مهزلة الأعلام

حجم الخط
0

مهزلة الأعلام

د. محي الدين عميمورمهزلة الأعلام عرف الوطن العربي، منذ أن كانت هناك دول عربية، مهزلة تغيير الأعلام الوطنية بخفة لا تصدق، حتي أن بلدا عربيا غير علمه ثلاث مرات في نحو عقد واحد، وليس صحيحا أن ما يُسمّي بالدول الثورية أو التقدمية كانت هي السباقة في هذا المجال، فقد تغير العلم المصري مثلا مرتين أو ثلاثا قبل ثورة يوليو 1952، لكن المؤكد أن ممالك الوطن العربي وإماراته ومشيخاته كانت حريصة علي علم الاستقلال الأول، تمـــاما كدول المغرب العربي التي لم تغير أعلامها الوطنية إطلاقا، باستثناء المثال الليبي الذي تغير فيه العلم أكثر من مرة إلي أن أصبح اليوم مجرد مساحة خضراء لا تحمل أي رمز أو إشارة.لكن المثال الكردي اليومي يجسد إجراء يجب التوقف عنده، حيث أنه قرار عملي بالانسلاخ عن القطر العراقي، بدأت مقدماته بمنح الحكم الذاتي للإقليم في عهد الرئيس صدام حسين ولكنه أخذ بعده الانفصالي الحقيقي بفضل الحظر الجوي الذي فرضته الولايات المتحدة علي شمال العراق وجنوبه، وهو الجنوب الذي تجري اليوم محاولات حثيثة لكي يكرر تجربة الشمال الناجحة، والتي تحرص قياداته علي الترويج لها بكل وسيلة ممكنة، بغض النظر عن نسبة الديموقراطية واحترام الرأي الآخر في استعمالها، وكل هذا يتم بتشجيع ممن يريد إيجاد نقطة ارتكاز أخري في المنطقة العربية بجانب إسرائيل.وهكذا فإن قرار السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان وابن المُلاّ مصـــــطفي البارزاني حليف إيران وإسرائيل السابق، برفع العلم المُسمّي علم كردستان بــــدلا من العلم العــــراقي (والذي تغير هو أيضا منذ العــــلم الملكي ذي النجمتين ومرورا بعلم عبد الكريم قاسم) لا يجب أن يُشكل صدمة لأحد، خصوصا وقــــد تأكد اليوم أن الحكومة المركزية في العراق، وبغض النظر عن أن سلطاتها الحقيقية قد لا تتجاوز المنطقة الخضراء، لا تملك أي وجود في الشمال باستثناء أوراق العملة التي يتواصل التعامل بها علي ما أعتقد، وربما إلي حين، ومن المؤكد أن ذلك سيكون إلي حين. ولست أدري لماذا أتذكر الآن قضية الطائرات المختطفة التي يحاول مختطفوها المساومة لانتزاع فوائد شخصية واسعة المدي. والواقع هو أن اختيار العلم الكردي بقرار فردي لم تستشر فيه بقية القيادات العراقية ولم يُعرض علي البرلمان المركزي يعني ببساطة أن المنطقة ترفض الانتماء إلي نفس العراق الذي ينتمي له الآخرون، حيث أن العراقيين من أبناء هذا الجيل، ورغم كل مآخذهم علي النظام السابق، لم يألفوا غير العلم رباعي الألوان، وهي، وكما يقول الأستاذ الخزاعي، ألوان عراقية استعملت قبل الإسلام، ولا علاقة لها بما يُسمّي الثورة العربية الكبري، أي عملية النصب التاريخية التي قام بها لورنس في بدايات القرن العشرين لتجنيد العرب والأعراب ضد الإمبراطورية العثمانية لمصلحة الإمبراطورية البريطانية.وإذا أضفنا إلي ذلك وجود لغة خاصة للمنطقة تستعمل علي حساب اللغة العربية، وإذا تذكرنا أن اللغة هي وطن، فإن تمسك الأكراد بلغتهم علي حساب العربية، هو رفض للانتماء العربي، وهو ما أكدته السيدة حرم رئيس الجمهورية العراقية مؤخرا عندما ألقت خطابها في لندن باللغة الكردية، التي تكتب حتي الآن بالحروف العربية، والأمل ألا تسير خلف دعاة البربرية في المغرب العربي الذين يصرون علي كتابة لهجاتهم بالحروف اللاتينية، حيث لا تكفي حروف التافيناغ للدلالة علي كل معانيها، ومنهم شرائح تمارس اليوم عملية تطهير واسعة لاجتثاث كل الكلمات العربية التي تمتلئ بها اللهجة المعنية، وأحيانا باستعمال كلمات فرنسية محرفة، فالهدف الرئيسي هو الابتعاد كل الابتعاد عن اللغة العربية.وليس سرا أن هناك مخططات إسرائيلية تشجع كل تفتيت للوطن العربي، وبعضها نشر والبعض الآخر ما زال حبيس الأدراج.وأتوقف لحظات لأقول بأن قضية اللهجات أو اللغات في المغرب العربي تختلف تماما عن وضعية اللغة الكردية ، إذ أن هذه ترتبط بعرق يختلف عن العرق العربي، أما اللهجات البربرية أو الأمازيغية فإنها لا ترتبط بمثل ذلك، حيث أن الأغلبية الساحقة من سكان الشمال الإفريقي هم من الأمازيغ الذين عربهم الإسلام، والحديث بلغة ما لا يعني أكثر من أنه استعمال للغة تعلمها الإنسان في طفولته الأولي، بمعني أنها ليست دليل عروبة أو أمازيغية، فأكثر من ثلاثة أرباع الجزائريين يستعملون العربية بشكل منتظم بمن فيهم من يعرفون لهجات أمازيغية، وهناك قلة تتمسك بلهجة بربرية تزاوجها باللغة الفرنسية من منطلق الكره للعربية، والذين قننوا النحو العربي هم أمازيغ، والذين فتحوا الأندلس هم أمازيغ أيضا، مثلهم مثل رجال الثغور الذين خاضوا حرب الثلاثمائة سنة ضد إسبانيا.وكان المنطق الذي سار عليه أبناء المغرب العربي هو الالتزام بقول رسول الله عليه الصلاة والسلام من أن العربية هي اللسان.وأعود إلي صلب الحديث لأقول بأن تصرف القيادات الكردية لم يكن في مستوي العظمة التاريخية لقائد كردي عظيم مثل صلاح الدين الأيوبي، وحتي إذا لم يكن من حق أحد أن يفرض علي الأكراد ما يتناقض مع إرادتهم، وأن يتجاهل الاستجابة لرغبة الشعب الكردي في الانفصال عن بقية العراق لتكون لهم دولتهم، فــــمرفوض أن تنتهز قياداتهم ضعف الدولة العراقية وهوانها وتتعامل معها بطريقة: ما هو لنا نأخذه كاملا لنا، وما هو لكم نقسمه كاملا بيننا ، وهو ابتزاز مفضوح واضح يستند للحراب الأمريكية وللإعلام الموجه.ومن جهة أخري فإن واجب الأخلاق والرجولة والوطنية يفرض علي المرء الانسجام مع اختياره وتحمل مسؤوليته إلي النهاية، وأتصور، وكردستان تتجه نحو الاستقلال، أن علي المسؤولين الأكراد في بغداد ألاّ يضعوا قدما هنا وأخري هناك، وأن يتخلوا حالا عن مناصبهم المركزية السامية، وخصوصا رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، لأن عدد مواطنيهم في الوسط والجنوب لا يعطيهم حق التمسك بها، وإن كان لا يحرمهم من مناصب تنسجم مع نسبة وجود مواطنيــــهم الذين فضلوا عـــدم الهجرة إلي الشمال.كما أن علي الحكومة المركزية إلغاء الازدواجية اللغوية التي فقدت مبرر قيامها في بغداد، بعد أن اختار الشمال طريقه، وهكذا يصبح العراق عربيا مائة في المائة، وهو ما يجب أن تتمسك به كل المذاهب الدينية التي تدرك بأن مخطط التفتيت كارثة علي الجميع.وما يحدث الآن هو استكمال لتقسيم العراق بزعم تحقيق الديموقراطية عبر الفيديرالية، وهي مغالطة مضحكة لأن الفـــيديرالية تعني مركزية كاملة في الدفاع والأمن والدبلوماسية والمالية، ومعروف أنه ليس من حق قوات الجيش العراقي الوجود في الشمال بأي صورة كانت، وأن البشمرغة هي التي تتولي تطبيق إرادة القيادات الكردية، التي يُقال أن بعض قياداتها تتعاون مع الموساد وتحتمي بالاحتلال، وهو ما يُعطي احتمالات رهيبة للإجابات علي التساؤلات المتعلقة بعمليات الاغتيال التي يعيشها العراق ولا يعرفها الشمال، وحيث الحكومة المركزية، إدارة وجيشا، مغيبة تماما.وليس سرا أن عمليات الاغتيال تتجه أساسا لمن يناهضون الاتجاهات الفيديرالية الساذجة، التي لا تدرك أن قوة الفيديرالية لا تعني إضعاف سلطاتها المركزية، والأمثلة أكثر من واضحة سواء في الولايات المتحدة أو في باكستان أو نيجيريا وغيرها.وأعترف بأنني أحسست بخيبة أمل كبيرة وأنا أتابع موقف رئيس الجمهورية الذي حاول الالتفاف حول مهزلة العلم بالحديث عن الاتجاه نحو علم جديد، لعله علم عبد الكريم قاسم الذي رأيته مرفوعا في مناسبات كردية، إذ أنني أتصور أنه تناقضَ مع دوره كرئيس لكل البلاد وتصرف بتحيز واضح لخصمه القديم، وبدا كلاهما في صورة تكامل مزرٍ توزع فيه الأدوار بينهما علي حساب المستقبل العراقي.وواضح أن وجود الاحتلال يُسهل الدسائس والمؤامرات التي تستهدف العراق، عربه وكرده وتركمــــانه وآشورييه في وقت واحد، ولذا أتصور أن وجود قــــــوات أممـــية قوية هو المخرج من المأساة العراقية اليوم، لأنه ضمان إجراء مصالحة خارج إطار وجود أجنبي متحيز لهذا علي حساب ذاك.وإذا كان لا بد من انفصال الشمال فليكن ذلك في إطار الاحــــترام المتبادل للاختــــيارات والمصالح، لأن الإنسان لا يختار جاره الجغرافي، والنظرة المستقبلية الواعيـــة تتطلب حكمــــة أكثر في التعامل مع الأحداث، تدرك بأن ما هو سر اليوم لن يكون كذلك غدا أو بعد غد، وتعرف بأن أسلوب الابتزاز قد يعطي نتائج آنية هامة ولكنه قنبلة موقوتة لا يعرف أحد متي تنفجر، حتي من قام بإعدادها.وأعترف أنها نظرة من بعيد لا تتجاهل أن أهل مكة أدري بشعابها.وزير سابق وكاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية