مهرجان «جدار ـ فن الشارع»: لوحات تشكيلية عملاقة في الهواء الطلق في العاصمة المغربية

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: كل جدارية من هذه اللوحات العملاقة المرسومة على جدران العاصمة المغربية الرباط، تحكي قصة خاصة، سواء عبر وجوهٍ (بورتريهات) أو مناظر طبيعية أو أشكال غامضة، وتأتي لتنضاف لعشرات من الإبداعات الأخرى التي تم رسمها في الدورات الثمانية السابقة لمهرجان جدار/ فن الشارع.
وخلال نسخة هذه السنة التي التأمت مؤخرا، تزينت جدران شوارع وأزقة مختلفة في الرباط، بِـ 12 جدارية فنية جديدة على يد 12 فنانا وفنانة قادمين من 8 بلدان مختلفة، ويتعلق الأمر بكل من: ألكسيس دياز (بورتوريكو)، ونيسبون (بولندا)، وكارتيلوفيتش (ألمانيا)، وفاسيو (الأرجنتين)، وHNRX (النمسا)، وفيكوس (اليونان)، وكاوري إيزوميا (اليابان)، وكوموني لوغو (إيطاليا)، وأيوب عبيد/نورمال (المغرب)، وماجدة الجربيلي (المغرب)، وحسام الغلام (المغرب) وأكوبي (المغرب).
ومنذ عام 2015، تاريخ انطلاق المهرجان، استطاع فنانون من أبرز فناني الجداريات على المستوى المحلي والدولي، تسليط الضوء على معالم الفن التجريدي والواقعية فائقة الدقة، وترك بصَماتهم وتجسيد جزء من أفكارهم في زوايا مدينة الرباط، إلى جانب إعادة تشكيل جمالية المدينة وتزيينها.
وإن كانت اللوحات العملاقة على جدران بنايات مكونة من عدة طوابق والتي تصل أبعادها إلى عدة أمتار طولا وعرضا، تنطلق من فكرة ورسم بسيط على ورقة بيضاء، لا يرى منه إلا المعالم الرئيسية، فإنها بعد أسبوع أو 10 أيام تصير لوحة مكتملة الملامح والجمال بألوان زاهية تُرى من بعيد وتضفي على الشارع أو الساحة أو الحي الذي تنتصب فيه رونقا جديدا وإطلالة مختلفة.
كِبَر اللوحات والمساحة الشاسعة للجدار لا تترك خيارا للرسام لمد خطوط لوحته وتشكيلها وتلوينها، إلا عبر الاستعانة بآلة رافعة تُمكِّنه من وضع لمساته عليها على ارتفاع يفوق 10 أمتار. كما أن إبداع هذا النوع من اللوحات العملاقة يتطلب عملا متواصلا لساعات خلال اليوم، ليبقى العامل المشترك بينها هو شغف مُبدعيها ودقة عملهم واستمرار نفس درجة الإبداع والتفاني إلى حين الانتهاء منها.
وإلى جانب رسم جداريات جديدة، كان أهالي مدينة الرباط على موعد مع جَولات مصحوبة بمُرشدين لاستكشاف قصص الجداريات التي تم رسمها في دورات المهرجان السابقة، والتي أصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ من التراث الثقافي والفني للمدينة.
وترى مريم، وهي طالبة جامعية في الرباط، شاركت في أحد الجولات التعريفية بجداريات الرباط، أن التجربة كانت فريدة، وهي التي لطالما مرَّت قرب جداريات ضخمة دون أن تُعيرها كبير الاهتمام، إلا أن «الوقوف قريبا منها وتمعُّن معانيها كفيل بالاقتراب من روح اللوحة ومن خصوصية الفنان المبدع لها» تقول لـ «القدس العربي».
مسار احترافي وقصص ملهمة تقف وراء الفنانين الذين شاركوا في مهرجان جدار/ فن الشارع لعام 2024، وأبدعوا الجداريات الـ 12، كالرسام الصحافي الإيطالي لوغو كوموني، وهو أيضا رسام كتب الأطفال، فبالإضافة إلى كونه ذا خبرة كبيرة في فن الغرافيتي، تتميز جدارياته برسومات الطبيعة، كما يتطرق لزخارف رمزية تبرز حالة الإنسان والقضايا المجتمعية الأساسية. أما ماجدة جربيلي، ابنة مدينة الدار البيضاء، فوجدت طريقها نحو عالم الرسم بعد دراستها للتصميم الداخلي. وتمثل أعمالها مزيجا بين أحلام اليقظة الجميلة والوحشية، وتختار موضوع الصحة النفسية في أعمالها.
وبالنسبة للفنان فيكوس من اليونان، فقد تعلم الفن البيزنطي منذ أن كان يبلغ من العمر 12 سنة، وبدأ مساره كرسام للأيقونات داخل الكنائس، قبل ما يتجه لفن الشارع. ويستلهم أعماله الفنية وجدارياته من الفنون اليونانية والمصرية واليابانية القديمة. فيما تربط الرسامة البولندية نيبسون تاريخ ولادتها بعام 2009، سنة انطلاقتها الفنية، لتترك بعدها بصماتها الفنية في حوالي 100 مدينة بـ 40 دولة عبر العالم.
وفي مغامرة فنية استثنائية، كان طلاب المعاهد الفنية في المغرب وفنانو الشارع مدعوين لوضع بصماتهم على لوحة فنية جماعية على جدار مشترك. كما استفادوا طيلة 10 أيام، من إرشادات ونصائح قيمة، بهدف تطوير أسلوبهم وتجاربهم الشخصية.
إبداع جدار فني جماعي طيلة أسبوع من طرف شباب موهوبين، اعتبره منظمو المهرجان «بمثابة مختبر يتعلم فيه فنانو الشارع الطموحين تقنيات وأسرار وجماليات هذا الفن الجميل، تحت إشراف عدد من الأسماء الكبيرة في هذا المجال».
وسعى منظمو المهرجان قبل انطلاقته، إلى فتح مجال التسجيل وتقديم الطلبات من طرف فنانين شباب موهوبين من أجل المشاركة في رسم جدار مشترك، ووفق ما عاينته «القدس العربي»، فإن روح الإبداع كانت حاضرة ضمن الجدار المشترك الذي عرف مشاركة العديد من الشباب.
عبر كل التجارب التي استمرت طيلة عشرة أيام، سعى مهرجان جدار/ فن الشارع، إلى خلق فضاء يتجاوز عالم الرسم، ليشكل فضاء لتبادل الأفكار وتقاسم التجارب، حيث استضاف متحف «محمد السادس للفن الحديث والمعاصر»، لقاءات جدار، تسمح للمواطنين بتبادل الآراء والنقاش مع فناني الشارع حول مسارهم الفني، وتجاربهم الشخصية في هذا المجال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية