د. بشير موسي نافع
عاشت الحياة السياسية التركية خلال الأسبوعين الأخيرين من نيسان (ابريل) مناخاً متأزماً. من سعي حزب العدالة والتنمية الحاكم لتنصيب وزير الخارجية الحالي عبد الله غول رئيساً للجمهورية، إلي صدور قرار المحكمة الدستورية إبطال الجلسة البرلمانية الأولي لانتخاب الرئيس، دخلت الجمهورية التركية ما يشبه الطريق المسدود. ولأن هذه تركيا، حيث لا يقتصر التدافع السياسي علي قاعات البرلمان أو دوائر الدولة، فإن مناخ الأزمة سرعان ما اجتاح البلاد: انخفاض ملحوظ في مؤشرات البورصة، تراجع الليرة التركية أمام الدولار واليورو، ومظاهرتان حاشدتان للقوي المعارضة لحزب العدالة والتنمية في أنقرة واسطنبول.
قبل يوم واحد من صدور قرار المحكمة الدستورية، هدد دينيز بايكال، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، بأن تركيا ستدخل مرحلة من الفوضي والاضطراب إن جاء قرار المحكمة لصالح العدالة والتنمية. وفي اليوم التالي لصدور القرار، لم يتردد النائب العام من فتح تحقيق حول ما إن كان تصريح بايكال قد قصد به التأثير علي مداولات القضاة الدستوريين. ما لم يفتح حوله تحقيق قضائي، كان بيان قيادة الأركان، الذي اعتبر بالفعل تهديداً للحزب الحاكم وعامل تأثير علي المحكمة الدستورية. ولكن الأزمة في النهاية، النهاية الظاهرة لها علي أية حال، حملت معها تعزيزاً لسلطة الشعب وإضعافاً لسلطة النخبة السياسية التقليدية.
ثمة قليل من الشك في أن قرار المحكمة الدستورية إلغاء جلسة البرلمان الأولي لانتخاب رئيس الجمهورية، علي أساس أن شرعية الجلسة مشروطة بوجود ثلثي أعضاء البرلمان، كان قراراً سياسياً. المحكمة الدستورية ليست هيئة قضائية عليا وحسب، بل هي هيئة تأخذ التوازنات السياسية في الاعتبار. كما أن القرار جاء بتسعة أصوات مقابل صوتين من قضاة المحكمة الاحد عشر؛ القاضيان اللذان صوتا لصالح العدالة التنمية عينهما الرئيس الأسبق، العلماني المعتدل، تورغوت أوزال، والتسعة الذين صوتوا لصالح حزب المعارضة عينهم الرئيس الحالي نجدت سيزار، المعروف بتوجهاته العلمانية الراديكالية. المدهش في الأمر أن قرار المحكمة يعني أن انتخاب رئيسين سابقين للجمهورية منذ أقر دستور 1983 افتقد للشرعية.
المسألة الرئيسية التي طغت علي الجدل الحاد الذي أثاره ترشيح غول كانت جذور وزير الخارجية الإسلامية وارتداء زوجته الحجاب. في دولة مثقلة بميراثها العلماني التدخلي، وانقسامها المرهق حول حدود الدولة وحدود الدين، اعتبرت الدوائر العلمانية (في الجسم السياسي وفي المجتمع) أن انتخاب غول يعني كسر القداسة العلمانية لقصر الرئاسة، القصر الذي أقام فيه أول رئيس للجمهورية وملهم نظامها العلماني، مصطفي كمال أتاتورك. كان غول (وقيادة حزب العدالة والتنمية ككل) قد أعلن منذ سنوات تخليه عن جذوره الإسلامية السياسية؛ وبعد خمس سنوات في الحكم لم يعد من الممكن تسويغ اتهام العدالة والتنمية بحمل برنامج إسلامي سياسي خفي. أما حجاب زوجته، فهو بلا شك مسألة مثيرة للجدل في دولة تمنع ارتداء الحجاب داخل المؤسسات التعليمية والحكومية كافة. ولكن ما حول الحجاب إلي رمز ديني كان موقف الدولة المتطرف، سواء السلبي (كما في تركيا وفرنسا) أو الإيجابي (كما في إيران). في البلدان التي تعاملت مع الحجاب كظاهرة عادية في مجتمع مسلم، كما هو الوضع في مصر وباكستان، مثلاً، لم يعد للحجاب مدلول ديني للتفريق بين دعاة الإسلام السياسي ومعارضيهم. تاريخ غول وحجاب زوجته مؤشران علي التوتر والانقسام في السياسة والاجتماع التركي، ولا يسوغان في حد ذاتهما رد الفعل الحاد وغير العقلاني علي ترشيحه. بيد أن هذا لا يعني أن الخطاب العلماني المناهض لترشيح غول يفتقد كلياً للمنطق. فحزب العدالة والتنمية يتمتع بأكثرية الثلثين في البرلمان ويقود الحكومة منذ خمس سنوات بعد حصوله علي ثلث أصوات الناخبين في انتخابات 2002 البرلمانية، وذلك نظراً لان القانون التركي لا يمنح الأحزاب حق التمثيل في البرلمان إن لم تحصل علي عشرة بالمائة من أصوات الناخبين. وهو ما يعني أن عدد مقاعد الحزب الحاكم، كما عدد مقاعد حزب المعارضة الرئيسي، هو عدد مضخم. كيف إذن، تحتج المعارضة العلمانية، يمكن لحزب العدالة والتنمية التحكم في المواقع الدستورية الثلاث الكبري، رئاسة الحكومة، رئاسة البرلمان، ورئاسة الجمهورية، وهو الذي جاء إلي الحكم بثلث أصوات الناخبين فقط؟ بهذه النسبة من الأصوات، لا يمتلك حزب من الشرعية ما يكفي للسيطرة الكاملة علي مقدرات الدولة التركية. هذا، بالطبع، احتجاج منطقي، مهما كانت الأسباب الحقيقية وراءه، ومهما قيل من أن المشكلة ليست مشكلة العدالة والتنمية، بل هي في النظام الدستوري الذي وضع أسسه علمانيو البلاد بعد انقلاب 1980. فأين هو المخرج إذن؟ بعد ساعات قليلة من صدور قرار المحكمة الدستورية، واتضاح استحالة انتخاب رئيس جديد للجمهورية في ظل الشروط التي أقرتها المحكمة، عقدت قيادة العدالة والتنمية اجتماعاً حاسماً. في اليوم التالي، 2 أيار (مايو)، ألقي رئيس الحزب، رئيس الحكومة، الطيب رجب أردوغان، خطاباً هاماً أمام البرلمان، حمل تصور العدالة والتنمية للخروج من الأزمة، داعياً إلي إجراء انتخابات مبكرة في حزيران (يونيو) أو تموز (يوليو)، إجراء تعديل دستوري يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة، لا من البرلمان كما هو الوضع الحالي، وتخفيض سن الترشيح للبرلمان إلي 25 سنة. وأبدي أردوغان استعداده لقبول تخفيض ولاية الرئيس من سبع إلي خمس سنوات، قابلة لتجديد مرة واحدة، وتخفيض ولاية الحكومة من خمس إلي أربع سنوات. فأي دوافع تقف وراء هذا التصور للخروج من الأزمة، وإلي أي اتجاه يشير؟
ربما من الصحيح الافتراض أن أردوغان فوجيء بحجم وحدة المعارضة السياسية والمنظمة لترشيح غول لمنصب الرئيس. كان تصور أردوغان أن جهد المعارضة انصب علي منعه شخصياً من الوصول إلي رئاسة الجمهورية، وأن تخليه عن الترشيح وتقديم غول كان سيمتص الكثير من المعارضة. لم يدرك أردوغان أن المعسكر العلماني، داخل جسم الدولة وخارجها، يستهدف حكم العدالة والتنمية ككل. ولم يعد بالتالي من حل للأزمة سوي تقديم موعد الانتخابات التشريعية ومحاولة الحصول علي تفويض شعبي جديد. ولكن حتي إن حقق العدالة والتنمية فوزاً ثانياً في الانتخابات، فليس من المؤكد أن يستمر في إصراره علي ترشيح غول للرئاسة، لاسيما بعد أن أعلن الأخير سحب ترشيحه. الانتخابات البرلمانية هي حل للأزمة، ولكنها ليست بالضرورة الحل القاطع. الحل الأمثل هو في التعديل الدستوري؛ فمنذ انقلاب 1960، وانتخابات رئاسة الجمهورية تشكل عبئاً ثقيلاً علي الجمهورية التركية، نظراً لأن النظام الانتخابي التركي، من ناحية، والانقسام السياسي ـ الاجتماعي، من ناحية أخري، جعلا من المستحيل حصول حزب واحد علي ثلثي مقاعد البرلمان. وفي حالات نادرة فقط نجح البرلمان في انجاز انتخابات رئاسية سلسة. نقل انتخابات رئيس الجمهورية من البرلمان إلي الاقتراع الشعبي المباشر يخرج منصب الرئاسة من المساومات الحزبية، يعزز الصلة بين الشعب ورئيسه، ويضيف إلي هيبة واحترام الرئيس. أما الاقتراح الخاص بخفض سن المرشحين للبرلمان من 30 إلي 25 عاماً، فهو مطلب وطني عام يتبناه أكثر من اتجاه سياسي، ويستهدف جذب أكبر عدد ممكن من الأجيال الجديدة للحياة السياسية والخدمة العامة، في وقت تعاني الأنظمة الديمقراطية عموماً من انصراف الشباب عن العمل السياسي. في الحالة التركية، وفي منطقة تموج بتيارات التطرف السياسي، يصبح فتح المجال للأجيال الشابة أكثر إلحاحاً.
خلال أيام قليلة من صدور قرار المحكمة الدستورية، نجح البرلمان التركي في الاتفاق علي موعد 22 تموز (يوليو) لعقد الانتخابات البرلمانية المبكرة؛ كما أقر بالفعل خفض سن الترشح لعضوية البرلمان. وبالرغم من أن حزبي العدالة والتنمية والوطن الأم متفقان علي التعديل الدستوري الخاص بالانتخاب الشعبي المباشر لرئيس الجمهورية، وأن مجموع نواب الحزبين يتجاوز حد الثلثين الضروري للتعديل الدستوري، إلا أن دينيز بايكال، رئيس حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، رفض فكرة التعديل من أصلها. وقد هدد بايكال بإطالة فترة النقاش البرلماني المتعلق بمشروع التعديل، والذهاب إلي المحكمة الدستورية من جديد في حال حصل المشروع علي الأغلبية الكافية. هدف بايكال وحزبه هو إبقاء موقع الرئاسة أسيراً للعبة البرلمانية، والمحافظة ما أمكن علي حق المعارضة في إسقاط أي مرشح للموقع، في حال لم يستطع العدالة والتنمية تحقيق أغلبية الثلثين في الانتخابات القادمة. إن نجحت حكومة العدالة والتنمية في المضي بحركة الإصلاح الدستوري إلي الأمام، فربما سيكسر قيد كبير من قيود النخبة الحاكمة علي الشعب التركي، ويأخذ ميزان القوي السياسي في الانحياز لصالح الشعب للمرة الأولي منذ تأسيس الجمهورية في 1923. في تعليق لها علي المظاهرة العلمانية الحاشدة التي شهدتها مدينة اسطنبول قبل يومين فقط من صدور قرار المحكمة الدستورية، قالت سيدة بارزة، ابنة واحدة من أكثر العائلات التركية ثراء، والتي ترأس المحفظة المالية لأحد أكبر البنوك الخاصة في البلاد، إن المظاهرة هي جزء من المشروع التحضيري الذي قاده أتاتورك، والتحضيري هنا بمعني نقل الحضارة إلي تركيا. ما يستبطنه هذا الخطاب أن هناك تصوراً واحداً للحضارة، التصور الذي تحمله القوي العلمانية الراديكالية، وأن مرشح العدالة والتنمية، الحزب الذي حافظ علي استقرار البلاد كما لم يحافظ عليها حزب حاكم من قبل، والذي ضاعفت حكومته الدخل القومي خلال أقل من أربع سنوات، وأوصلت معدلات النمو الاقتصادي إلي أكثر من سبعة بالمائة، يهدد المشروع الحضاري الأتاتوركي. ليس هذا الخطاب جديداً، بالطبع، أو علي الأصح ليس جديداً تماماً؛ فالأزمة التركية السياسية ـ الدستورية، من أي زاوية نظرت إليها، لا تعبر عن خطر داهم يكاد يطيح بالجمهورية، كما يصرخ بعض المتظاهرين، بل عن أزمة إحساس متزايد بالضعف والتراجع لطبقة سياسية ـ اجتماعية، لنخبة عسكرية وسياسية واقتصادية، حكمت طويلاً، وسيطرت طويلاً، واستفردت طويلاً، باسم المشروع الحضاري التركي الحديث. ثمة شعور أبوي لدي هذه النخبة، خفي أحياناً، وظاهر في أحيان أخري، شعور الثقة المطلقة بالصواب، بالوقوف علي الجانب الصائب لحركة التاريخ، وبالحق في الوصاية علي شعب لا يعرف مصلحته علي وجه اليقين، ولم يبلغ بعد سن الرشد ليقرر النهج الأفضل لمستقبله. ثمة أيديولوجيا نخبوية متجددة أبداً، تحتضنها أجهزة دولة مركزية متجذرة، ومقدسات تاريخية وثقافية يصعب المس بها علي أي نحو من الأنحاء. المشكلة التي تواجهها هذه الأيديولوجيا، أن الوصاية النخبوية عاشت طويلاً، وأن صبر الأتراك علي الوصاية آخذ بالنفاد. 9