قد يموت الدجاج، لكن الإنسان باق ٍ
صدد ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر:
قليل من المثقفين السوريين من يعرف الآن بلدة صدد المرمية علي قوس البادية، إلي الجنوب الشرقي من مدينة حمص، لكنّ اغلبهم يعرف أو يتذكر أنّ للمخرج السوري عُمر أميرلاي فيلم اسمه الدجاج.
ففي عام /1972/ حمل هذا السينمائي المشاغب كاميرته وذهب إلي بلدة صدد، التي كانت حاضرة عمرانية منذ آلاف السنوات قبل الميلادي، لكنها الآن تكاد تنقرض بسبب الجفاف. فأهل البلدة الذين كانوا يزرعون القمح والشعير بمساحة /80/ ألف دونم سنوياً بطريقة البعل، ويزرعون الخضار والأشجار المثمرة بطريقة السقي، ويشتهرون بصناعة الزيتون والخمور والدبس والألياف، لم يبق َ لهم مورد عيش الآن إلا في الهجرة أو صناعة المداجن.
يُدلل الباحث طادروس طراد علي عراقة مدينته من خلال مغائرها الكثيرة الصخرية والترابية.. ووجود القبور والمدافن القديمة في منطقة النواويس.. إضافة للأديرة القديمة كدير مار جرجس/ الخضر، الذي بُني علي أنقاض معبد وثني يعود للألف الأول قبل الميلاد، وكنيستي مار سركيس وباخس، الغنيتين بالصور الدالة علي فن الغريسك والرسم المغولي. وقد ورد اسم صدد في سفر العدد وفي حزقيال من التوراة مما يؤكد وجودها في زمن موسي النبي /1271/ ق.
م.
ويُضيف السيد طراد أنّ: أهل المنطقة آنذاك آراميون، يتكلمون اللغة الآرامية، والتي أصبحت سريانية في العهد المسيحي. لكن أصل السكان الحاليين خليط من الآراميين والعرب اليمنيين الذين سادت لغتهم، فضعفت لديهم السريانية، ولم يبق منها إلا ما يُقال في الطقوس الكنسية، حيث اعتنق أهل صدد الديانة المسيحية منذ القرون الأولي للميلاد. وهم ينتمون للمذهب السرياني الأرثوذوكسي مع أقلية من السريان الكاثوليك، وتنشط اليوم في هذه البلدة مدارس وصفوف تعليم السريانية بإشراف الكنيسة.
تبلغ مساحة صدد 18000 هكتار، وعدد سكانها اليوم 13300 ألف نسمة، لا يوجد منهم في فصل الشتاء أكثر من خمسة آلاف نسمة، إذ هاجر جلّ سكانها بسبب الجفاف، إلي دمشق أو حمص، وبعضهم وصل الأمريكيتين. لكنهم جميعاً يعودون إلي صدد في فصل الصيف، والتي بدأت الاحتفاء بهم منذ ثلاث سنوات وأقامت لهم مهرجان صدد العراقة الذي رسّم يوم 12 آب/ أغسطس عيداً للمغتربين فيها.
في مهرجان صدد العراقة الثالث هذا العام، شهدنا نشاطات ثقافية وفنية متنوعة، إذ بدأ الاحتفال في اليوم الأول في صالة مار جرجس بكلمة للجنة المنظمة، ثم محاضرة قيمة للأستاذ طادروس طراد حول مدينة صدد أكدّ في نهايتها علي وجود قبر الشاعر أبو فراس الحمداني في صدد، والذي نقلت رفاته إلي حمص عام /1997/م.
وكان لأهل صدد موعد آخر مع الثقافة من خلال الأمسية الأدبية التي أحياها الروائي السوري نبيل سليمان، اتبع ذلك بأمسية قصصية في اليوم الأخير للمهرجان، شارك فيها الأدباء نور الدين الهاشمي ـ خطيب بدلة ـ وليد معماري.
فيما توزع المهرجان الفني بين أغنية خاصة بالمهرجان من كلمات الشاعر موفق حنون وألحان الفنان نضال اسكندر، وبين مسير مع الفرقة النحاسية لافتتاح معرض الرسم والملتقي التشكيلي الذي ساهم به كل من الفنانين دنخة زومايا، عمار الشوا، إياد بلال، صفاء الست، ليلي رزوق، خضر عبد الكريم.
وفي اليوم الثاني كنا مع أمسية موسيقية لفرقة ناشئي دمشق بقيادة الفنان عرفان ضاحي، ثم عزف منفرد للطفل رامي شنور، ومقطوعات موسيقية للأخوة نجار (لويد ـ عيسي ـ مريم). وفي اليوم الثالث للمهرجان استمع الجمهور لأعمال موسيقية وغنائية للفنان عبد الله دروج، ثم عزف منفرد علي العود للفنان نضال اسكندر في صالة مار سركيس.
لكن مفاجأة المهرجان تجلت في حفل فني أحياه نخبة من فناني صدد، إضافة للفنانة هدي زغيب والمطرب اللبناني الكبير مروان محفوظ، بمناسبة عيد المغترب الثاني والذي استمر حتي الخامسة صباحا، وفي اليوم التالي جاءت فرقة دوحة الميماس في أمسية موسيقية، ثم عزف منفرد للفنان اللبناني شربل روحانا مع فرقته. تخلل ذلك عرض فيلم رؤي حالمة بحضور المخرجة واحة الراهب، ورغم رداءة الصوت بسبب عدم توفر تجهيزات تقنية جيدة للعرض، إلا أنّ الجمهور تابع الفيلم باهتمام، وكذلك الندوة الحوارية مع مخرجته، وجري أيضا لقاء مع الممثل بسام كوسا وحوار حول أعماله وحول الدراما السورية. وفي اليوم الأخير جرت ألعاب قوي وسباقات في ساحة البلدة، ومباراة رياضية بين نادي صدد ونادي القصير. كما شهد المهرجان حملة تشجير في البلدة، وأقيم كذلك حفل تعارف شباب صدد.
وما يلفت الانتباه في هذا المهرجان هو حضور الفعاليات الأهلية لبلدة صدد، حتي أنّ هذه البلدة التي لا يوجد فيها فندق واحد، شجع سكانها علي فتح بيوتهم العامرة بالمحبة والود لاستضافة ضيوف المهرجان، والاحتفاء بهم، ومشاركتهم أفراحهم الصغيرة، والبحث معهم عن مساحة للحياة والجمال.
وقد نقول في النهاية مع عمر أميرلاي أنّ الدجاج قد يموت في هذه البلدة التي فقدت كل أشكال الإنتاج الزراعي والحرفي القديم بسبب الجفاف، وذهبت في تأسيس اقتصاد يقوم علي الاغتراب من جهة، وعلي المداجن من جهة ثانية، لكنّ الإنسان باق ٍهنا، يبتدع أشكالاً للتواصل الإنساني، وأشكالاً للفرح المليء بالأمل.