الرقة “القدس العربي” ـ من أنور بدر: للعام الثالث علي التوالي تقيم مديرية ثقافة الرقة مهرجانها الشعري الكبير، والذي أهدت دورته الأخيرة للشاعر الرقيّ الراحل مُصطفي الحسون، وفاءً من المدينة لأدبائها ومبدعيها، فيما حالت ظروف صحية عن حضور الشاعر الرقيّ الجميل إبراهيم جرادي، إذ كان مُقرّرا تكريمه.
وأذكر أنني كتبت عن الدورة الثانية لمهرجان الشعر العربي في الرقة تحت عنوان حضر الجمهور.. وغاب الشعر مع الإشارة لأهميّة بعض المشاركات التي كادت تضيع في زحمة الخطابة الشعرية والصَنعة الإنشائية، فيما فاجأتنا هذه الدورة الأخيرة، جمهوراً وإعلاميين، بالسويّة العالية للمشاركات التي استمعنا إليها والتي شكلت بمجملها انتصاراً للحداثة ولقصيدة النثر. ليس من حيث شكل القصيدة، بل في مضمونها الذاهب إلي التعريف بها حدود الإشكال مع النقد. فسقطت تجربة الشاعر السوري مجيب السوسي حين امتطي سيف امرئ القيس دفاعاً عن القصيدة الكلاسيكية في مواجهة الخارجين عن بحور الخليل وأوزانه، قائلا: بكي ملك الشعر في الجاهليةولولَ في القاعة.. ثم توارييردد، وهو يدق علي رأسه، في غضبأهذا هو الشعر بعد قرونٍ؟!
أهذي هي الحداثة.. ؟ فجاوبته الشاعرة الإماراتية حمدة خميس بتأكيدها: … الشعرليس الوزن والأفكارأو بلاغة الكلامالشعر نبض القلبوحكمة الحياةتعزفها المعانيعلي قيثارة الأيام وكذلك ذهب الشاعر السوري الدكتور عابد إسماعيل في استكناه العملية الشعرية قائلاً: … لصناعة قصيدة مايلزم الكثير من الضوء المشتولوالديكة المنحوتةيلزم إزميل لحروف العلةومبرد لأدوات التعجبجارور لألوان الطيفوممحاة لأحلام اليقظةولن ننسي حبل غسيل أزرقنجفف فوقه فكرة أو فكرتين.
فيما تلا الشاعر العراقي فاضل العزاوي بيانه كيف تكتب قصيدة سحريّة.
حتي الشاعر السوري عبد القادر الحصني الذي خرج من رحم الكلاسيكية بني عمارة شعرية شديدة الحداثة، رغم مناخاته الصوفية الدافئة: سيد الحالمينكان حين يفيق من النوم ويبحث عنيفلا يهتدي لمكاني، ولا يهتديلزمانيسيد الحالميننام في حلمه مرّة فرآني.
وهذه كانت حال قصيدة التفعيلة التي مال بعضها باتجاه الكلاسيكية، فيما شقّ أغلبها طريقاً باتجاه الحداثة الشعرية.
ومن سورية، ورغم تغييب الشاعرة هالة محمد والشاعر منذر المصري- وهما من كتاب قصيدة النثر- إلا أنّ باقي المشاركات استطاعت أن تقدّم صورة مُتميّزة للمشهد الشعري في سورية، والذي ما زال ريادياً في حقل الحداثة الشعرية، ما زال وفيّاً لجذوره العميقة، مع تباينات في طبيعة هذه الأصوات التي استمعنا إليها.
فإزاء صوفيّة عبد القادر الحصني، و قلق أسئلة الوجود والمعرفة عند عابد إسماعيل في محاولة لالتقاط ما هو جوهري في الحياة دون أن تفقد لغته الشعرية نضارتها وعذوبتها، رأينا هنادي زرقا تصطاد صورها الجميلة من عميق المفارقة في حيواتنا وأحاسيسنا، ترسم حالات درامية نادرة، وتضيء للحظات مصيدة المألوف، توقعنا في شرك القصيدة التي تنسج مفرداتها من اليومي والمعاش، لتوقد جذوة الشعر الفنيّة بالتفاصيل والمفارقات: اعترافات:
مدينة ضيقةلا تتسع ليلا تصلح لأخي الصغير.
تأخرتَتأخرت عليّأطفأت آخر أعواد الرغبة أغلقت نوافذ الجسد.
يعرفون أنك في المدينةكلما هبّت رائحتي.
بالمقابل شكل صقر عليشي حالة شعرية متميّزة، حين كتب مذكراته، وحين استفاض في قصيدة طويلة مُقدّماً شروحه علي الذيل وعلاقتنا به، ما بين المفارقة واللقطة الساخرة، مؤكدا أنه لولا أهمية هذا الذيل ما كان الحكام والمسؤولون قد اتخذوا من حاشيتهم أذنابا.. نقرأ من مُذكرات شاعر:
حين مررنا بالدروبلم نمردون أن نزيح عن كاهلهاحجر.
حين مررنا بالغروبلم نمردون أن نضيف روحناإلي الشجر.
حين مررنا لم نمر دون قامةولم نضع علي رؤوسناأقلّ من سماء.
المشاركة الفلسطينية في هذا المهرجان لم تخرج عن إطار القضية التي ما زالت تظلل حياة الشعب الفلسطيني وإبداعه، فقصائد الشاعر مراد السوداني القادم من الأرض المحتلة، ظلّت متلفعة بعباءة القضية، وعباءة محمود درويش أيضاً، دون أن يُقلل ذلك من جماليّة بعض الصور لديه.
كذلك ماجد أبو غوش الذي يُشارك للعام الثاني في هذا المهرجان، وللعام الثاني يجتاز حدود الاحتلال إلي الرقة، لكنه بدا فيما قرأ علينا هذا العام أكثر تألقاً، وأكثر شاعرية، بدت الأسئلة لديه أكثر استقلاليّة، وهو يبحث عن هويته في مساحة البلاد وفي فضاء القصيدة. قانا:
في قاناكان القاتليرتدي ملابس ربّ الجنود!
في قاناكانوا أطفالاًعندما ذهبوا إلي النومفي قانا امرأة لم تعد قادرة ً علي البكاء!
في قانالم ينهض الرعاةمن نومهم هذا الصباح.
الشاعرة والدكتورة بيسان أبو خالد جاءت من أوروبا تقرأ علينا مراثي الجنون، وهي قصيدة طويلة وجميلة أثقلتها الشاعرة بالكثير من البلاغة، والتي لم يُخفف وطأها علينا إلا التماعات الصور الشعرية التي انسابت مندغمة بحرارة الموضوع الوطني – الإنساني، تقول في مطلع قصيدتها: تأخرت عن كل النساء اللواتي حلمن بفارسهنّيروض خيل ا لأسي تحت سرج الصديفكيف وأنت تغازل عاهرة في حواري النحيبْلتخرس جوع العبيدْتأخر فينا سرير الشهيدوغانية في زوايا البلاد تقصقص أجنحة المستحيلتأخرت علي جسد خان فطرتهُثم أسلم نزواته لغزاة النخيلْ. الحضور الأبرز في هذا المهرجان كان الحضور الخليجي، والذي كاد يوازي الحضور السوري عدداً وحداثة، رغم تغيب الشاعر سيف الرحبي من عمان، والشاعرة الكويتية جنة القُريني، بل ربما أدهشتنا بعض الأصوات المتميزة في جرأتها وشاعريتها، كحصة العوضي من قطر.
وإذا كانت الشاعرة الإماراتية حمدة خميس معروفة في سورية بشكل واسع، لكنها أضفت بصمة جديدة في مهرجان الرقة. وكذلك إيمان الأسيري.. بينما قرأ علينا علي الجلاوي من البحرين قصائد تفعيلة مشغولة بمهارة صائغ يعرف أين يوّزع مفرداته: ليتَ الفتي حجرُ:
كانت تقول لظلهاإنّ المريض علي سرير الأبجديّةيمنح التفاح معنيً آخراًكانت تقولوكنت أبحث عن يدي في صدرهاكانت تخبئ بين أغنيتين وجه اللهيا الله.
المفاجأة كانت مع الشاعر السعودي محمد حبيبي، حيث استغل عروض الفيديو آرت، ليقدّم من خلالها قصائده الحديثة، علي خلفية تشكيلية من الحياة الصحراوية: الكفُّ:
أسفل، صنبور ٍ(مقطوع الماء)للحظات بقيت ساهيةتتذكرتلك اليد الممدودة تخمش، بزجاج السيارةعنها يرتفع الحالات الثلاث الأخري التي شاركت في هذا المهرجان، كان لكل منها إرثه وحضوره ولغته المتميزة، فالشاعر المصري حسن طلب الذي شارك عام /1977/ بتأسيس جماعة إضاءة للشعر ما زال يشتغل بحس فلسفي علي مشروعه الذي يُقابل مشروع وأسئلة الدكتور عابد إسماعيل مع ميول لرؤية ما هو سياسي ضمن الفلسفة، مع تركيز علي البنية الهندسية لبنية القصيدة، واستفاضة في الاشتغال علي اللغة وتوليدات المفردة، يقول في قصيدته نشيد الحريّة:
صَبُحَ الصبح ُفعم صُبحاً يا صاحِِ.. انعم بالإصباحِ.. وأصلح هيئتك الآن.. تهندمْواغنم من أيدي الشمس نضارتك بينما الشاعر إسكندر حبش القادم من لبنان، اكتفي بقراءة قصائد من مجموعة بعض حواف لليل: أخرج من يديك، وهذا الحقللا يغني كالشتاءولا يردمفسوخ ما تبقي من حياةأخرج من هذا الحقل.. أُنقي حياتيمن الشتاء.
وثلث هذه التجارب المتميزة كانت للشاعر العراقي فاضل العزاوي المقيم في أوروبا، والذي ابتعد بقصائده عن الحدث العراقي، وعن السياق التراجيدي للشعر العراقي أيضا، فقرأ مقاطع شعريّة غنية بعوالم مُعاشة ويوميّة في شعره ضمن المدن الغربية، في فنادق أقام بها، في صداقات وحوارات مليئة بالفرح والغناء في أحيان كثيرة، والتي وصلت حدّ الإنشاد، ومن إحدي المعارضات مع امرئ القيس نقرأ: لا تقف أيّها الشاعر باكياًمن ذكري حبيب ٍ ومنزلولا تهلك أسيفالذين رحلوا سوف يعودون ثانيةعلي مطيهم إلي الرسوم ولسوف تسمع ضحك الفتياتفي الهوادجعند الغروبيسترقن النظر إليك من وراء الحجب وأنت واقف مثل كاهن مجنون. بسقط اللوي بين الدخول فحومل.
إحدي المفارقات في مهرجان الرقة الثالث للشعر أن المعارضة أو المقابلة أو المثاقفة لامرئ القيس لم تقتصر علي مجيب السوسي وفاضل عزاوي، علي ما بينهما من تباين في الأسلوب والغاية، بل فاجأنا الشاعر التركي حسين فرهاد حين أعاد قراءة امرئ القيس ليؤكد من خلال ذلك علي وحدة المنطقة بمعني التجربة الإنسانية:
ليس ثمة نزل لم أنم فيه وبستان لم أدخله عارياً. والسم الذي قتل امرأ القيس، قدم لي مرات.
عبرت يثرب مسرعاً، واسترحت في مكة، ولكي أري بلد الشاعر، نزلت إلي اليمن القديم.
اليمن: بخط جميل علي كتان مصري: مئة ألف ناقة حلوب، وبعددها إشارات استفهام. اليمن: علي فراء ممدود، في أطراف الصحراء، مئة ألف قدح خزفي، وبعددها جداجد.
أحب خضرة القهوة، وزرقة الحليب الفاهية، ولا أفهم بالسوق، في نظر تجار الخيال، نجدٌ خاتمة أصل، وعدن غصن غار. وترتفع عيناي نحو صدغي، حين تغيب الشمس إلي البحر الأحمر. لما ترددا علي شفتي، شطرا شعر جمال ثريا:
، شيئان: العشق والشعر يتزاوجان بشك. ولم يكن تأثير وحضور الشاعرة ثريا فلز أقل أهمية، فيما أخذنا الشاعر الاسباني لويس لونا في حيّز جديد للمثاقفة متكئا علي مسجد بني أميّة الكبير ودلالته في الثقافة العربية، يقول: مسجد بني أميّة الكبيرحيّ علي الصلاةوكان الصوت قد صار في مثل ذكريأتقدّم في سكونينحو النبع.. وأخرج للقاء الدعاء.
وقد أضفت هذه المشاركات العالمية بُعداً دولياً لمهرجان الرقة، كان يحاول تأكيده منذ الدورة السابقة، وهذا ما يجعلنا نطمح الي مهرجان شعري في الدورات القادمة لا يستطيع أن لا يكتفي بعرض لوحة المنجز الشعري الراهن، بل أن يُؤسس لحالة شعرية جديدة في فضاء الثقافة العربية.QRE