مهلا أيها الامير جدك ليس بأبي بكر وابنه ليس بعمر
د. مضاوي الرشيدمهلا أيها الامير جدك ليس بأبي بكر وابنه ليس بعمر تحولت المحاضرة السنوية المسماة محاضرة الملك عبد العزيز في كلية سانت انتوني في اكسفورد الي مهرجان سعودي يسوق للمملكة امام حشد كبير من الاساتذة والطلاب المعنيين بالشأن السعودي. القي المحاضرة هذه السنة الممول نفسه او الناطق باسمه في الغرب ان صح التعبير. محاضرة الامريكي تركي الفيصل تناولت موضوع تطور الدستور في السعودية من القرن الثامن عشر الميلادي الي تشرين الاول/اكتوبر 2006 حين تم الاعلان عن هيئة البيعة السرية والتي تطرقنا لها في مقالات سابقة.شدد الامير علي مسيرة الاصلاح الدستوري وتطورها في الحقبات التاريخية المتتالية والتزام القيادة السعودية في عملها السياسي بسيرة الخلفاء الراشدين واكثر ما يثير الانتباه هو استحضار ذكري ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما). قال الامير ان نظام البيعة السعودي يعكس التراث الاسلامي وأوضح للمستمعين ان الخليفة الاول تمت توليته عن طريق الشوري بين اهل الحل والعقد والذي ادي اجماعهم الي تنصيبه خليفة للمسلمين عن طريق البيعة. اما الاسلوب الآخر والذي تمت علي اساسه تولية عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقد تم علي اساس الاستخلاف من قبل الخليفة السابق. ومن ثم انتقل الامير الي درعية القرن الثامن عشر حيث تم الاتفاق بين آل سعود وآل الشيخ علي نظام المحاصصة بمعني ان السياسة للفريق الاول والدين للفريق الثاني. واستنتج الامير ان الميثاق المعقود بين القيادتين ما هو الا استمرارية لتراث الخلفاء الراشدين والذي جمع بين الشوري والاستخلاف والاجماع ليتم ما قد تم. ما يهمنا في الامر ايحاء الامير لمستمعيه ان نظام الدرعية ما هو الا خلافة عصرية تستمد الهامها من هذا التراث السابق. ولكن ينسي الامير ان جده محمد بن سعود ليس بأبي بكر وتعيينه لابنه اميرا بعده ليس كاستخلاف اول الخلفاء لعمر بن الخطاب. لقد سقطت هذه المقارنة في نفس المحاضرة عندما استحضر الامير قصة المحاصصة السياسية ـ الدينية اذ ان هذه المحاصصة اشبه ما تكون بمحاصصة ملوك اوروبا مع الكنيسة الكاثوليكية وابعد ما تكون عن تراث الخليفة الاول والثاني. ابو بكر (رضي الله عنه) لم يستخلف ابنه وكذلك عمر وان كان الاول قد استخلف الثاني فلأنه الفاروق وليس لأنه ينحدر من سلالته ونسبه. لا نعرف خليفة ارتبط بميثاق وقع عليه حاكم وعالم فصلا فيه كيفية المحاصصة الا اذا اعتبرنا دويلة الدرعية في القرن الثامن عشر خلافة راشدة وحكامها خلفاء راشدين.بالاضافة الي استحضار سيرة السلف الصالح عرّج الامير علي الاسلام المعتدل الذي نشره الفريقان في الجزيرة العربية فحسب محاضرته كان هذا الاسلام نمطا للعدل والمساواة والتسامح. كذلك كان اسلاما ديناميكيا ولينا علي منهج الخليفة عمر (رضي الله عنه). وتوسعت الدولة السعودية كتوسع الامبراطورية الاسلامية في عصره وانتشر القضاة والولاة وجمع هؤلاء الضرائب المحدودة حسب مقارنة الامير.لقد نسي الامير تاريخا طويلا من الحروب الاهلية في جزيرة العرب والتي بدأت في منتصف القرن الثامن عشر وتزامنت مع تثبيت نظام الدرعية للمحاصصة. اما الاسلام المعتدل والذي انتشر بين العباد فهذا موضوع آخر وطويل ولكنه مرتبط بتفصيل الامير لأسباب الانهيار في القرن التاسع عشر. عزي الامير انهيار الدولة السعودية الاولي الي عدم اقامة المؤسسات التي تحفظ المجتمع والدولة ولكن عن اي مؤسسات يتحدث يا تري وهل الدرعية حينها كانت قادرة علي انتاج الفكر الذي يشرعن للمؤسسات؟ ام انها كانت مركزا لانتاج الفكر الذي ادي الي اقتتال واسع وطويل بين فئات المجتمع في الجزيرة حينها. الم تسل الدماء وتقطع اشجار النخيل وتقتحم المساجد وتنفي قبائل الجزيرة وتتشرد العوائل وتهاجم قوافل الحجاج مما دعا الباب العالي الي الرد بيد من حديد علي من أثار الفتنة وارعب حجاج بيت الله الحرام. ألم ينهر اقتصاد الجزيرة الرعوي وتنحسر تجارة قومه مما دعاهم الي الهجرة حتي الي سواحل الهند بحثا عن رزق فقدوه بسبب هذا الاسلام المعتدل الذي انطلق من الدرعية وأرهب المسلمين. وهرب هؤلاء من التسلط السعودي رغم الفتاوي التي حرمت التجارة والسفر الي بلاد الهندوس والوثنيين. يعترف الامير ان الدولة سقطت لان القبائل انفضت عنها بعد ان ذاقت الامرين من سياسة الاعتدال المزعومة. ونتساءل لماذا انفضت هذه القبائل رغم ان القيادة كانت علي مسيرة الخلفاء واسلامها مشجع الاعتدال هل لان القبيلة مشهورة بولائها المتذبذب ام لانها عانت وتشردت وجاعت؟بعد هذه السردية التاريخية المغلوطة نصل الي دولة القرن العشرين ـ دولة الخلافة الثالثة ـ حيث تتجلي ملامح تقليد السلف الصالح بشكل أوضح حسب محاضرة الامير. فبالاضافة الي القضاة نجد الولاة والخزينة والابناء وابناء العم والأخوال يبعثون في ارض الجزيرة وينتشرون بين ابنائها لينشروا العدل والسلام. ويستدعي المحاضر مفهوم بناء الأمة او حسب تعبيره Nation – building وهو مفهوم جديد يذكرني بالسرديات الامريكية قبل غزو العراق. ويصور الأمير الجزيرة وكأنها امة خالية كالربع الخالي تحتاج الي من يبني فيها مفهوم الأمة والقومية والوطن. وان كانت عملية البناء سهلة في الربع الخالي الا انها اكثر تعقيدا في الحجاز حيث للمؤسسات والحكم المركزي تاريخ طويل ولكن بالحكمة السعودية تم تجاوز هذا التاريخ واختصاره بعدد قليل من المقابلات مع وجهاء المنطقة الذين يبايعون الخلافة الجديدة. وتنقل الحاكم بين مصطلحات الامام والسلطان ومن ثم استقر الأمر علي مصطلح الملك لا لشيء الا لان ملكا آخر قد اعلن ملكيته علي العرب والمسلمين ولم يكتب له النجاح في مشروعه وبقية القصة معروفة. ومنذ ذاك الوقت توالت الاصلاحات الدستورية والفرامانات الملكية لتأسيس هيئة بعد هيئة ومجلس بعد مجلس حتي كبرت المؤسسات واستشرت البيروقراطية كأخطبوط يستهلك البطالة المحلية.سردية التطور المؤسساتي السعودية تضاهي تلك المطروحة من قبل تشارلز داروين والمعروفة بنظرية النشوء مع اختلاف بسيط هو ان داروين أقر بوجود نوع من الخلل بعض الاحيان في مسيرة التطور الا ان نظرية النشوء السعودية خالية من العقبات وأهم من ذلك المنقرضات التي تفني وتندثر. السردية السعودية تركز علي استمرارية التطور من الخلفاء الراشدين الي الخلفاء السعوديين. هذه الاستمرارية لم يعكرها يوما ما سوي اولئك القوم الذين اجهشوا بالبكاء (حسب محاضرة الأمير) عام 1928 عندما جمعهم امامهم ليعلن تنحيته عن خلافة المسلمين وعزله لنفسه وخلعه لملكه بعد ثورة الاخوان تلك المجموعة التي لا تفهم معني الحدود الدولية والمعاهدات العالمية ولا تقبل بموالاة الكفار ولكنها تهرب اليهم ساعة الحرج. هذا البكاء كان بمثابة قطرات شدت العزيمة وجيشت النفوس لتنقض علي الفرقة الخارجة عن طاعة الامام وتأتي برأسها مكبلا بالحديد ليزج بها في سجن مظلم لم تخرج منه حية. واسدل الستار واستمرت حلقات الدستور السعودي المتتالية والتراكمية في التطور ودخلت مرحلة الانتخاب.استعرض الأمير بالتفصيل المسيرة الدستورية فعرج علي مجلس الشوري المعين وكيف ازداد اعضاؤه وتطور ولكنه نسي ان يلفت انتباه المستمعين الي ان تطور المجلس هو تطور عددي وليس نوعيا. بمعني انه يكبر ويكبر ولكنه لا يتحول الي سلطة تحاسب وتناقش وتعزل وتفصل وتقرر. وان حلم احدهم بتطور نوعي فمصيره السجن تماما كما حصل للاصلاحيين الدستوريين عندما لقوا نصيبهم من العقاب نتيجة الجرأة علي المطالبة بمثل هذا التطور. ومن ثم جاء دور تقسيم البلاد وقصد الأمير اداريا طبعا لكن التقسيم قد اصبح واقعا علي الارض. فازدهرت مناطق ونمت مدن واندثرت اخري وهمشت البقية. لكن كل هذا لا يدخل في مروية التطور الدستوري لان التطور المقصود هو سلسلة من الاجراءات قد تملأ مجلدات في الادارة وفنونها لكنها لا تملأ ارشيف التطور الدستوري بمعناه الحقيقي.واخيرا جاء دور تطمين المستمعين الي ان اصلاحات عام 1990 جاءت كرمز لمسيرة التطور التدريجي الذي تتبناه القيادة والقيادة فقط ففي هذه المروية لا وجود للشعب ولا للنخب وان ذكر الشعب فهو شريحة الخارجين المارقين عن طاعة الامام او الجاهشين بالبكاء علي خلع الحاكم لذاته. يختصر الشعب في الباكي والمتمرد اما النهضة والتطور فهذا حكر علي القيادة.مروية حديثة لمستمعين في الغرب هم اعلم بمسيرة السعودية من السعوديين انفسهم خاصة وانهم يحتضنون ارشيف جون فيلبي والذي له صولات وجولات في جزيرة العرب وعلي بعد بضعة امتار من قاعة محاضرة الامير هناك رسائل قديمة ومراسلات كثيفة في اسرار الخلافة السعودية ولكنها مراسلات صادقة مع ذاتها لا تستحضر سير صفوة البشر من خلفاء المسلمين السابقين فمهلا ايها الامير. جدك ليس ابا بكر وابنه ليس بعمر ولكن ما اكثر الاستهلاك في سوق الافطار.ہ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربيةwww.madawialrasheed.org9