مهمة صعبة.. هل تنجح تركيا في إنشاء ممر تجاري آمن لتصدير الحبوب من أوكرانيا إلى العالم؟ 

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول– “القدس العربي”: يصل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى العاصمة التركية أنقرة، الأربعاء، على رأس وفد عسكري لمناقشة قضية إنشاء ممر تجاري آمن في البحر الأسود لنقل الحبوب من أوكرانيا إلى العالم مروراً بالمضائق التركية، في مهمة دبلوماسية تقودها أنقرة وتدعمها العديد من الأطراف الدولية إلا أنها تبدو صعبة ويتخللها الكثير من المخاطر في ظل انعدام الثقة بين موسكو وكييف.

وقبل نحو أسبوع، بحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مقترح إنشاء ممر تجاري آمن في البحر الأسود في اتصالين هاتفيين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فلوديمير زلينسكي قبل أن يتم الاتفاق على زيارة وفد عسكري روسي رفيع برئاسة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى أنقرة لبحث تفاصيل العرض التركي وإمكانية البدء بخطوات عملية لتصدير الحبوب للعالم الذي يواجه خطر أزمة غذاء غير مسبوقة بسبب الحرب في أوكرانيا.

وتقترح تركيا إنشاء ممر تجاري آمن يتيح نقل الحبوب والقمح من أماكن تخزينه في مناطق القتال بأوكرانيا إلى موانئ أوكرانيا المطلة على البحر الأسود وتأمين عبور السفن من هناك مروراً بالمضائق التركية (البوسفور والدردنيل) وصولاً إلى البحر المتوسط ومنه إلى مناطق التوريد حول العالم.

ويواجه المقترح التركي العديد من المصاعب وتعترضه العديد من الحسابات الأمنية والعسكرية وحتى السياسية والقانونية وهو ما يجعله بحاجة إلى الحصول على تعهدات رسمية من روسيا وأوكرانيا وآلية مراقبة متقدمة اقترحت أنقرة أن تكون بمشاركة أممية مقرها إسطنبول المطلة على مضيق البوسفور المقرر أن تمر منه السفن للوصول إلى البحر المتوسط ومن ثم إلى مناطق الطلب حول العالم.

وفي المرحلة الأولى يتوجب على تركيا لعب دور الوساطة لتوصل الجانبين الروسي والأوكراني إلى توافق حول خطوط نقل الحبوب من أماكن التخزين في مناطق مختلفة بأوكرانيا وخاصة المناطق القريبة من القتال المتواصل شرق البلاد وصولاً إلى ميناء أوديسا الرئيسي على البحر الأسود وهو الميناء الرئيسي المتبقي تحت سيطرة أوكرانيا عقب سيطرة روسيا على معظم المدن الأوكرانية المطلة على البحر الأسود، وذلك لضمان عدم استهداف أو قصف الشاحنات أو القطارات التي ستنقل القمح والحبوب للميناء.

وفي مرحلة ثانية وتعتبر العقدة الأساسية، يتوجب التوصل إلى اتفاق وآلية مراقبة لتفاصيل وصول سفن النقل إلى ميناء أوديسا وتحميلها والخروج منه مع الأخذ بعين الاعتبار المخاوف العسكرية للجانبين الروسي والأوكراني لا سيما النقطة الأساسية المتعلقة بانتشار الألغام البحرية التي تعيق أي تحرك للسفن التجارية.

وتقول أوكرانيا إنها نشرت الألغام البحرية لحماية مدينة أوديسا من هجوم روسي بحري محتمل يستهدف المدينة والميناء وترفض إزالة الألغام من دون الحصول على ضمانات قطعية بأن روسيا لن تهاجم المدينة، في المقابل تقول روسيا إنها تخشى أن تحاول أوكرانيا إيصال أسلحة إلى أراضيها عبر السفن التجارية التي ستتحرك من وإلى ميناء أوديسا وأنها بحاجة إلى آلية مراقبة لضمان عدم وصول أسلحة لأوكرانيا عبر البحر الأسود.

وانطلاقاً من هذه المخاوف، يتوجب على تركيا الحصول على ضمانات روسية بعدم مهاجمة المدينة والميناء عسكرياً، في المقابل موافقة أوكرانيا على آلية مراقبة تضمن لروسيا عدم وصول أسلحة في السفن التجارية، وفي حال إتمام هذه المرحلة، يتوجب الاتفاق على آلية للبدء بإزالة الألغام وهي مهمة يمكن أن تتولاها فرق متخصصة تابعة للجيش التركي نجحت خلال الأشهر الماضية في إزالة العديد من الألغام التي وصلت من سواحل أوكرانيا إلى السواحل التركية.

وفي تصريح سابق، قال وزير الخارجية التركية مولود جاوش أوغلو: “من الناحية التقنية بالإمكان إزالة الألغام بين أسبوع أو أسبوعين، ولكن أوكرانيا لا تريد السفن الحربية الروسية من دخول أوديسا، وروسيا لا تريد وصول سفن شحن محملة بالأسلحة إلى الموانئ الأوكرانية.. كيف يمكن أن نضمن كل هذا؟ ينبغي وجود آلية مراقبة. علمنا أنّ الرئيسين (الروسي فلاديمير) بوتين و(الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي يرغبان بالتعاون في هذا الخصوص”.

وفي مرحلة ثالثة، يتوجب على تركيا التوصل إلى تفاهمات حول آلية وصول السفن الروسية التي تشملها العقوبات الغربية إلى خارج حوض البحر الأسود ومناطق الطلب حول العالم، حيث تخشى روسيا أن تضع دول غربية يدها على هذه السفن بحجة أنها مشمولة بالعقوبات التي فرضت على موسكو عقب بدء الهجوم العسكري على أوكرانيا.

وفي هذا الإطار، يجري الحديث عن سيناريوهات أولية أبرزها حصول تركيا على ضمانات من الدول الغربية بعدم اعتراض السفن الروسية التي ستنقل الحبوب لمساعدة العالم على تجاوز خطر نقص القمح والحبوب، أو وصول السفن إلى موانئ تركية ومن ثم نقل هذه الحبوب إلى سفن أخرى لا تشملها العقوبات وهي مهمة تبدو صعبة حيث لا تمتلك تركيا عدد كاف من هذه السفن.

وعلى الرغم من كل التفاصيل والحسابات التقنية والعسكرية الواجب توفرها للتوصل إلى اتفاق، إلا أن الإرادة السياسية للجانبين الروسي والأوكراني تعتبر العامل الأهم لإنجاح الجهود التركية، حيث يعتقد أن موسكو وكييف لا تتوفر لهما الإرادة السياسية الكافية بعد للإفراج عن مخزونات القمح والحبوب وإنقاذ العالم من خطر المجاعة لا سيما وأن روسيا استغلت هذه الورقة للضغط على الغرب كما استغلتها أوكرانيا للضغط على الغرب للحصول على مزيد من الأسلحة وهو دوافع لم تتغير أسبابها بعد.

وقبل أن ترسل روسيا قواتها إلى أوكرانيا، كانت البلاد قادرة على تصدير ما يصل إلى ستة ملايين طن من القمح والشعير والذرة شهريا، لكن الصادرات انهارت إلى 300 ألف طن فقط في مارس آذار و1.1 مليون في أبريل نيسان. ويصل نصيب روسيا وأوكرانيا معا من صادرات القمح العالمية إلى 29 بالمئة، أغلبها عبر البحر الأسود، ومن صادرات زيت دوار الشمس العالمية 80 بالمئة.

وتعتبر أوكرانيا أيضا مصدرا رئيسيا للذرة والشعير وزيت بذور اللفت، في حين أن صادرات روسيا وروسيا البيضاء، التي تدعم موسكو في الحرب وتخضع أيضا لعقوبات، تمثل أكثر من 40 بالمئة من الصادرات العالمية من البوتاس المغذي للمحاصيل.

واستولت روسيا على بعض من أكبر الموانئ البحرية في أوكرانيا وتسيطر قواتها البحرية على طرق النقل الرئيسية في البحر الأسود، حيث جعلت كثافة الألغام الشحن التجاري خطيرا. كما جعلت العقوبات من الصعب على المصدرين الروس الوصول إلى السفن لنقل السلع إلى الأسواق العالمية.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية