مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف

«السينما هي إشباع رغبة الجمال في الروح»
برغسون

ثمة علاقة خفية بين السينما والمؤلف لا يمكن الكشف عنها إلا في هذا المهرجان، الذي يجمع بين السينمائيين والنقاد، من أجل فتح حوار عميق حول سينما المخرج ومدى حضورها الآن وهنا، بل التساؤل عن قدرتها على مواجهة أزمة السينما في عصر الإنترنت والتلفزيون، لكن مع ذلك هناك سينما وهناك أفلام المؤلف التي تؤمن بأن العالم خلق لكي يصبح سينما، وبما أن سينما المؤلف تحتوي على الكثير من الأفكار التي ينبغي استثمارها في مجال الإستيطيقا وفلسفة الفن، فإنها فرضت نفسها كمدرسة للرؤية تربي الذوق على ملكة العين والإنارة والصورة. فبدون سينما سيشعر الإنسان بالغربة في هذا العالم، ولعل هذا بالذات ما يسعى إليه مهرجان الرباط، لكن بأي معيار يمكن للفلسفة أن تكشف الحجاب عن الوجه الحقيقي للمؤلف؟ هل هو فنان يستطيع أن يضع الحقيقة في عمله الفني؟ وهل هذا الفنان هو أصل العمل الفني؟ وكيف يكون الفيلم عملا فنيا على الرغم من أن التقنية تهدده؟ وما هو العمل الفني؟
من الحكمة أن نعترف بأن صدى هذه الأسئلة كان يرافقني خلال مشاهدة تلك الأفلام المبرمجة في المسابقة، فالتفكير بالعين لا يكون ممكنا إلا في ظلمة القاعة السينمائية، وأمام تلك الصور المتعبة بأثر الزمن، ما يسمح بتحديد ماهية الصورة السينمائية، انطلاقا من فلسفة الجمال التي تختبئ وراء دفء المشاهد العاطفية المؤثرة بسيلانها الدرامي وعنفها الإستيطيقي، إلى درجة أنها تمنع جفنيك عن الرمش، فمتعة الحوار وسحر الصورة تجعلك تقع في حب السينما، والحال أن الفيلم الغارق في شعرية الجمال لا يفرض نفسه، بل يقترح الفرجة، من أجل إثارة الذاكرة، وترك أثره في الروح، ولذلك فإن فينومينولوجية السينما لم تأتِ لكي تهدم النزعة التقنية في الفن، بل بغية تقديم خزان من المفاهيم الفكرية، التي يتم استغلالها في سينما المؤلف، التي استقطبت مجموعة من الفلاسفة، فما الذي يعنيه المعنى؟ وكيف يمكن للمعنى ان يستهلك ما يعنيه؟ ولماذا سينما المؤلف تسعى إلى اختراق ملكة الذوق لتجعل الروح روحا وتتعرف على نفسها في المعنى؟
هكذا تستيقظ الروح من سباتها لتكتشف بأنها مجرد فكر يتوجه بهدوء نحو الوجود، ولعل الوجود ليس سوى صورة وحركة، والسينما حسب دلوز هي صورة وحركة وزمان، ولذلك ينبغي على المؤلف أن يوحد بينها، فسؤال «ما» هو المشترك بين الفيلسوف والمخرج الفنان، ذلك أن هذا السؤال استطاع أن يغير العالم بالفكر والفن، لأنه إذا كانت الفلسفة تبدع المفاهيم، فإن الشاشة السطحية تمنح القدرة على القيام بالدوران حول الأشياء نفسها، أو النظر إليها من زاوية مغايرة، تحكم علينا بالضياع نسير في الطريق الذي رسمته الكاميرا حين تنقلنا إلى التمييز بين الوجود والماهية، ونتساءل من الأسبق؟ ومن الذي يجعل المطلق في الفن هو نفسه في الحرية؟ الفن والحرية باعتبارهما وجهان للذوق بلغة هيغل فكيف يمكن البحث عنهما في أفلام هذا المهرجان؟
الواقع أن مهرجان الرباط أراد أن يقدم نفسه من خلال سينما المؤلف، على الرغم من أن هذه السينما متمردة وغامضة تبعث على القلق، ولكنها مع ذلك ممتعة وعميقة ولذيذة، والسر يكمن في اختيار الأفلام التي تخضع لذوق رجل اسمه حمادي كيروم يتمتع قبل أن يمتع، لقد أصبحت السينما سكناه ووجد فيها إقامته الشعرية، يؤمن بأن الفن هو ما يقاوم الموت، وما الصورة حركة سوى زمان تتلاعب به الإنارة في عتمة تلك القاعات السينمائية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية