات الميدان لتفك قيود الحرية وترفع راية الكرامة البشرية… أما الجيش اليمني المسلح فلكوريا بالفطرة… فلا يعدو أن يكون قبليا بامتياز، ويصلح أن يقيم المهرجان الأسبوعي على حافتي الطريق سواء كان الستين أو السبعين وقد يقتسم الطريق مع خصمه من الفريق المقابل، بخطيبين متدابرين يلعن بعضهم بعضا ويدعو كل واحد منهم في مهرجان الجمعة على الآخر بالويل والثبور والفسق والفجور وكثرة حفارات القبور، وهكذا يبدو مشهد مهرجان القاتل والمقتول على خشبة مسرح الثورة العربية والمتفرجون بالملايين وأكثر كثيرا… واقتداء بالمرتزقة الليبيين الذين صمدوا إلى حين في وجه الثوار (الغير مسالمين هذه المرة) فقد أثاروا إعجاب الدول الكبرى التي لم تبخل عليهم بالعدة والعتاد ووسائل الدمار والخراب ما دامت الفواتير مدفوعة مسبقا في بنوكها وسخاء القادة العرب من جيوب شعوبها مرهون في باطن أرضها والقنوات الفضائية والمراسلون الجدد في الميدان الرملي المتصحر والمتحرك تحت أقدام الإخوة المتقابلين، في ساحة المعركة، في بسالتهم ونقل مشاهدهم المثيرة للجدل وشراستهم في أداء أدوارهم الموكلة إليهم من الباطن بأمر من المخرجين الحقيقيين من زعماء الناتو وأصحاب الفيتو وأكلة القاطو فيما بعد، ،.. فالمهرجان مستمر في الشرق بالغناء وفي الغرب بالعزاء وفي الوسط بالدماء وهكذا تمضي الثورة بمشاهدها الحربائية…. أما مهرجان الثورة السورية الذي تقدم فيه قليلا عن مثيلاتها بالصور الليلية التي تناقلتها قنوات يأجوج ومأجوج الإعلامية فقد أثارت استغراب الحيران واليقضان معا، والذي يتتبع نقل الصور بطريقة (نسخ ولصق)، فقد نشهد مشاهد من الأحلام تنقل إلينا صورا للمسيرات والقتلى والجثث الآدمية فالمسافة الزمنية في المنام لا تقدر بمدة، وقد تحطم الأرقام القياسية الفلكية والصور الخرافية والمطلوب من الإعلام الرقمي الدخول إلى أستوديوهات الرؤيى لحجز فضاءه للأحلام لعله يكسب مشاهدين أكثر فالجميع سيغط في نومه العميق بعد قليل، ، ،… أجدني مضطرا أن أقف عند هذا الحد، وأترك مجالا للآخرين للتفكير في صور المهرجان المتبقي لعل أحدهم سيرسم مشهدا مثيرا للثورة العربية فلعلها تقتل نفسها قبل الحلقة الأخيرة وقبل انتهاء العرض، ويفتح عليها تحقيق وتصبح في قائمة المتقدمين لنيل شهادة الانتحار النموذجي. ‘ خبير جزائري في علم الاجتماع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية