القاهرة – «القدس العربي»:«رمضان كريم»، هذه المرة يقولها الفقراء بمرارة، فيما ينتابهم الضيق والتذمر من الحكومة التي حالت بينهم وبين أهل الخير، الذين اعتادوا إقامة موائد الرحمن لإطعام الصائمين، وهي العادة التي لم يسبق ان إختفت على مدار عقود ماضية، حيث ظل الشهر الفضيل مناسبة ينتظرها بفارغ الصبر الفقراء وأصحاب الحاجات، غير أن قراراً بحظر إقامة الموائد سقط على رؤوس زبائن تلك الولائم كصدمة هزت مضاجهم، وعلى الرغم من أن البعض من أهل الخير قرروا المضي في نشاطهم الخيري مع اختلاف بسيط يتمثل في تحويل موائدهم الثابتة لمتنقلة من خلال توزيع الوجبات على الصائمين في أماكن تجمعاتهم إلا أن هذا الأسلوب بدا غير مثالي بالنسبة للكثيرين، بسبب ما يتطلبه الأمر من الراغبين في الحصول على الوجبات من صحة ولياقة بدنية من أجل العدو والجري للحاق بأهل الخير، الذين يوزعون الطعام وهم في عجلة من أمرهم عبر سيارات يمتلكونها، وأصبح كبار السن والمرضى هم الأتعس حظاً في الفوز بالوجبات الرمضانية، حيث يتدافع الصائمون من الفقراء الذين يقفون في الميادين والشوارع في انتظار قدوم أهل الخير والإحسان قبيل موعد الإفطار بساعة تقريباً، في ميادين السيدة نفيسة والسيدة عائشة والسيدة زينب وميدان أم المصريين ورابعة، الذي أصبح اسمه على اسم النائب العام الأسبق المستسار الشهيد هشام بركات حيث كانت تقام موائد الرحمن العامرة بأطايب الطعام، مع حلول شهر رمضان الكريم تغير الوضع وأصبحت تلك الميادين خالية من رائحة الطعام والبشر كذلك، حيث ندرت فرص العمل بالنسبة لأفراد العمالة غير المنتظمة بسبب تداعيات جائحة كورونا، التي أصابت الإقتصاد العالمي في هزات مميتة.
في شارع فيصل بالقرب من منطقة الأهرامات جلس مجموعة من الفقراء من المنتسبين للعمالة غير المنتظمة يندبون حظهم، بسبب منع الحكومة موائد الرحمن خلال الشهر الفضيل، والتي كانوا ينتظرونها كل عام من أجل الحصول على أطايب الطعام طيلة أيام الشهر قبل أن يصيبهم وآخرين ما أصابهم من خسائر جمة.
يقول عبد الجواد 60 عاماً «عامل معمار»، كنا نتتظر رمضان ونعتبر كل أيامه عيداً بسبب السخاء، الذي كان يلازم أيامه، حيث يقدم أهل الخير على اقامة المآدب. هذا العام لا توجد مائدة واحدة بسبب حظر اقامة الموائد، وينظر عبد الجواد لساقيه اللتين تحملانه بالكاد بعد حتى عند نوافر العمل، صحتي لم تعد تسعفني على حمل الرمل والإسمنت بين زملائي. يضيف متبرماً: موائد الرحمن باتت متنقلة ولا طاقة لكبار السن في أن يجروا خلف أصحاب السيارات كي يحصلون على الطعام.
رأي عبد الجواد يؤكده «راضي « عامل بناء، مؤكداً «حالنا يصعب على الكافر، لكن للأسف غياب الموائد الرمضانية سبب للجميع من أصحاب الأعمال البسيطة الكثير من المشاكل المادية، خاصة في ظل اغلاق تام للمطاعم الشعبية الرخيصة.
وفي محاولة للتغلب على تردي صحتها وتقدمها في العمر أقدمت «أم عبد الله» بائعة شاي، التي فقدت مصدر رزقها بين سائقي الباصات على الاستعانة بحفيدها كي يعينها في الحصول على وجبة رمضان تقول «حفيدي سريع في الجري وأول ما يرى أصحاب الخير «بينط» بين الرجالة وبسرعة بيقدر يجيب الوجبة وتعترف السيدة المسنة بأن الحصول على طعام خلال الموسم الحالي أصبح مهمة شاقة لا ينجح فيها إلا أصحاب الحالة الصحية الجيدة.
لطفي في العقد السابع ظل يعمل في صناعة الكراسي الخشبية حتى أصبح عمله مصدر تعاسة له بسبب الكساد وأصبحت منتجاته غير مرحب بها يعترف بأنه زبون دائم على موائد الرحمن، لكنه يعيش موسماً صعباً هذا العام «لا أجد مائدة واحدة في الجيزة وأصحاب الموائد المتنقلة بجرون بسرعة شديدة في سياراتهم، وفي الغالب يلاحقهم الشباب، بينما لا يعود الكبار بالطعام إلا نادراً»، ويعترف لطفي أنه اضطر للإستعانة بحذاء رياضي كي يستطيع العدو خلف سيارات أهل الخير، الذين يقذفون بالوجبات بسرعة شديدة ومؤخراً نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط مجموعة من الأشخاص أقاموا مائدة إفطار جماعي في منطقة بولاق الدكرور، بالقرب من جامعة القاهرة جاء ذلك على إثر انتشار مقاطع فيديو لمجموعة من الشباب أقاموا إفطارًا جماعيًا، وعلى الفور طالب اللواء طارق مرزوق، مساعد وزير الداخلية مدير أمن الجيزة، بضبطهم.
حملة اعتقالات
وكشفت التحريات أن مجموعة شباب أقاموا حفل إفطار جماعيا في أحد شوارع منطقة بولاق الدكرور، وتجمع بداخله عدد كبير من المواطنين. وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط عدد من الأشخاص المشاركين في الإفطار. وأمرت نيابة بولاق الدكرور في الجيزة، بإخلاء سبيل 11 شخصا بكفالة 500 جنيه لكل منهم، بتهمة إعداد إفطار جماعي مما يعد خرقاً لقيود العزل الصحي.
يذكر ان الحكومة عللت قرار حظر موائد الرحمن خوفا من انتشار كورونا بين الصائمين.
جدير بالذكر أن قرار حظر الموائد الرمضانية صدر عن وزارة التنمية المحلية الجهة المحول لها منح تراخيص إقامة موائد الرحمن، التي يقيمها مواطنون أو مؤسسات خيرية، كما منعت وزارة الأوقاف إقامة الموائد في محيط المساجد التابعة لها قاطعة الطريق أمام المتبرعين الذين اعتادوا طيلة الأعوام الماضية اطعام الفقراء على انجاز مهمتهم. وعقب هذا القرار صدر قرار بمنع إقامة الصلوات خلال الشهر الفضيل في المساجد، مما خلف حالة من الحزن خيمت على أوساط عمار المساجد والقلوب المتعلقة بصلاة التراويح والاعتكاف في دور العبادة.
افطر في بيتك
وبسبب اختفاء موائد الرحمن من كافة المدن والقرى انطلقت فعاليات تحت شعارات «خد فطارك وأمشي» و»خليك بالبيت فطارك هيوصلك» و»يلا نساعد أهالينا»، تجمع الغرض منها توصيل الأطعمة للمحتاجين خلال شهر رمضان مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الفيروس.
وقام المشرفون على تجهيز الوجبات بتغليفها في علب بلاستيكية، وتوزيعها على المحتاجين قبل موعد الإفطار وعلى المارة قبيل موعد الإفطار.
ومن بين المبادرات الداعمة لإطعام الفقراء خلال الشهر الكريم مبادرة أطلقتها جمعية سفراء الوطن للتنمية والبناء تحت شعار «خد اللي يكفيك وخلي الباقي لأخيك»، التي تعتمد على توفير الأفراد مواد غذائية مع وضعها على منضدة أمام البيوت أو المحال، ليأخذ المحتاج منها ما يكفيه دون مقابل.
فيما اطلق المشرفون على عدد من الجوامع مبادرة لتوصيل الطعام لبيوت المحتاجين من تلك المساجد الأرقم في حي باب الشعرية في القاهرة، حيث قام المشروفون باطلاق مشروع «الإفطار المحمول». ويعتمد على نقل موائد الرحمن إلى المنازل للأهالي من فقراء المنطقة لمعظم المساجد، التي تبنت الفكرة لكنها أخفقت في تنفيذها بسبب التشديدات الحكومية. ويثير غضب المصلين والمواطنين الحزم والشدة في تعليق كافة أنشطة المساجد وموائد الإفطار، بينما يسمح للفنانين بتصوير المسلسلات والأعمال الفنية من برامج وسائر الأنشطة.
ويقوم بنك الطعام المصري بالتعاون مع آلاف الجمعيات الخيرية من قبل البنك في جميع أنحاء المحافظات بتوصيل وجبات الإفطار إلى العائلات الأكثر فقراً المسجلة، والتي تمت دراستها والتأكد من أحقيتها في كل محافظات مصر. وبسبب ارتفاع أعداد المحتاجين قرر بنك الطعام المصري دمج حملة إفطار الصائم التي تخدم 750 ألف أسرة من المستحقين المسجلين في قاعدة البيانات (شهري وموسمي) لحملة دعم العمالة اليومية، التي تستهدف الآن إجمالي 2 مليون أسرة منذ بدايتها وحتى نهاية شهر رمضان الكريم.