مهرجان كتب وأفلام الرسوم المتحركة في سان مالو الفرنسية: تأصيل التفاعل بين الأدب المكتوب والتعبير المصوّر

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: بين المهرجانات الأدبية والأنشطة الثقافية الكثيرة التي تحتضنها سنوياً مدينة سان مالو الساحلية، التابعة لمنطقة بريتانيا شمال غرب فرنسا والتي تطل على القنال الإنكليزي، أو المانش في التسمية الفرنسية، هناك مهرجان أفلام وكتب الرسوم المتحركة الذي يعتبر على الصعيد الفرنسي الثاني من حيث الأهمية بعد مهرجان أنغوليم. وهو يحظى أيضاً بمكانة أوروبية متميزة بالنظر إلى العدد الكبير من المشاركين فيه، المشتغلين بمختلف النتاجات ذات الصلة بالرسوم المتحركة، سواء منها الكتب أم الأفلام أم الفوتوغراف والصور والأعمال التشكيلية.

والدورة المقبلة للمهرجان، الذي يحمل أيضاً اسم Quai des Bulles، هي الـ41 وتمتد على أيام 7 إلى 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وتتضمن أنشطة عديدة متنوعة تناسب الغالبية العظمى من الأعمار والاهتمامات والأذواق، وتعلن عشرات المشاركات لكتّاب ورسامين وسينمائيين وتشكيليين من أرجاء فرنسا وأوروبا والعالم، كما تتوقع نحو 60.000 زائر قياساً على معدلات الدورات السابقة. ومعطيات البرنامج تشير إلى 500 توقيع لمؤلفين وكتّاب أصحاب إصدارات جديدة في ميادين الرسوم المتحركة، و150 عارضاً لكتب وأفلام وبرامج وألعاب فيديو، إلى جانب عشرات العروض السينمائية والفنية وورشات الرسم وتقنيات التحريك وجلسات الحوار. وفي ختام المهرجان تعلن لجان التحكيم عن سلسلة جوائز، تكرّم المؤلف الأفضل، والعمل الأقرب إلى قلب الجمهور، والمؤلف الشاب، والمؤلفين الفتية والصغار.
وكان المهرجان قد تأسس في سنة 1981 بمبادرة من ثلاثة كتّاب وفنانين هم ديتر وجان كلود فورنييه وألان غوتال، وابتدأ تحت اسم «مهرجان الرسوم المتحركة وكتاب المغامرة»، وهذا ما توجب أن يتغير في سنة 1991 حين انقسم المهرجان الأمّ إلى اثنين: «الرحّالة المدهشون» المخصص للأدب العجائبي وأعمال المغامرة وينعقد أواخر أيار (مايو)، ومهرجان «الرسوم المتحركة والصورة» الذي يبدأ بعد أيام.
وفي عداد المعارض يبرز معرض «شرلوك هولمز» بمشاركة بنوا دهان وسيريل لييرون، الذي يستعيد أجواء حي إيست إند اللندني العتيق، حيث تختلط جموع المحتشدين أمام البارات بوقائع جريمة وشيكة، تستوجب حضور المحقق الإنكليزي الشهير كما رسم ملامحه الروائي الذي لا يقل شهرة أرثر كونان دويل. والمادة القصصية تستوحي الكثير من تفاصيل العمل الأصلي، لكن المادة المصوّرة تتحرر من جانبها لإعطاء الرسم حرية واسعة في التشخيص والإيحاء والتشويق، خاصة لجهة التنويع الحيوي في الخيارات التشكيلية والألوان وزوايا التقاط المشاهد.
معرض آخر بعنوان «المغامرات الجديدة للحية الحمراء»، يقترحه جان شارل كراين وستيفانو كارلوني، ويستعيد المخططات المكيافيللية والدسائس الماكرة والمناورات البحرية البارعة والبارود الذي يعبق في البحر الكاريبي، وكل ما يعيد الذاكرة إلى القرصان الشهير الذي اشتهر في عالم الرسوم المتحركة مع الكتاب الفرنسي – البلجيكي ذائع الصيت، الذي وضع نصّه جان ميشيل شارلييه ورسمه فكتور أوبينون، وصدر سنة 1959.
معرض ثالث يردّ الزوار، من عشاق الرسوم المتحركة والقصص المصورة تحديداً، إلى زمن المغامر البحار كورتو مالتيز كما ابتدعه الرسام وكاتب السيناريو الإيطالي هوغو برات في سنة 1967، وانتشر على نطاق أوروبا والعالم، وتُرجم إلى لغات عديدة، وأقبل عليه الكبار مثل الصغار. وهذا المعرض يكرّم اثنين من الرسامين الإسبان، خوان دياز كناليس وروبن باليخيرو، أعادا إحياء شخصية مالتيز على نحو تركيبي وتجديدي يواصل الوفاء لتقاليد برات الأصلية، ويدخل عناصر تحديثية تسعى إلى تلبية شروط العصر وحياة البحار المغامر في مستهل العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين.
معرض رابع هولندي بعنوان «هذه هي قصتنا» يناقش إشكالية محددة تخصّ إقبال الجمهور في هولندا على اقتناء وقراءة الكتب المصوّرة الفرنسية على حساب النتاجات الهولندية، وهذه من وجهة نظر مؤلف النص وزميله والرسام الهولندي تتجاوز طبيعة اللغة بالنسبة إلى الأعمال غير المترجمة، وتنفتح بالتالي على سؤال شائك يخص نجاح الصورة والصفحة المرسومة في تذليل العائق اللغوي والذهاب مباشر إلى متعة القراءة.
هنالك أيضاً لقاء لافت يقترحه أريك داربيه تحت عنوان «الإيغور: شعب يرفض أن يُترك للموت»، وفيه يعود المخرج والصحافي والرسام الفرنسي إلى طور مبكر من لقائه مع أقلية الإيغور في الصين سنة 1996، حيث عاصر بدء عمليات إجبار النساء على الخضوع لحقنات التلقيح، وشاهد أفواج النازحين واللاجئين، وعاصر ارتكاب المجازر والإبادة الثقافية. ويقول داربيه أنه وعد جماعة الإيغور أنه لن يسكت عن عذاباتهم ولن يتركهم ضحية الصمت واللامبالاة، وكان كتابه المصوّر مجرد شهادة على الحدّ الأدنى الذي يقع على عاتق ضميره وشرف مهنته.
وهذه مناسبة تتيح التنويه إلى أنه باتت وطيدة العلاقة بين فنون الرسوم المتحركة من جهة أولى، والأدب عموماً والأنواع القصصية والروائية خصوصاً من جهة ثانية، وصارت أنماط التجاور بينهما تتعدى اقتباس أعمال الأدب الكلاسيكية أو تلك التي ترسخ في ذاكرة القراء عموماً وبمختلف الأجيال، وانتشرت أكثر فأكثر صيغة الرواية المصوّرة Graphic Novel التي تعتمد أساساً على الرسوم أو حتى الصورة الفوتوغرافية. أكثر من هذا شاعت الرسوم المتحركة في كتب مختصة بالعلوم أو الفلسفة، ولأغراض تبسيط المفاهيم الصعبة والمعقدة التي أصبحت في متناول القارئ العريض وليس القارئ المتخصص فقط.  وعلى سبيل المثال يفضّل كثير من القراء مطالعة رواية جورج أورويل الشهيرة «1984» بصيغة مصوّرة، على غرار النسخة التي رسمها البرازيلي فيدو نيستي وصدرت سنة 2021 في 220 صفحة.
وخلال الجلسات الحوارية الكثيرة التي يشهدها المهرجان، يناقش الكتّاب والرسامون والجمهور بعض أبرز المشكلات التي تعترض تأصيل التفاعل بين الأدب المكتوب والتعبير المصوّر، ثمّ الصلات التالية مع الأشكال الفنية الأخرى مثل السينما والرسوم المتحركة، وكل هذا على قاعدة التأثير والتأثير المتبادل. وغالباً ما تُثار في هذه الملتقيات مشكلة طرائق اقتباس الأعمال الكلاسيكية الضخمة، مثل رواية تولستوي «الحرب والسلام» أو رواية مرسيل بروست «البحث عن الزمن الضائع» مثلاً، سواء لجهة الالتزام بالمضمون والحرص قدر الإمكان أن يكون الاقتباس أميناً، أو لجهة منح الفنون التصويرية الحق في اللجوء إلى مرونة أوسع نطاقاً، وخدمة ما يمكن للصورة أن تمثله بالقياس إلى الكلمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية