مهرجان وهران السينمائي يواصل عروضه: افلام تعالج وحشة الكبار والقسوة على الصغار

حجم الخط
0

فاطمة عطفة

وهران ‘القدس العربي’ من فاطمة عطفة: لا تزال مدينة وهران تواصل بهجتها بما حمله إليها أبناؤها المبدعون من الجزائريين وأخوانهم الفنانين القادمين من الوطن العربي، ولعل الموسم السينمائي الجديد يمتاز بمبادرات المخرجين الشباب وإبداعاتهم الجميلة. ويظل هؤلاء الشباب أمل الأمة وعماد مستقبلها بعد أن أعلنوا الثورة واحتلوا الشوارع والميادين ليطردوا رؤوس الدكتاتورية وأعمدة الفساد والاستبداد، ونلتقي اليوم بعدد منهم في مهرجان وهران السينمائي العربي الذي يتميز باحتضان وتقديم الأعمال العربية فقط، كذلك هو الشعب الجزائري في مدينة وهران ومن جاؤوا إليها من الجزائر- العاصمة إلى جانب أشقائهم العرب، الجميع يشعرون كأنهم عائلة واحدة متضامنة على المحبة والتآلف والحوار. في هذه الأجواء الجميلة يقدم السينمائيون من الشباب العربي آخر ابتكاراتهم في هذا الفن الراقي الذي يحمل رؤى وتجارب وحكايات واضحة وصريحة وجذابة تترك تأثيرا هاما على أفكار المتلقي ومشاعره. وهذه الأعمال تبشر بالمستقبل الفني الواعد والجميل لهؤلاء المبدعين، حتى وإن لم تكن جميع الأعمال بمستوى جيد، لكن من شاهد الأفلام التي قدمت لغاية يوم 19 من المهرجان يشعر بأن هؤلاء الشباب هم الأمل المرتجى.

جاء عرض فيلم ‘ديما براندو’ للمخرج التونسي رضا باهي ليحكي عن ممثل تونسي مغمور يعمل على لقاء ‘مارلين براندو’ ويسافر إلى أمريكا من أجل لقاء ذلك الممثل الكبير حيث يتعرض هناك لعدد من المتاعب والمواقف المحرجة تنتهي بإلقاء القبض عليه من قبل مكتب إف. بي.

آي الأمريكي. وكما نجح باهي في إخراج العمل، جاء دور الممثلة الموهوبة والجميلة سهير بن عمارة في آية محببة من التألق وإتقان الدور الذي قدمته، ولم يكن أقل منها تميزا الممثل الشاب أنيس رعاشي، حيث أجاد في أداء دوره مما جعل البعض يطلق عليه اسم البطل الحقيقي ‘براندو’، وهذا ما ظهر واضحا من أسئلة الحضور الموجهة للممثل عند مناقشة العمل، ولم يكن رعاشي مرتاحا لإلصاق الشخصية به وتلبسه بها، لأنه لا يريد أن يكون رهينة لعمل واحد حتى ولو حصل على مثل هذا النجاح، خاصة وأنه كان قد قدم أدوارا متميزة في أعمال فنية أخرى جميلة ومختلفة. وأعد قراء القدس بلقاء قريب مع هذا الفنان التونسي المبدع.

ورغم غياب مخرج فيلم ‘دمشق مع حبي’، محمد عبد العزيز من سوريا، كذلك لم يحضر المهرجان أحد من طاقم العمل، والفيلم يتحدث عن فتاة يهودية دمشقية اسمها هالة، يكشف والدها عن سر قديم، ومع انكشاف هذا السر تلغي رحلتها وتقوم برحلة غيرها من خلالها تكشف نفسها والآخر في المدينة ذات الأبواب السبعة، وعند الباب السابع منها ستجد باب الحب مفتوحا أمامها من جديد، وهو باب المدينة الذي لم يغلق أبداً.

ولم تكن الأفلام الروائية الطويلة أكثر تشويقا من الوثائقية التي تقدم في دور العرض بمدينة وهران ولا أهم من الأفلام القصيرة التي تم إنجاز معظمها بجهود وأفكار شباب طموحين يحاولون أن يؤكدوا حضورهم في هذا المجال الإبداعي الصعب والجميل، فقد شهد أيضا يوم 18 مجموعة من الأعمال القصيرة، منها الجيد ومنها الوسط، لكن الفن السينمائي إجمالا يظل عملا جماعيا جذابا ومحببا، وإن كان للمخرج بصمته الواضحة. وقد قدم المخرج عبد العزيز النجيم من السعودية الرياض في عمله ‘وينك’ حكاية شاب يبحــث عن صديقه الذي اعتزل الناس والمجتمع.

ومن البلد المضيف الجزائر قدمت: ياسمين شويخ عملها ‘الجن’ حيث تتحدث بطلة الفيلم ‘عنبر’ عن ‘الجن’ الذي أراد أن يسكنها من خلال انصياعها لعادات وتقاليد مجتمعها، ولكن بفضل إرادتها ومساعدة صديقتها آمال تنقلب حياتها. وياسمين تعمل في تلفزيون الجزائر وقد كتبت عدة سيناريوهات لأفلام قصيرة، وأخرجت أحدها وهو ‘الباب’، كذلك هي المخرجة الفنية لمهرجان تاغيت الدولي للفيلم القصير (الجزائر) كما أنها المسؤولة عن الأفلام القصيرة في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي. أما العروض التي رافقت فترة ما قبل الظهر للأفلام القصيرة فكانت أربعة أعمال وجميعها حظيت بالإعجاب والتقدير، وهذه الأفلام جاءت من لبنان، فلسطين، سوريا، الأردن، حيث امتلأت صالة ‘سينماتيك وهران’ بمئات المشاهدين كما قوبلت هذه الأعمال كلها باستحسان كبير وهي تحمل قضايا مختلفة تمس قضايا المجتمع، وكل المخرجين شباب في مقتبل العمر، منهم المخرج الجزائري الذي قدم فيلم ‘أرجل فوق الأرض’، وهو العمل الثاني الذي يقوم بإخراجه ويتضمن رؤية حديثة حيث نسيم شاب يعيش منذ مدة حالة انعدام الوزن ولا تؤثر فيه الجاذبية، وتبدو له الحياة أكثر تعقيدا، بينما يراقبه الطفل الذي يحلم بالطيران وهو يضع أجنحة وينتظر نسيم ليخرج من بيته، وهو يلبس في رجليه حذاء كبيرا وثقيلا ليساعده في الانجذاب إلى الأرض.

وجرى عرض فيلم ‘الفيس’ للمخرج الشاب راني مصالحة من الناصرة بفلسطين، وقد بدأ عمله السينمائي في مصر العالمية للأفلام مع المخرج الكبير يوسف شاهين وشركائه كمساعد متنج، كما عمل مع رشيد بو ضياف في فيلمه ‘الخارجون عن القانون’، وعمل كذلك مع المخرج هنري سليم وبراون دمونت. يروي الفيلم قصة حمودة الصبي المتسول في شوارع بلدة الناصرة، وتنشأ صداقة بينه وبين خليل وهو رجل كبير في السن يتخيل نفسه المغني ألفيس برسيلي، وهو يكذب على الصبي ويوهمه بأن الملك أهداه عوده، هذا الشيء يدفع الصبي إلى سرقة العود محاولا بيعه بمساعدة أحد رفاقه، لكن حمودة مع تطور الأحداث يدرك أن العود لا قيمة له وأن خليل هو مجرد حالم، فيقرر أن يعيد له العود بعدما أصابته خيبة أمل. حمودة بعدها يفهم أسطورة ألفيس بريسلي.

أما الشاب المنتج لفيلم ‘تيتا’ جاد موسى من لبنان، وهو مساعد مخرج كان أخرج فيلمه الأول ‘في ذكرى’ كما عمل في الفيلم الروائي ‘تنورة ماكسي’ الذي شارك في مسابقة المهر العربي في مهرجان دبي، وقد أنتج ‘تيتا’ للمخرجة وكاتبة السيناريو ميرفا فضول حيث تناول العمل موضوع المراهقة سارة التي تركتها أمها مع شقيقها عند جدتها. ثم تنقلب حياتهم عندما تبدأ أيقونة العذراء برشح الزيت فيبدأ المجتمع يثرثر عن هذا الحدث العجائبي. ويسلط الإعلام على كشف الموضوع وتوضيحه من خلال لقاءات الجدة والتي أصبح منزلها مرجعا لكل من يؤمن بفكرة العجائب، بينما تضيق سارة ذرعا بما حدث وهي التي تريد أن تعيش حياتها مع بعض أصدقائها كمراهقة، وهذا ما أحدث خللا في العلاقة بين سارة وجدتها، بينما أختها الطفلة تقدم تساؤلات لما يحدث.

وتستمر العروض وتتجلى روعة الفن والخبرة في أداء الممثلين ولم تكن غريبة عن فنانين كبار ومنهم خالد تاجا، أندريه سكاف، رنا سميس، جريس جبارة، مازن عباس، شادي دويعر، علا الباشا، علاء أبو عفش في فيلم ‘أنفلونزا’ للمخرج والمؤلف رياض مقدسي. هذا العمل يجمع بين شخصيات الفيلم، ويحكي قصة ناس يأملون بأن تداوي السعادة كل آلامهم، التي ظهرت من الفقر والتسول، وبيع السمك الميت، واستخدام الأثرياء للسيارات الفخمة إذ تتفضل إحداهن بسيارتها لتدفع الكثير من الفلوس لشخصية الفنان خالد تاجا الذي يمثل الشحاد على أن يأتي لها بالسمك الطازج (فريش)، لأن الخادمة لم تستطع أن تحصل على السمك بسبب الأنفلونزا التي أصابت الناس بسبب أكل الأسماك الفاسدة، بعد التقاطها وبيعها في الأسواق.

ونختم اليوم برنامج الأفلام القصيرة مع الشاب الأردني المخرج والمؤلف زيد أبو حمدان، الذي نشأ في الأردن وتخرج باختصاص سينما وتلفزيون من الجامعة الأمريكية في لبنان، كما أنه تابع دراساته العليا بكلية الفنون الجميلة في أكادمية نيويورك، وقد أخذ زيد المشاهدين بفيلمه ‘بهية ومحمود’ إلى عالم الحنين في الماضي بين الجد والجدة وكيف يتخاصمان ويحبان بعضهما. إن عالم الكبار بالسن بعد أن يتركهم أولادهم من وحشة التقدم بالعمر في جو من العزلة بلا أنيس، وعندما تدق الساعة التاسعة والنصف صباحا، يعلن حلول يوم آخر لا يطاق في حياة محمود وبهية. زوجان عجوزان يقاسيان العيش وحدهما ويمضيان أوقاتهما في الشجار وكأنه حيلة لكسر الصمت، متحملين ما يبدو ظاهريا زواجا لا حب فيه ولا عاطفة، ويبدو أحيانا أنهما لا يطيق أحدهما الآخر، ولن تتغير هذه الحال إلا حين يأتي يوم يستيقظ فيه محمود مستمتعا بصباح رائق، لكنه يكتشف الحقيقة بغياب بهيجة عن البيت، وهنا ينقلب الجو ويبدأ بالبحث عنها، ينزل للشارع وينده باسمها. تعود بهيجة للبيت وهي التي كانت قد ذهبت إلى الفرن لتأتي له بالخبز الفرنسي الذي كان قد طلبه قبل يوم. عندما لا تجد محمود تخاف وتبدأ أيضا جولة بحث عنه في الشارع إلى أن يلتقي الاثنان معا في مشهد يحمل كل ما كانت تكنه القلوب من حب صادق وعميق دون أن تبيح به.

ومع الأفلام الطويلة وأهمها كان ‘كف القمر’ للمخرج خالد يوسف من مصر، سيناريو وحوار ناصر عبد الرحمن، إنتاج كمال أبو علي. وهذا العمل قدم عرضا جميلا بين فيه الأم وهي على فراش مرضها الأخير، تبعث الأم للأخ الكبير بأن يجمع إخوانه كي تلقي عليهم نظرة أخيرة قبل أن ترحل. والأم من صعيد مصر، وهي التي دفعت أولادها للذهاب إلى المدينة بحثا عن الرزق الذي يمكنهم من العودة لاستكمال حلم والدهم في بناء البيت القديم، لكنهم يتفرقون وتهرم الأم وهي في الانتظار، ويكون مرضها ووحدتها هدفا للطامعين والحرامية لسرقة كل ما في البيت حيث يبقى أشبه بالأطلال. وفي رحلة الأخ الكبير عن بقية إخوانه يتعرف عليهم وهم متفرقون وخصوم، ويحاول أن يجمع شملهم قبل موت الأم أو أنهم سيستمرون في الفرقة والقطيعة.

وينتقل الجمهور مع المخرج نسيم عباس من المغرب العربي إلى فيلم ‘ماجد’. تدور أحداث الفيلم حول الطفل ماجد الذي يعيش مرارة اليتم مع أخيه إدريس الذي يحلم بالهجرة إلى الخارج، ويحاول الطفل تكوين صورة عن والديه اللذين فقدهما في سن مبكرة، لكنه يعجز ويعمل عن البحث لصور لوالديه، وعلم أخوه إدريس أنه يمكن وجود صور عند جيرانه القدماء في الدار البيضاء، حيث ذهب برفقة صديق له أيضا يعاني من عنف والده في البيت ويتعرض الطفلان إلى الكثير من المخاطر هي رحلة مغامرة لقسوة المجتمع على الأطفال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية