تونس-“القدس العربي”:ليس صدفة أن يكون للسمك أو كما يقال في العامية التونسية “الحوت” عيدا له في تونس باعتبار أن ما تحتويه البلاد من ثروات وموارد بحرية هائلة جعلها في صفوف أفضل منتجي أنواع السمك حول العالم. ويشهد قطاع الصيد البحري تطورا ملحوظا حسب آخر الاحصائيات الصادرة عن وزارة الفلاحة والصيد البحري في تونس، فإلى غاية شهر حزيران/يونيو الماضي بلغ حجم الصادرات من هذا القطاع نحو 14671.4 طن مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي حيث سجلت ارتفاعا في الكمية بنحو 32.6 في المئة ومن حيث القيمة أيضا.
ويعد تناول الأسماك والمأكولات التي تتركز على المنتجات البحرية من العادات الغذائية الشعبية والقديمة في تونس، وهذا ما دفع أبناء منطقة حلق الوادي الساحلية والتي تعرف بإنتاج أجود أنواع السمك، إلى إطلاق مهرجان سنوي تحول إلى تقليد دائم ينتظره التونسيون كل صيف من أجل التمتع بما يقدمه من عروض ثقافية وسياحية وأيضا من أطباق بحرية تقدم بأسعار متدنية وفي متناول الجميع على مدى أربعة أيام. وانطلقت فعاليات الدورة الحالية يوم 1 آب/اغسطس وتنتهي اليوم بعروض فنية وثقافية مفتوحة للعموم ومجانية. ويعد مهرجان حلق الوادي مناسبة هامة لتسويق العروض التجارية والاستهلاكية التي تقدمها المطاعم التي تتسابق لعرض أشهى أنواع الأطباق البحرية بمختلف أنواعها.
وكانت البداية مع تدشين نقطة بيع السمك من المنتج إلى المستهلك التي تم تركيزها على امتداد أيام المهرجان والتي توفر السمك للمواطنين بأسعار مدروسة. كما تم استعراض الألواح الشرعية لنادي الرياضة البحرية بخير الدين وتقديم عرض ماجورات قصر هلال. بالإضافة إلى افتتاح معرض لحرفي الصناعات التقليدية للتعريف بالمنتوج التونسي تحت إشراف وزير السياحة روني الطرابلسي، كما شهد شارع روزفلت تنشيطا ثقافيا وحركية كبيرة وسط حضور كبير من المواطنين والزائرين.
ويضفي المهرجان حركة استثنائية على مدينة حلق الوادي المعروفة بطابعها المعماري الخاص وبإطلالتها البحرية التي تبهر الزائرين. وأكد وزير السياحة في تصريح إعلامي خلال افتتاح فعاليات مهرجان عيد الحوت في حلق الوادي دعم الوزارة للمهرجان لإنجاحه والزيادة في عدد أيام المهرجان لأهمية مدينة حلق الوادي السياحية وقربها من العاصمة ورمزيتها التاريخية حيث انها تشبه جزيرة جربة في التسامح والتعايش، وفق تعبيره. وشدد الوزير على أهمية المهرجان الثقافية والسياحية والاقتصادية، والسعي إلى أن يكون على مدى الأسبوع في الدورات المقبلة لما للمنطقة من رمزية تاريخية والتعايش بين الديانات والثقافات من خلال فضاء الكراكة الثقافي العريق واقتصادية حيث تم افتتاح معرض للصناعات التقليدية.
وأكد مدير مهرجان عيد الحوت منصف الشاوش لـ”القدس العربي” ان خصوصية الدورة الحالية تكمن في تركيزها على برنامج متنوع سياحيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا. وأضاف: “في هذا المهرجان دائما يكون تركيزنا على تنشيط منطقة حلق الوادي التي تعتبر المتنفس للتونسيين وكذلك للسياح المغاربة أو الأجانب حيث تعتبر مقاهي حلق الوادي وجهتهم الأساسية لقضاء سهرة جميلة على ضفاف البحر. وقال: “بالنسبة لحلق الوادي هذه السنة اخترنا ان يكون افتتاح المهرجان مع عرض غنائي للفنانة نوال غشام وسبقها تنشيط ثقافي في فضاء الكراكة تضمن كرنفالا وألعابا سحرية، كما ضم المهرجان ندوة علمية عقدت على متن باخرة علمية قدمنا خلالها المخزون البحري في خليج تونس ومرفأ حلق الوادي المعروف منذ القدم”.
وعن أهمية المهرجان وتأثيره على الحركة الاقتصادية والسياحية في المدينة قال: “يسعى المهرجان إلى التركيز على خصوصية مدينة حلق الوادي الحضارية والتاريخية والطبيعية والسياحية، ويسعى القائمون عليه ليكون مهرجانا دوليا، ويجعل من مدينة حلق الوادي وجهة عديد الجاليات الأجنبية”. وتواصلت العروض الثقافية والسياحية في نهج روزفلت الرئيسي في المدينة. ويشير محدثنا إلى أن هذا الشارع هو الوحيد في العالم الذي يضم حوالي 80 مطعما سياحيا وشعبيا. ومن أبرز العروض الثقافية عرض للأوركسترا السيمفوني لمدينة الثقافة بحضور أبناء مدينة حلق الوادي والزوار. كما كان الجمهور على موعد مع سهرة شبابية في ساحة النصر في قلب المدينة حيث انتشرت رائحة الأطباق البحرية اللذيذة والأسماك المشوية التي تتمازج مع رائحة البحر في عرس ثقافي واجتماعي يعكس صورة تونس المحبة للحياة رغم كل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها خلال الأعوام الماضية.
وسيكون الاختتام اليوم مع عرض حضرة “أولاد العزوزية” بقيادة محمد فريد في فضاء الكراكة. يشار إلى ان هذه القلعة أو كما تسمى “كراكة حلق الوادي” هي من أهم المعالم الأثرية في تونس، ويعود انشاؤها إلى أوائل القرن السادس عشر، وشيدت بالحجارة الصغيرة والمداميك الحجريّة الكبيرة. وتعتبر الكراكة من المعالم الأثرية المصنفة من طرف المعهد الوطني للتراث. وشهد هذا المعلم تغييرات كبيرة على مدى حقب تاريخية عديدة، فقد تم تحول البرج الصغير إلى حصن على يد القائد العثماني خير الدين بربروس في عام 1534. وفي سنة 1965 تم ترميم هذا المعلم ليكون شاهدا على عراقة هذه المدينة البحرية بخصوصيتها التونسية التقليدية.