مهرجان “مينا” للفيلم القصير في مدينة لاهاي الهولندية يحتفي بقيم العدالة والإنسانية

صادق الطائي
حجم الخط
2

أقيمت أعمال الدورة الثانية لمهرجان “مينا-الشرق الأوسط وشمال افريقيا” للفيلم القصير على مسرح ‏لاك تياتر في مدينة لاهاي الهولندية برعاية مؤسسة “Fonds 1818” وهي راعية للنشاطات الثقافية في هولندا. وعلى مدار يومي 30 تشرين الثاني/نوفمبر والأول من كانون الأول/ديسمبر 2019 تم عرض 12 فيلما من تسع دول مشاركة في المهرجان.

جاءت المشاركة السورية بفيلمين هما “هيفي” و”الحبل السري”. وقد حاز فيلم “هيفي” للمخرج محمد شيخو، من مدينة قامشلي، السورية، ويقيم حالياً في فرنسا‏، على جائزة أفضل فيلم في المهرجان. الفيلم يحكي قصة زوجين من أكراد سوريا تدفعها ظروف البلد إلى الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ما يوقعهما فريسة استغلال شبكات التهريب، ليتركنا شيخو عند نهاية مفتوحة توحي بالأمل المتطابق مع اسم بطلة الفيلم (هيفي باللغة الكردية يعني أمل). وقد حاز الفيلم تقديرا نقديا عاليا من لجنة تحكيم المهرجان لرصانة الموضوع وقوة السيناريو وتمكن مدير التصوير من تقديم كادرات فنية رائعة، حيث تم تصوير الفيلم في منطقة جبال الألب الساحرة والموحشة في الوقت نفسه، مما خلق معادلات صورية صادقة للصراع النفسي الذي عاشه بطلا القصة المهاجران.

الفيلم الثاني كان بعنوان “الحبل السري” وقد حصل على جائزة الجمهور. القصة والسيناريو كانت من كتابة رامي كوسا، وأخرج الفيلم الليث حجو، وقام ببطولته نانسي خوري، ويزن خليل، وضحى الدبس، وجمال العلي، وسناء سواح. وهو من إنتاج ورشة تمكين ومناصرة قضايا المرأة السورية، التي أقيمت برعاية الاتحاد الأوربي ومؤسسة مدني ‏في بيروت. سلط الفيلم الضوء على جانب مأساوي من الحرب الأهلية في سوريا، ويحكي قصة امرأة تضع مولودها وسط ظروف استثنائية حيث تتم الولادة بمساعدة زوجها فقط، وذلك لعدم توافر أي مستلزمات صحية نتيجة الحصار الذي تم فرضه على الحيّ، ليشكل ذلك تبايناً واضحاً بين الموت برصاصة قناص وولادة طفل جديد يولد معه أمل جديد بالحياة، وقد نجح فيلم الليث حجو في الاستحواذ على إعجاب الجمهور الذي منحه جائزة الجمهور لهذه الدورة من المهرجان.

أفضل سيناريو

كما فاز بجائزة أفضل سيناريو فيلم “ظل الليل” للمخرج شادي الهمص، وهو هولندي شاب من أصل مصري، وهو نجل الفنان المصري صبري الهمص، كتب قصة الفيلم يورن سخولتن فان اسخا، بمشاركة مخرجه شادي الهمص. الفيلم يحكي قصة الفتى طارق ووالده إلياس، وهما يعملان في شبكة تهريب مهاجرين غير شرعيين في أوروبا، وتبدأ قصته برحلة ليلية روتينية لتهريب مهاجرين إلى داخل هولندا، يقوم فيها الوالد بتعليم الصبي فنون مواجهة الحياة القاسية التي تنتظره في المستقبل، وإذا بهما يتعرضان لحادث يكاد يودي بحياتهما وحياة 19 لاجئا محشورا في سيارة الشحن التي يستخدمانها في التهريب، المحصلة وفاة أحد اللاجئين أثر سقوطه من السيارة، وعندها فقط يشارك الصبي طارق أبيه في إزاحة الجثة عن الطريق، لنكون أمام بداية رجولته التي تعمدت بالدم واعتراف الأب بذلك عبر تقديمه سيجارة للابن، يحصل الصبي في ‏النهاية على اعتراف والده الذي يتوق إليه، ولكن بثمن باهظ هو فقدان براءته.‏

جائزة العدالة والسلام

أما مشاركة المغرب فكانت مميزة في هذه الدورة من المهرجان، إذ قدمت ثلاثة أفلام ذات قيمة فنية مميزة، الأول فيلم “أليس” للمخرج والفنان التشكيلي المغربي فيصل بن، والثاني “بوخشنة” ‎للشاعر والمخرج المغربي المقيم في بلجيكا، الهواري غباري. والفيلم الثالث “أغنية البجعة” للمخرج المغربي الشاب يزيد القادري. وقد فاز فيلم “أليس” بجائزة العدالة والسلام وذلك لما احتواه من دفاع عن القيم الإنسانية والدعوة للوقوف بوجه العنف ضد الطفولة والمرأة. الفيلم يحكي برمزية عالية وإبهار لوني وصوري مميز قصة حادثة تعرض طفلة لعملية اغتصاب من ذئب بشري، ويتطرق إلى الأثر النفسي العميق الذي تتركه أعمال التحرش الجنسي على شخصية الطفل عندما يكبر.

أما فيلم “بوخشنة” لهواري غباري فيقدم برمزية مركبة لم تصل بوضوح إلى المتلقي ليتمكن من فك مغاليقها، حكاية قاتل متوحّش يعيش داخل غابة للدمى، القتل لعبته المفضلة، ووسيلة لعلاج مشاكله النفسية غير المعلنة، الموروثة ‏أو المكتسبة، ونهايته المحتملة، ويمكن القول إن فيلم “بوخشنة” يشير إلى العنف كجزء مما يحدث داخل الغابة اللامرئية لدواخلنا.‏

بينما كان فيلم “أغنية البجعة” للمخرج المغربي يزيد القادري عملا سينمائيا مميزا. فكرة الفيلم قائمة على إدانة الإرهاب وإعلاء قيم الإنسانية عبر الاحتفاء بالفن، وبالرغم من أن الفيلم لا يحوي أي حوار حيث إن وسيلة التعبير الوحيدة تمثلت في العزف والموسيقى والرقص، وإبراز الأحاسيس الخفية للشخصيات من خلال التركيز على الملامح والحركات في أحيان كثيرة، إلا أن رسالته كانت واضحة وقوية في وجوب ترسيخ قيم الحياة والاحتفاء بها في مجتمعاتنا لحمايتها من خطر الإرهاب.

إدانة للعنف

العراق كان حاضرا في فيلمين، الأول هو “عباد الشمس” للمخرج علي سهر، وهو عمل يسلط الضوء على مأساة طفل يعيش مع أخيه الأكبر المعاق الذي يتحرك على كرسي مدولب، وقد عاش الطفل حياته ليعتني بالأخ المعاق لأنه ببساطة كل ما تبقى له من عائلته. يعتاش الاثنان من بيع حب عباد الشمس الذي يلفانه بورق الدفاتر المسروقة من طلاب المدرسة التي لا يستطيع بطل الفيلم الطفل الانتظام فيها ويبقى ينظر لها بحسرة مع تعالي النشيد الوطني كل صباح. أما الفيلم الثاني فكان فيلم “الروليت الروسي” وهو رسوم متحركة – أنيميشن – للمخرج أنس الموسوي، حاول صناع الفيلم تقديم رسالة إدانة للعنف عبر السعي لتحويل اللعبة المميتة من “روليت روسي” إلى ألعاب تسلية أخرى فيها الكثير من الترفيه وحب الحياة.

البحرين كانت حاضرة في المهرجان بفيلم “المنطقة الرمادية” للمخرج حسين جعفر، وقدم مقاربة لإدانة العنف والاضطهاد الذي تعيشه مجتمعاتنا في ظل أنظمة شمولية تعسفية، وقدم المخرج رؤيته برمزية عالية وتكثيف مفرط من دون إشارات واضحة أو إدانات محددة لمجتمعات معينة ربما بسبب الخوف من مقص الرقيب.

أما المشاركة الإيرانية في هذه الدورة فكانت بفيلمين، الأول بعنوان “تقرير” للمخرج محمد رضا خردمندان الذي نال تنويه لجنة التحكيم لتمكن صناع الفيلم من فهم فلسفة وآليات الفيلم القصير بشكل متقن، إذ قدم خردمندان عبر دقيقة وخمسين ثانية فيلما مكتملا محبوكا من دون نقصان أو زيادة، وقد لعب الفيلم على ثيمات باتت تمثل أعمدة أو ثوابت وسمات في السينما الإيرانية مثل الاعتماد على الأطفال في التمثيل، واختيار الموضوعات الحياتية البسيطة التي يمكن أن تقدم بلمسة فنية صورة واقعية للمجتمع.

أما الفيلم الإيراني الثاني فكان صورا متحركة بعنوان “السيد الوعل” للمخرج مجتبى موسوي، قصته تروي برمزية عالية مشاكل المجتمع الحديث وتكالب الناس وصراعاتهم عبر الاشتغال على مقاربة رحلة الحياة بقطار الأنفاق في مدينة غربية المظهر، محطمة، في وقت غير معروف، حيث يظهر أفراد هذا المجتمع بوجوه حيوانية في إشارة غير خافية مفادها نسيان الغرب لقيم الإنسانية والأخلاق ومحاولة “السيد الوعل” وضع حد لهذا التردي ليكون في النهاية ضحية هذا المجتمع الكارثي.

وقد أكد مدير المهرجان الإعلامي والشاعر العراقي المقيم في هولندا محمد الأمين على إن مهرجان مينا للفيلم القصير يعمل على تسليط الضوء على قيم الحرية في أبعادها الشخصية والاجتماعية والسياسية وهذا هو محور الدورة الثانية لهذا العام، وقد سعى داعموه إلى توفير منصة لصناع السينما المستقلة في بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا من أجل تقديم رؤية سينمائية إنسانية للجمهورين الهولندي والعربي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية