مهرجان 24 ساعة مسرح دون انقطاع في الكاف: احتفاء بالفن الرابع وعودة الاشعاع الفني التونسي

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:في ربوع مدينة الكاف التونسية الواقعة شمال غرب البلاد على الحدود مع الجزائر ومع هبوب النسيم العليل الذي تشتهر به هذه الحاضرة الحصينة والتي كانت على الدوام عصية على الغزاة بقصبتها الشهيرة، انتظمت خلال هذا الأسبوع الدورة 18 من تظاهرة «24 ساعة مسرح دون انقطاع» محتفية بالفن الرابع وأهله. فللكاف تقاليد راسخة ومتجذرة في عالم المسرح ولفرقتها المسرحية ومركزها للفنون الدرامية صولات وجولات وإبداعات محفورة في الذاكرة ومبدعين مروا منها ليصبحوا من أهم رواد هذا الفن محليا وخارجيا.
قدم المهرجان باقة من العناوين الجديدة منها «هوامش على شريط الذاكرة» لأنور الشعافي و»قمرة دم» لمعز مرابط و»سوق سوداء» لعلي اليحياوي.
ففي مسرحية «هوامش على شريط الذاكرة» يجلس رجل مسن وحيدا على كرسي متحرك وأمامه مكتبة من أشرطة الفيديو فتبدو الشخصية وكأنها في مواجهة مباشرة مع ماضيها وذاكرتها المثقلة بالأحداث. ويكتشف الجمهور ان العمل هو عبارة عن سيرة ذاتية لرجل حاول ان يسبق قطار العمر بتسجيل كل ما مر في حياته من صور ومشاهد وأحداث.
بطل العمل رجل مسن يمثل التوق إلى الماضي الذي يمر سريعا في حياة صاخبة بأحداثها. وهذا العمل أنجزه أنور الشعافي سنة 1988 لما كان طالبا بالمعهد العالي للفن المسرحي. يعيد بطل المسرحية استحضار أحداث هامة مع تعدد الأزمنة والأمكنة، فيعود إلى انهيار جدار برلين وأحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيرت وجه العالم. ويكتشف الجمهور ان العجوز اعتاد على توثيق الأحداث الهامة في تسجيلات يعيد الاستماع إليها واستحضارها سنويا في ذكرى ميلاده، كأنه يناجي المشاهد القديمة في الصراع الأبدي بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ومسرحية «قمرة الدم» لمعز مرابط تبدأ بمشهد شرنقة تخرج منها امرأة في إشارة إلى ولادة وطن جديد. بهذه المسرحية يعبر المخرج عن تناقضات الواقع اليومي ويتحدث عن الثورة التونسية. تدور أحداث العمل حول امرأتين هما علياء وزينب تبحثان عن سر اغتيال الشاعرة هادية ملهمتهما في الثورة.
فالعمل يبدو وكأنه دفاع عن ثورة الأمل ضد الظلم وثورة الشعب الذي عانى ويلات الاضطهاد في إطار من الكوميديا السوداء.
وما يميز هذه الدورة هو انفتاحها على مهرجانات مسرحية في الولايات الأخرى مثل مهرجان «الفرجة الحيّة» بقفصة و»عز الدين قنون للمسرح» بالعاصمة. وشهدت أيضا انتظام ندوة فكرية كما الدورات السابقة واهتمت ندوة هذه السنة بموضوع «الفن الرابع والسلطة الرابعة» بمشاركة مختصين ونقاد مسرحيين من تونس وخارجها. وانتظم على هامش الدورة 18 معرضا للكتاب تحت عنوان «كتاب مجاني» وضع من خلاله اتحاد الكتاب التونسيين على ذمّة ضيوف التظاهرة 1500 كتاب مجانا للراغبين في المطالعة. ولم تقتصر العروض على فضاءات العرض التقليدية المغلقة بل تجاوزتها إلى شوارع المدينة والمواقع الأثرية ودور المسنين وفاقدي السند والمؤسسات السجنية.
ويقول عماد المديوني مدير مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف لـ»القدس العربي» إن «في الدورة 18 لم تدخر الإدارة جهدا في انجاح التظاهرة والعمل على مزيد اشعاعها وطنيا وعالميا. وتم الاحتفاء في هذه النسخة من المهرجان بأحدث إنتاجات الفن الرابع وآخر تجليات أب الفنون من خلال استضافة باقة من العناوين الجديدة». وقد تميز المهرجان، في رأيه «ببرنامج ثري على غرار الورشات التكوينية والعروض الفرجوية، إلى جانب وجود أكثر من 38 عرضا من بينها عروض أجنبية».
وأشار مدير المهرجان إلى أن مركز الفنون الدرامية والركحية في الكاف لا يغيب عن أكبر التظاهرات المسرحية في تونس، افتتاحا أو اختتاما، وعلى سبيل الذكر لا الحصر كانت مسرحية «القادمون» حاضرة في افتتاح الموسم الثقافي للمسرح الوطني وهذا مرده الإيمان بالمستوى الجيد لإنتاجات المركز التي تجاوزت حدود المحلي لتشع على الصعيد الوطني.
ويؤكد على أن المركز سجل في الدورة 20 من أيام قرطاج المسرحية لسنة 2018 حضورا قياسيا في المهرجان من خلال ثلاثة أعمال مسرحية هي «القادمون» و»تجرأ» و»الأخطبوط» بالإضافة إلى العرض التنشيطي «كرنفال يوغرطة» الذي كان حاضرا في مراسم الافتتاح الرسمي.
ولئن خصص مركز الفنون الدرامية والركحية على امتداد الموسم الثقافي حيزا مهما للورشات التكوينية والمختبرات، فإنه يواصل على المنهج نفسه إيلاء التكوين والتدريب نصيبا من برمجة تظاهرة 24 ساعة مسرح دون انقطاع بالكاف من خلال برمجة ورشتين، الأولى تحت عنوان «كوميديا دي لارتي» والثانية تهتم بموضوع «الرقص والإعلام».
كما اهتمت ندوة الدورة 18 بموضوع «الفن الرابع والسلطة الرابعة» بمشاركة مختصين ونقاد مسرحيين من تونس وخارجها.
إلى جانب تنظيم مائدة مستديرة بعنوان «حقوق النشر والطبع» بالشراكة مع مؤسسة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة واتحاد الكتاب التونسيّين.
وكما تحتفي تظاهرة 24 مسرح دون انقطاع بالكاف بآخر الإنتاجات المسرحية فإنها أيضا تهتم بأحدث الإصدارات الأدبية في صنف النصوص المسرحية وذلك من خلال تنظيم حفل توقيع الكتاب الجديد للدكتور عبد الحليم المسعودي بعنوان «الروهة».
وبالرغم من الإمكانيات المادية المحدودة حيث لا تتجاوز ميزانية المهرجان50 ألف دينار والبنية التحتية الهشة بسب إخلاء قسم كبير من مقر مركز الفنون الدرامية الركحية بالكاف للقيام بأشغال ترميم، فإن تظاهرة 24 ساعة مسرح دون انقطاع بالكاف 2019 واكبها جمهور غفير مثل عشق التونسيين للفن الرابع وتوقهم للهروب من واقع مليء بالأزمات الاقتصادية والمعيشية والصراعات السياسية في بحث عن الذات والحياة والأمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية