صلاح سرميني
دبي – لا تطمحُ هذه القراءة إلى مُقارنة مهرجان دبي السينمائي الدولي الذي انعقدت دورته السابعة خلال الفترة من 12 وحتى 19 كانون الاول/ديسمبر 2010 مع أيّ مهرجانٍ عربيٍّ آخر، ولكن، تكفي الإشارة علناً بأنه الوحيد الذي أحرصُ على متابعته، بينما بدأت أبتعد عن معظم المهرجانات الأخرى (ما عدا دمشق السينمائي) التي أصبحت، بالنسبة لي، تزداد مُنغصاتها عن فوائدها، أو رُبما أصابني الغرور بفضل غزارة المُشاهدة التي تُوفرها لي الصالات السينمائية الباريسية، التظاهرات، والمهرجانات الفرنسية المُتلاحقة، وأكثر من ذلك، الكنوز الفيلميّة التي تحتويها مكتبات الأحياء من أفلامٍ قرأتُ عنها يوماً، ولم أشاهدها، وتلك التي يكتب عنها آخرون بدون أن يشاهدوها.
مهرجان دبي يبني سينما، وثقافة سينمائية، ويشعرُ الضيف، مهما كان اختصاصه، بأنه متورطٌ في نشاطاته المُختلفة، أو بالأحرى، يُورطه فيها، وتنتاب الجميع قناعةً بأنهم يشاركون إيجابياً فيه، وليسوا عابري سبيل. وإذا كان أحدنا يحبُ السينما حقاً (وليس الأجواء المهرجاناتية)، فسوف يجد في هذه الأيام الزاخرة بالأحداث السينمائية معظم ما يبحث عنه ما عدا سياحة مُتخيلة فقط في أذهان أصحاب النوايا السيئة، حتى أولئك الذين وجدوا أنفسهم ذات دورةٍ محبوسين في فندقٍ، مركز تجاريّ، صالات سينما، وسهراتٍ ليلية أنفقت عليها شركات داعمة تريد الترويج لمُنتجاتها، أو نشاطاتها، وحرصوا، مثل غيرهم، على ارتيادها، وعادوا إلى بلادهم الأكثر جذباً سياحياً مصابين بالاكتئاب.
وفي هذه الرقعة الجغرافيّة المحدودة للمهرجان، يمتدُّ الفضاء السينمائيّ مُتسعاً، من تطوير الأفكار، والسيناريوهات، مروراً بمُشاهدة الأفلام، وحتى عمليات البيع، والشراء، والحصول على فرص العرض على شاشات التلفزيون، والسينما.
صحيحٌ بأنّ المهرجان بدأ في دورتيه الأولى والثانية احتفاليّاً فاقعاً على يديّ الكنديّ ‘نيل ستيفنسون’ وفريقه، ولكن، مع دورته الثالثة، واستلام ‘عبد الحميد جمعة’ دفة القيادة الإدارية، و’مسعود أمر الله’ مسؤولية المهام الفنية، لم يتوقف في كلّ دورة لاحقة عن إدهاشنا بإضافاتٍ جديدة، بدونها ما تحدثنا اليوم عنها بهذه الطريقة المُحتفية.
مع الدورات المُتعاقبة، أدخل ‘مسعود أمر الله’ المُسابقة العربية، ثمّ الأفريقية ـ الآسيوية، سوق الفيلم، إنجاز، ليال عربية، والأقسام المُختلفة، وصولاً إلى الأحدث منها، مسابقة المهر الإماراتي، وفوضى منتصف الليل (في مرحلتها التجريبيّة). خلال سبع دوراتٍ كبر مهرجان دبي، نضج، وتطوّر نوعياً، ولم يتوقف عند نجاح شكليّ محدود، وأعتقد بأنه لا يُنافس أيّ مهرجانٍ آخر (هو الأول في المنطقة على أيّ حال، ويبدو بأنه أصبح نموذجاً تستوحي المهرجانات الأخرى منه)، ولا يخشى المُنافسة طالما يتوفرّ على قدرٍ من الميزانية تسمح له بالانعقاد سنوياً، والأهمّ، ثروةً بشرية تتجسدُ في أشخاصٍ هم بالأحرى أكثر من ‘مُبرمجين’، وأيّ واحدٍ منهم ‘ما شاء الله’ يستطيع تنظيم مهرجانٍ لوحده كلّ في اختصاصه، وهو الأمر الذي تفتقده معظم المهرجانات العربية.
يُطوّر مهرجان دبي نشاطاته، وفعالياته، ويُنفذ خططه بتأن، لا يستعجل سمعته، ومكانته، ولا يعلكُ ‘دوليته’، ولا يستجديها من جمعيةٍ فرنسية يستطيع أيّ ثلاثة من المُحترفين تأسيسها، ويختارون لها صفة دولية، عالمية، أو كونية، وأتمنى بأن لا يسعى مهرجان دبي للحصول على هذه ‘الهبة’، ويتركها لإدارة مهرجان القاهرة تمضغها في تصريحاتها، ويرددها كلّ مبهورٍ باعترافٍ دوليّ بدون معرفة ألف باء آلياته.
عروض افتتاحيةليس هناك افتتاحٌ واحدٌ في مهرجان دبي، ولكن، عروض افتتاحية لمُعظم الأقسام:
افتتاح المهرجان، البرامج العربية، سينما العالم، برنامج الجسر الثقافي، سينما الأطفال، سينما آسيا وأفريقيا، ختام المهرجان، وكلها عروض أولى دولية، عالمية، أو شرق أوسطية.
ومسابقات عادلة، ولا يبالغُ، أو يتباهى بعدد الأفلام المُتسابقة، ولا يخلط بين مستوياتٍ نوعية متباينة:
ـ مسابقة المهر الإماراتي (14 فيلماً قصيراً، وتسجيلياً). ـ مسابقة المهر العربي (10 أفلام روائية، 13 فيلما وثائقيا، 15 فيلما قصيرا). ـ مسابقة المهر الآسيوي ـ الأفريقي (15 فيلما روائيا، 10 أفلام تسجيلية، 11 فيلما قصيرا). إذاً، وحتى الدورة السابعة، لا توجد مسابقة دولية في المهرجان (مع أنه دوليّ بامتياز)، وهذا يُجسّد التوجهات السينمائية المُحددة للإدارة الفنية التي تعرف بدقةٍ بأن السينمات العربية، الآسيوية، والأفريقية بحاجةٍ إلى الدعم أكثر من الأوروبية، والأمريكية، وفي نفس الوقت، لا تخلط بينها، حيث تمنح الأفلام العربية فرصتها في مسابقةٍ خاصة، والآسيوية ـ الأفريقية في واحدةٍ ثانية (مع أنّ السينمات الآسيوية تمتلك خصوصياتها المختلفة عن الأفريقية)، ورُبما يأتي اليوم الذي تجتمع هذه السينمات في مسابقةٍ واحدة، وتنضمّ إليها أمريكا اللاتينية (مع الاحتفاظ بالسينما العربية بمُسابقتها الخاصة) . قناعة إدارة المهرجان، حالياً على الأقلّ، بأنّ الأفلام الأوروبية، والأمريكية لا تحتاج إلى مسابقة، وتكتفي الاحتفاء بها في برنامجٍ خاصّ (سينما العالم) تستقطب أفلامه من المهرجانات الكبرى (كان، برلين، فينيسيا، تورنتو،…)، وتستفيد من تجارب المهرجانات المُتخصصة بالسينمات الأفريقية، الآسيوية، والأمريكية اللاتينية (نانت، آميان، فيزول، فريبورغ…). على أيّ حال، وبغضّ النظر عن التوجهات، والخطط المُستقبلية للمهرجان، فإنّ أكثر الجوانب أهميةً بأنه يقدم للجمهور المحلي أفلاماً لن يشاهدها في دورة التوزيع الخاصة بصالات العروض التجارية، ومن جهةٍ أخرى، أصبح انطلاقةً للكثير من الأفلام (العربية خاصةً) للعرض في مهرجاناتٍ أخرى.
وفيما يتعلق بجوائز إنجازات الفنانين، لا يُبالغ المهرجان في تكريماته، كي لا يُفقدها قيمتها، ومعناها، ويكتفي بثلاث شخصياتٍ سينمائية يعرض لكلٍ منها فيلمين من روائعها الكلاسيكية (كما تذكره التصنيفات المُدرجة في الدليل الرسميّ، ووفق متابعتي للمهرجان منذ بداياته)، ومن ثمّ الليالي العربية، في دائرة الضوء (المكسيك في دورة 2010)، سينما آسياـ أفريقيا، احتفال بالسينما الهندية، سينما الأطفال، وأصوات خليجية، وهذا البرنامج بالذات يحتفي بمختاراتٍ من الأفلام التي عُرضت في مسابقة الدورة الأخيرة لمهرجان الخليج السينمائي بهدف تحقيق التواصل ما بين المهرجانين، فالمُشاركة فيه تُمهد للتنافس في مسابقة المهر الإماراتي، والعربي، أو المُشاركة في ‘أصوات خليجية’ . مسابقة المهر الإماراتيتضمّنت مسابقة المهر الإماراتي المُستحدثة في الدورة السابعة 14 فيلماً قصيراً، 12 منها عُرضت للمرة الأولى عالمياً، وفيلم واحدُ للمرة الأولى في الشرق الأوسط، وآخر في الدورة الثالثة لمهرجان الخليج السينمائي. وهذا يعني، بأنّ هذه المُسابقة الجديدة ليست نسخةً مُصغرّة من مهرجان الخليج السينمائي، ولا أفلاماً مستوردة منه، ولكن، يمنحها مهرجان دبي فرصةً أولى، ورُبما تحظى على إمكانية عرضٍ ثانية في مهرجان الخليج المُخصصة مسابقته حصراً لسينمات المنطقة (بما فيها العراق، واليمن)، بالإضافة لبرامجه الدولية.
وكما فعل ‘مسعود أمر الله’ في ‘مسابقة أفلام من الإمارات’ (قبل أن يبتلعها مهرجان أبو ظبي الشرق الأوسطي الذي تحول إلى دولي) عندما بدأ بالمُسابقة الإماراتية، وأضاف إليها فيما بعد مسابقة خليجية، أعتقدُ أيضاً بأنّ ‘المهر الإماراتي’ سوف يلحقه ‘مهرٌ خليجي’، حتى وإن كان هناك مهرجان خاص يجمعهما، وينعقد في شهر نيسان/أبريل، ويستعد لدورته الرابعة، وسوف ترتكز الفكرة على مضاعفة الفرصة أمام الأفلام الإماراتية، والخليجية بشكلٍ عام، مرةً في ‘مهرجان الخليج السينمائي’، وأخرى في ‘مهرجان دبي السينمائي الدولي’ تتضمّن أفلاماً تمّ تنفيذها خلال الفترة الفاصلة ما بين المهرجانين الشقيقين.