مواجهة الرعب والذنب في أدب ستيغ داغرمان 1923- 1954

فرمز حسين
حجم الخط
0

سنوات الكتابة عند ستيغ داغرمان لم تتعد الخمسة أعوام، لكنها كانت غزيرة الإنتاج لدرجة أنها كانت كافية لجعله من ألمع كتاب الأربعينيات، مشكلاً من خلالها علامة فارقة في الواقعية والحداثة في الأدب السويدي. باكورة أعماله كانت مع رواية «الأفعى» 1945، ونال داغرمان عبرها جائزة الأدب من صحيفة «سفنسكاداغبلات». ويصف داغرمان بنفسه أول عمل أدبي له هكذا:
الكاتب يجري بحثاً حول كيف أن الرعب يؤثر على مجموعة من البشر في عنفهم، وكيف يتصرفون تحت ذلك الضغط، كل منهم حسب ظروفه. الفكرة التي يريد إثباتها في المقام الأول هي الاعتراف بالقلق البدائي، ذلك غير مسموح إنكاره. الحياة مع القلق هي الوسيلة الوحيدة التي تمنح المرء – في أقل تقدير- فرصة صغيرة لاختبار نفسه». الرواية في جزأين، الأول منهما يدور حول إيرين وبيل. إيرين تعاني من الشعور بالذنب، وتأنيب الضمير لأنها كانت قد دفعت بوالدتها من القطار، وربما قتلتها. بيل الذي يتجول حاملاً معه أفعى، كان بدوره حاضراً في حفلة انتقم خلالها من فتاة، عبر رميها في بئر. أما الجزء الثاني من الرواية فتدور أحداثه في أحد المخيمات العسكرية، إذ يطلق الأفعى من دون أن يعلم أحد شيئاً عن مكانها، وبذلك يهجر النوم عيون الجنود نتيجة الذعر والقلق، لكنهم جميعهم يحاولون إخفاء رعبهم.
بعدها بعام تصدر له رواية «جزيرة المحكومين» 1946. قصة رعب يمر بها سبعة أشخاص يصلون إلى جزيرة غير مأهولة، بعد أن تتحطم سفينتهم، وهناك يضطرون لمواجهة بعضهم بعضا بذنوبهم وخوفهم وقلقهم. مثلها مثل رواية «الأفعى» ثمة مواجهة مع عالم الذعر والذنب، بعيداً عن الهرب من كل هذه التحديات، فالحرية في معرفة مكنونات النفس، والاعتراف الذي لابد منه، بغض النظر عن الخسائر الروحية والشخصية. ثم أصدر بعدها المجموعة القصصية «ألعاب الليل» 1947 التي تظهر السجل الأدبي المتنوع والغني لداغرمان، عبر سرد قضايا حياتية واقعية ويومية، من خلال قصص رمزية عميقة، وبتأثر جليّ من فرانز كافكا وألبير كامو وبير لاغركفيست عبر تصويره لعالم سوداوي قاس يفتقر إلى التعاطف والمواساة بين البشر. في العام نفسه أصدر داغرمان كتاب: «خريف ألماني» 1947 يحتوي على مجموعة من التقارير الصحافية التي كتبها لصحيفة «أكسبريسن»، خلال سفره عبر الأراضي الألمانية التي طحنتها الحرب العالمية الثانية. داغرمان كان يسلط الضوء على معاناة الشعب الألماني من ويلات الحرب ومآسيه من خلال تفاعل وتعاطف كانا مفتقدين في تلك الأيام.

رواية «طفل محترق» 1948 وتشكل الرواية أيضاً دراسة بحثية في عمقها حول الذنب. الشاب بينكت شديد الحزن على فقدانه لوالدته، ومعها يتحول الحزن بعدها إلى كراهية على والده.

رواية «طفل محترق» 1948 وتشكل الرواية أيضاً دراسة بحثية في عمقها حول الذنب. الشاب بينكت شديد الحزن على فقدانه لوالدته، ومعها يتحول الحزن بعدها إلى كراهية على والده الذي يجد لنفسه خليلة جديدة، ولا يبقى وفياً لذكرى والدته، لكنه نفسه يبدأ في ما بعد علاقة جنسية مع امرأة أبيه متناقضاً مع نفسه في مطالبة الأب بوفاء ونقاء هو نفسه لم يستطع الالتزام بهما. داغرمان كتب أيضاً قصائد شعرية وأعمالا مسرحية منها مسرحية «المحكوم بالإعدام» 1947.
آخر رواية لداغرمان «متاعب عرس» 1949 تجري أحداث الرواية كلها في يوم واحد، وفي مزرعة صغيرة، في الريف، هو يوم الزفاف، حيث تصبح هيلدور ابنة أحد المزارعين عروساً للجزار فيستلوند الذي يكبرها بأعوام كثيرة، وهكذا تبدأ الأحداث الدرامية للرواية: شخص غريب يطرق نافذة العروس وتأتيها رسالة من مجهول، وفي الوقت نفسه يصل متسكع مريض غير مدعو إلى هناك، ثم تطفو الأسرار على السطح. الرواية تركز على سرد كل الأحداث والتفاصيل التي تجري في ليلة العرس. جدير بالذكر أن أعمال داغرمان، ترجمت إلى عشرات اللغات، ومعظمها تحولت أيضاً إلى أفلام سينمائية.
ثلاثة قصائد شهيرة لستيغ داغرمان:
خريف
ما أسرع أن يصفرّ الاسفندان
الذي يضيء سيرنا في الحديقة
أن تموت هي سفرة صغيرة
من الغصن إلى الأرض الثابتة
كم رفيع شريط الشفق اللامع
الذي يعلن بوضوح قدوم النهار
صوت الترام يأتي في الضباب
والهواء يغدو ثقيلاً على الاستنشاق
ما أسرع أن يصبح لون الخدين أبيض
قبلها بشفاه من ماء
أنظر إلى طيور النورس ترسم بالحُوار
قصيدة في سماء الليل الحالك
كم تبقى أشجار الحور عالية
عارية بأخاديد سوداء
أن تموت هو ببساطة مثل تساقط
وريقة شجر في خضم نهر.
الأرض لا تستطيع إعادة خلقه
هدئ من روحك الهائج
فقط شيء وحيد تستطيع فعله
الخير لإنسان آخر
إنه حقاً كثير
أن تبتسم النجوم بنفسها
أن ينقص إنسان من بين الجياع
يعني زيادة أخ آخر
الهرب اختارنا
الطير يختار الهرب. نحن لم نختر ذلك
الهرب اختارنا. لذلك نحن هنا
أنتم من لم يختاروا بعد ومازلتم أحراراً
أعينونا على الهروب الثقيل الذي نحمل!
القيد اختار القدم. نحن اخترنا السير
الليل كان رحيماً .نحن الآن هنا
أنتم كثيرون جداً ربما يقول الحر الآمن
هل يمكن أن نصبح كثيرين جداً يعرفون معنى الحرية؟
لا أحد يختار الحاجة. نحن لم نختر ذلك.
الحاجة اختارتنا في طريقها. نحن الآن هنا.
أنتم من لم يختاروا بعد! نحن نعرف وزن الحرية.
أعينونا على حمل الحرية التي نحمل!
شعر: ستيغ داغرمان

٭ كاتب ومترجم سوري
نشر بموافقة من مالكي حقوق مؤلفات ستيغ داغرمان ، ستوكهولم، السويد.
(published with the approval from the Stig Dagerman Estate).

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية