مهرجان قصر الحصن في أبوظبي يستعرض مراحل هامة من تاريخ الإمارات

حجم الخط
0

ابو ظبي من فاطمة عطفة: التراث كنز حضاري يتناقله الأبناء عن الآباء ويتواصل من جيل إلى جيل، وقد شهد قصر الحصن في أبوظبي انطلاقة مهرجان ثقافي واجتماعي كبير سوف يستمر لمدة عشرة أيام، وذلك احتفالا بمرور ما يزيد عن 250 سنة من تاريخ الإمارات والأحداث التي جرت في هذا القصر وهو أول مقر للحاكم. وتجري فعاليات المهرجان في’ساحة القصر، من خلال تنظيم العديد من الأنشطة الفنية وتقديم اللوحات الاستعراضية الغنائية والراقصة المأخوذة من التراث بالإضافة إلى سلسلة من الندوات والمحاضرات التي تعرف بتاريخ القصر وأهم الأحداث التي مرت بإمارة أبوظبي والإمارات الأخرى ومنطقة الخليج بشكل عام. قصة حصنفي يوم الافتتاح استهل الحفل الفنان الإيطالي فرانكو دراغون بعرض مسرحي عنوانه: ‘قصة حصن، مجد وطن’. وقد تضمن العرض لوحات استعراضية تاريخية تحكي لمحات من حياة الأجداد ونمط معيشتهم حيث كان مورد رزقهم في الصحراء من الإبل والبحر، وعكست اللوحات مهن الغوص وصيد السمك وتربية الإبل واستخدامها كوسيلة للتنقل. وتخللت فقرات العمل مؤثرات صوتية وبصرية وتقنيات حديثة عكست جوانب من التراث الإماراتي من خلال تقديم مشاهد فنية جسدت فيها عراقة الماضي لأجداد من شيوخ آل نهيان الذين قدموا إلى أبوظبي من منطقة ليوا ليصنعوا تاريخ’هذه الإمارة ومكانة قصر الحصن التاريخية في الماضي والحاضر. وتحدث الفنان فرانكو عن حبه للإمارات وللشرق بشكل عام قائلا: ‘بدأ إعجابي بتراث الإمارات من اطلاعي على كتاب مصور عن مسجد الشيخ زايد، وجاء الخط العربي ليزيد من إعجابي بالحضارة العربية، فبينما أوجدت الحضارة الغربية فن التمثيل وأعلت قيمته، نجح الشرق في الحفاظ على فنون الخط والعمارة والتجريد. يقول لي أستاذي في الدراما آريان منوشكاين: إن الواقعية هي الخطر الأكبر الذي يواجه المسرح في الغرب، أما الشرق، وعلى اختلاف أوجهه، فقد حافظ على علوم الاستعارات، وجمال الإيماءات، التي تتمتع باكتفائها الذاتي، ولا تحتاج إلى أي شيء آخر يثبت قيمتها’.وأضاف دراغون: ‘أنا مغرم أيضاً بالصحراء، بما تعنيه من أداة للاستعارة والتشبيه، وكونها رمزاً أيضاً، فهي تمنحني القدرة على تخيل مدى القوة الهائلة التي يتمتع بها البدو الذين تمكنوا من العيش في الصحراء لمدة طويلة، واستطاعوا الحفاظ على نمو مجتمعهم في بيئة قاسية لا ترحم. إن من يتمتعون بمميزات خاصة كتلك، هم القادرون على النجاة في هذه الصحراء. وعلى الجانب الآخر، فإن الصحراء تجمع بين اللانهائية والاهتمام البالغ بالتفاصيل، على الرغم من أن كلا المعنيين إلى حد ما، لا تستطيع أن تجد لهما أرضا تستند إليها’. وتحدث عن عرضه المسرحي قائلا: ‘كنت أشعر وكأنني أعيش لحظة تاريخية، بل دقيقة للغاية، فأنا لا أريد أن أقدم مجرد عمل استعراضي. إن العمل المسرحي يمثل مدى الالتزام، لأن المسرح يؤدي دورا كبيرا في العالم. وأنا أرى أن أبوظبي تسعى دائما إلى التغيير وإلى أن تصبح منبرا للثقافة، وتعبر عن ذلك بالاستفادة من معنى الحصن الذي يعد مثالا للاحتواء، وأنا أميل إلى هذه الفكرة، فقد كانت وظيفته الرئيسة تتركز في دوره العسكري والدفاعي، ولكنه على مر العصور أصبح بمنزلة مكتبة معرفية، وبوتقة تنصهر فيها كل تفاصيل قصة الحضارة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أنا فعلا فخور وأشعر بشرف عظيم للمشاركة في هذا التطور الرائع الذي تشهده أبوظبي، والمبني على أسس من القيم والمشاركة والتسامح، تلك القيم التي أشعر بأهميتها الكبيرة’. وتطرق الفنان إلى الحديث عن النصوص الشعرية في عمله الفني قائلا: ‘الشعر الذي قيل في هذا المكان فيه معاني تغمر الإنسان بالكثير من المشاعر، فعندما استمعت لأول مرة إلى الشعر العربي لم أتمكن من فهمه، لكن الصوت، والموسيقى، والنغم هو ما جذبني، ثم تعرفت على معانيه من خلال الترجمة، مما زاد من استمتاعي به وأشعر الآن بانسجام تام مع الروح والعادات التي يتمتع بها السكان هنا’.وختم الفنان فرانكو حديثه: ‘أشعر بالصلة القريبة من البدو، فأنا قريب من حياتهم التقشفية التي تحكمها قوانين الصحراء، فنحن في إيطاليا لدينا شمس حارقة أيضاً، وكل تلك العناصر الطبيعية التي تنسجم مع بعضها، فقد كانت الحياة هناك صعبة وشاقة. أتذكر أن جدتي عملت في الفلاحة، وبذلت حياتها وهي تعمل في الأرض إلى درجة أنها في أيامها الأخيرة كانت لا تستطيع الوقوف مستقيمة الظهر. وقد كان ظهرها المنحني تجسيداً لقساوة العيش وأشعة الشمس التي تحرق كل ما طريقها إلى الأرض. أما في المساء فكنا نستمتع بنسمات الهواء الباردة، ونحدق في النجوم، ونروي القصص الأسطورية التي تجدد طاقتنا وتمنحنا الأمل’.عرس تقليديوضمن الفعاليات الشعبية التي تجري بهذه المناسبة جاء العرس التقليدي ليشكل لوحة فنية واجتماعية لما كان يتم في الماضي من عادات وتقاليد عند طلب العروس من أهلها وما يتبع ذلك من اتفاق على المهر واستلام المبلغ المتفق عليه ليقوم أهل العروس بعد ذلك بشراء الذهب والملابس وبقية الأشياء المطلوبة، وكانت تتألف شبكة العروس من عدة قطع ذهبية متنوعة منها طاسة للرأس، وحزام، والمرتعشة وهي القلادة المتدلية على الصدر، إضافة إلى الأسوارة ويسمونها (بنجري)، والشاهد بدلا من دبلة الخطوبة. أما الملابس، هناك ثوب الحناء وهو أخضر مقلم ومطرز بالقصب، اسمه (بوقليم)، وثوب أخر اسمة (بوطيرة)، و(بوتلة)، إضافة إلى فستان العرس يكون لونه أحمر بينما الطرحة على الرأس هي من اللون الأسود المطرز. هكذا حضرت ‘القدس العربي’ العرس التقليدي في مهرجان الحصن حيث كانت تقوم إحدى النساء بوضع الحناء على أقدام العروس ومن حولها حلقة النساء المشاركات يطلقن الزغاريد والأغاني المخصصة للفرح، ثم يأتي العريس ليأخذ عروسه حيث يحمل من أمها بالعديد من الوصايا ليحافظ عليها ويهنيها في حياتها معه. الركن البحرييتعرف الزائر لمهرجان قصر الحصن، على قسم سمي الركن البحري فيه الكثير من المحتويات القيمة القديمة والحرف التقليدية التي يحتاجها رواد البحر عند أسفارهم، ومنها صناعة القوارب القديمة وجميع المنتوجات المستوحاة من البيئة البحرية، وذلك بالإضافة إلى العروض الحية.ولأن تاريخ اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي يعود إلى ما لا يقل عن ستة آلاف عام، وكان يعد اللؤلؤ المستخرج من هذا الخليج أهم المصادر الرئيسية للتجارة في المنطقة، وكان يتم تصديره للبلدان الأخرى واستعماله في صناعة المجوهرات وخاصة في القرن التاسع عشر حين كان اقتناؤه رمزا للثراء ولا يمتلكه إلا الأمراء والملوك والنبلاء. وخلال المهرجان تم عرض أشكال عديدة في منطقة بيت اللؤلؤ الموجودة في ساحة القصر ضمن فعاليات المهرجان. منتدى المهرجان ويواصل منتدى قصر الحصن الذي تستضيفه مؤسسة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان فعالياته خلال ثلاثة أيام في المهرجان ويتضمن سلسلة محاضرات ونقاشات، وذلك بتقديم عدد من الجلسات الحوارية لمناقشة الأهمية التاريخية لقصر الحصن، وأسلوبه المعماري، وقيمته التراثية كأحد الكنوز الوطنية، وكذلك التطور التاريخي للمجتمع الظبياني الذي أحاط بقصر الحصن خلال تلك المرحلة الهامة من تاريخ الإمارات. ويتناول المعرض أهمية الحصن التاريخية والاجتماعية والسياسية في المنطقة ويتميز مبنى المعرض بتصميم معماري تراثي، وينقسم إلى أربعة أقسام، الأول يسلط الضوء على البدايات، والثاني ‘قصر الحصن من الماضي إلى اليوم، والثالث ‘روايات من قصر الحصن’، والقسم الأخير التفاعل مع الزوار حيث يقدم في أقسامه المختلفة لمحة تاريخية عن القصر من خلال مجموعة من المقتنيات والقطع الأثرية والمجسمات والصور وأفلام الفيديو التي تظهر تاريخ الحصن ومسيرته التاريخية منذ إنشائه قبل أكثر من 250 سنة، مرورا بالمراحل الزمنية التي توالت على تطويره وأهم الأحداث التي مرت عليه وتاريخ آل نهيان منذ تلك الفترة حتى يومنا هذا.وتضمن المعرض أيضا الأشكال الهندسية للحصن ومواد البناء التي استخدمت فيه مع شرح بالصور والمجسمات، ويسعى إلى نقل صورة قصر الحصن وبصورة حديثة وتفاعلية مع الجمهور حيث يعتبر الحصن أقدم المباني العمرانية العريقة في مدينة أبوظبي بما يحمله من دلالات رمزية وتاريخية ويختزل رحلة طويلة من التطور التاريخي والسياسي لإمارة أبوظبي بدأت منذ بنائه في القرن الثامن عشر الميلادي.وجدير بالذكر أن مهرجان قصر الحصن الذي تنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة هو حدث اجتماعي وثقافي يستمر 10 أيام بدءا من 28 فبراير إلى 9 مارس احتفاء بـمرور أكثر من 250 سنة على إنشاء القصر، وتدور أحداث المهرجان في ساحة قصر الحصن لتعريف الجمهور بتاريخ عريق وثري لعاصمة دولة الإمارات. qma

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية