مهلا ايها الحبر الاعظم

حجم الخط
0

امجد ناصر

لن يحتاج قادة (القاعدة)، واتباعهم، اكثر من كلام بابا الفاتيكان حول الاسلام ليقولوا للمسلمين المقهورين من قبل انظمتهم، المذلين في عيشهم، المهانين في كرامتهم الوطنية: ألم نقل لكم انها حرب صليبية علي الاسلام؟ فهذا ما يريدونه، اصلا، لتصوير الوجود الامبريالي الامريكي في العالمين العربي والاسلامي كحرب (صليبية) علي الدين الاسلامي وليس عملا امبرياليا قد يجد ضالته في اي مكان تتطلب مصالحه ذلك. فالحروب الامبريالية الامريكية في فيتنام وكوريا وامريكا اللاتينية لم تكن ضد البوذية ولا بالتأكيد ضد المسيحية الكاثوليكية، بل من اجل المصالح السياسية والاقتصادية الامريكية المهددة في تلك المناطق.

هذا مثال بسيط علي ان حروب الامبراطوريات الاستعمارية لا يحركها الدين بل المصلحة، وما كنا نظن اننا بحاجة الي التذكير به لولا ان بيننا من يظن عكس ذلك، فلو كانت البلاد العربية بلا بترول او اهمية استراتيجية لما رأينا، علي الاغلب، جنديا امريكيا في العالم العربي، ولربما ما وجدت اسرائيل اصلا.

يفزعنا كل من يزج الدين في جدالات السياسة وتقلباتها، ويصبح الفزع اشد عندما يكون الشخص ذو حيثية مرجعية كبيرة في دينه.

فقد كنا نتوقع من ساسة مأخوذين بنشوة القوة، كالرئيس الامريكي جورج بوش واركان حكمه، ان يكونوا اقل حذرا وحصافة في اطلاق الاقوال من رجل له مرجعية البابا ومكانته الرمزية في العالم.

فلكلام الساسة وقع مختلف علي سامعيه من اقوال المراجع الدينية الكبري، لان الناس تفرق بين (صناعة السياسي) القائمة علي الكسب السريع والتدليس ولي اعناق الحقائق وبين (صناعة الديني) القائمة علي الشرط الروحي والاخلاقي، وما كان لبابا الفاتيكان الذي يعرف، حق المعرفة، حجم الصراعات المحتدمة في قلب اللحظة الراهنة ان يرمي حطبا في آتونها، اذ يكفيها الحطب الذي يرميه السياسيون والمتقنعون بالدين في جوفها المستعر كل يوم.

ـ ـ ـلن نخوض في سجال أراد البابا استعادته من العصور الوسطي التي شهدت اكبر مواجهة بين (الغرب) و(الشرق) من خلال (الحروب الصليبية)، فاستعادة جدلات التاريخ، علي هذا النحو، تفيد معني الديمومة والمواصلة، كأن التاريخ حلقات متصلة من الصراعات والحروب لم يعرف سلاما او هدنة، وهذا، بالطبع، ليس صحيحا، لان التاريخ، نفسه، يقدم لنا وجها آخر للعلاقة بين (العالمين). ما نود قوله، هنا والان، ان البابا انزلق الي واحد من أخطر السجالات التي تشهدها لحظتنا، واكثرها كسلا ألا وهو: صراع الحضارات.

فهذا سجال خطر وكسول.

خطر لانه يصنف العالم الذي لم يعد ممكنا تصنيفه بسهولة، الي (حضارات، المقصود أديان) منفصلة، لا تداخل بينها ولا تأثير للواحدة منها علي الاخري، والاهم، انها مشحونة بعناصر المواجهة وليس الحوار، الاقصاء وليس التعايش.

وكسول لانه لا يكلف نفسه عناء بحث اسباب الصراعات الكامنة تحت السطح، وليس هناك اسهل من اعادة هذه الصراعات الي جذر واحد مؤسس لها كلها: الدين.

اما السياسة والاقتصاد ونزعات التوسع والتفوق، فهي، في ضوء هذا التحليل الكسول، مجرد تجليات للجوهر الثابت.

والحال ان ليس هناك، في الفهم التاريخي، (جوهر ثابت)، حتي الدين يتعرض للازاحة والتأويل وابراز جانب دون جانب آخر، حسب المتطلب التاريخي.

فكنيسة البابا اليوم ليست نفسها كنيسة القرون الوسطي، واسلام اللحظة الراهنة (الحركي منه بالخصوص) ليس اسلام مطالع النهضة.

ليس المقصود هنا تغير النص الديني ذاته ولكن تأويله او النظرة اليه، والتشديد علي اجزاء معينة من السياق العام دون اجزاء اخري.

فلا اظن ان كنيسة اليوم تتباهي بأعمال محاكم التفتيش والابادة الجماعية لسكان امريكا اللاتينية ولا حتي بالحروب الصليبية، وبالقدر نفسه لا اظن ان مفكرين اسلاميين كبارا كمحمد عبده والافغاني ورشيد رضا وحسين عبد الرازق يقرون بـ (حتمية) الصدام التاريخي بين الاسلام والأديان الاخري، ناهيك عن ان يتقبلوا اجتهادات (فقهاء) القاعدة، بل ان بين المفكرين المسلمين اليوم من يرفض هذه التأويلات ويدعو الي حوار عميق ومتكافئ بين (الذات) و(الآخر). ـ ـ ـخطورة تصريحات البابا في هذا الوقت بالذات انها تعطي دفعا قويا للقائلين بان احتلال افغانستان والعراق، والدعم المطلق للعدوانية الاسرائيلية في فلسطين ولبنان وتكريس انظمة التبعية والفساد في العالم العربي هي حرب صليبية علي المسلمين، خصوصا، وانها تأتي في ذكري هجمات 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية وتصريحات جورج بوش عن (الفاشية الاسلامية).. والأهم ان تأتي بعد اقل من شهر علي التدمير الهمجي الذي ألحقته اسرائيل بلبنان واللبنانيين.. بدعم لا التباس فيه من معظم الدول الغربية.

واذا كان البابا يصف دينا يؤمن به مليار ونصف من البشر علي هذا النحو الذي لا يبقي ولا يذر، فماذا ترك لجورج بوش وديك تشيني وبات بوكان ولوبان؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية