مواجهة الهجوم الامريكي الصهيوني في سياق مشروع نهضوي عربي
د. عصام نعمانمواجهة الهجوم الامريكي الصهيوني في سياق مشروع نهضوي عربي يطرح حال الأمة علي جميع مستويات وميادين الحياة العربية سؤالا خالدا: ما العمل؟ .أجل، ما العمل بعد نكبة العراق والعرب بالاحتلال الأمريكي، واستمرار نكبة فلسطين بالتوسع الصهيوني، والحرب العدوانية الإسرائيلية علي لبنان ومقاومته الصامدة، وشلل النظام العربي، وانتقال المشروع الإمبراطوري الأمريكي إلي مرحلة هجوم شامل علي ما يسمّيه الإسلام الراديكالي من الشواطيء الشرقية للبحر المتوسط إلي شواطيء الخليج العربية والإيرانية.في هذه الدراسة محاولة للإسهام في المناقشة العامة للإجابة عن السؤال الخالد في هذه المرحلة العصيبة بطرح الكثير من الأسئلة الهادفة والقليل من الأفكار المحرّكة وبعض المناهج والآليات ذات الصلة.توطئـــــةحـال العرب في مطالع القرن الحادي والعشرين، لا سيما بعد احتلال العراق: تخلف وهزيمة وحبوط.التخلف شامل: سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وتكنولوجي.الهزيمة شاملة: في الداخل أمام عوامل الفقر والمرض والأمية والركود والتفرقــة، وفي الخارج أمام القوي المعادية والمنافسة في شتي الميادين.الحبوط شامل يلف الجميع: حاكمين ومحكومين، موالين ومعـارضين، مقيميـــن ومهاجرين.حصيلة حال التخلف والهزيمة والحبوط: انكسار الإرادة العربية أمام التحديات الماثلة. من هنا تستبين الحـاجة، كخطوة أساس، الي إعادة بناء الإرادة القومية وتفعيلهــــا.(*) في الأصـل أوراق عمـل وتدخلات قُدمـت خـلال دورات المؤتمر القومي العربي و المؤتمر العربي العام ، عقب الحرب علي العراق واحتلاله العام 2003، ثم جري تطويرها وتوسيعها في ضوء التطورات والأحداث اللاحقة، وبالتالي تقديمها كدراسة الي ندوة مستقبل الوطن العربي في القرن الحـادي والعشرين التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، من 10الي 12/2/2007. وننشر هذه الدراسة في الوقت نفسه مع مجلة المستقبل العربي .فالنهوض، أولاً وآخراً، يتوقف علي توليد إرادة التغيّر والترقي والمواجهة. وهي مسألة تبدأ بمعالجة مسائل ثلاث: تشخيص حال الأمة، توصيف التحديات التي تواجهها والتطلعات التي تراودها، واجتراح المناهج والآليات والأساليب اللازمة لتحقيق الأهـداف والطموحات من خلال استراتيجية متكاملة.تشخيص حال الأمة جري ويجري من خلال تقارير حال الأمة التي دأب المؤتمر القومي العربي علي وضعها في اجتماعاته الدورية، ولا يلزمها إلاّ عملية تيويم Updating في ضوء الأحداث والتطورات المستجدة.توصيــف التحديـات الماثلة في توصيف التحديات التي تواجه الأمة، ترتسم أمامنا تحديات خمسة ينطوي كلّ منها علي جملة قضايا وإشكاليات تتطلب التساؤل والإحاطة والمناقشة واستخلاص الدروس والنتائج، نوردها بحسب ترتيب خطورتها والإنشغال بها، علي النحو الآتي:اولا: مشروع الهيمنة الامبراطوري الأمريكي عجلّت أحداث 11 ايلول/ سبتمبر 2001 في تظهير مشروع الهيمنة الإمبراطوري الامريكي الذي يقوم علي ركائز خمس: (أ) عدم السماح لأية دولة بالتفوق علي الولايات المتحدة أو حتي بالتساوي معها. (ب) اللجوء الي الضربة او الحرب الاستباقية لإجهاض قدرات العدو أو لمنعه من تشكيل تهديد عسكري أو استراتيجي. (جـ) السيطرة الثقافية لضمان عالم آمن لمصالح أمريكا. فهي إذا لم تقم بصياغة العالم علي صورتها وشاكلتها، فسيقوم العالم بصياغتها علي صورته وشاكلتـه (وليم كريستول، رئيس تحرير أسبوعية ويكلي ستاندرد النافـذة، في حديث لصحيفـــــة هآرتس الإسرائيلية بتاريـخ 4/4/2003). (د) السيطرة علي أسلحة الدمار الشامل لتحقيق تفـوق كاسح علي الدول الكبري المنافسة وحرمان الدول المارقة من حيازتها مخافة تسريبها إلي منظمات إرهابية. (هـ) السيطرة علي النفط كمصدر للطاقة والمال، وللتحكم باقتصادات الصين واليابان وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي.من شأن المشروع الإمبراطوري الأمريكي تمكين الولايات المتحدة من السيطرة علي منابع النفط في العالمين العربي والإسلامي، وإعادة تشكيل المنطقة العربية سياسياً وثقافياً علي نحو يؤدي الي تفتيت كيانات اتفاقية سايكس ـ بيكو لدويلات هزيلة تقوم علي أسس مذهبية وقبلية واثنية، فتشكل بذاتها حدودا آمنة لإسرائيل الكبري. كما من شأن المشروع تصفية قضية فلسطين وفق شروط إسرائيل بإقامة كيان فلسطيني هزيل بلا سيادة ومجرّد من السلاح، وحرمان اللاجئيـن حق العودة.بموازاة هذا الوضع الجيوسياسي الطاريء تلوح في الأفق نُذُر خطرين استراتيجيين. الأول هو إخراج الثروة النفطية من أيدي منتجيها العرب ووقوعها في قبضة الشركات الدولية من خلال عملية الخصخصة أو التخصيص التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة ويؤيدها حتي بعض النظـم الثورية الحاكمة (ليبيا مثلا). الثاني هو انحسار سيطرة بعض النظم الحاكمة علي مناطـق من إقليمها (شمال العراق، غرب السودان، جنوب لبنان) الأمر الذي يفسح في المجال لقوي غير عربية وقوي معادية للتحكم بها وبالتالي تسهيل عملية السيطرة علي الموارد المائية والنفطية المـوجودة فيها أو تمكين القوي الطامعة من مشاركة العرب فيها او حتي اقتطاع حصص من مخزونها. وهل تغيب عن أذهاننا تحذيرات أطلقها خبراء استراتيجيون عرب وأجانب من أن حروب المستقبل في المنطقة ستكون غالبا حروبـا علي المياه؟ وهــل ننسي نبوءة برنارد لويس بـأن الحروب القادمة في الشرق الأوسط ستكون في دول المنطقة لا بينها ؟إن نظرة متأنية إلي المشهد الشرق أوسطي تشي بهذه الحقيقة المرّة. ذلك ان الحرب بين العراق وإيران كانت آخر حرب في المنطقة جرت بين دولتين تنتميان إليها. فمنذ ان وضعت تلك الحرب أوزارها في العام 1988 ودول المنطقة تعاني حروبا داخلية متفاوتة الإتساع والشمول. الحرب في لبنان كانت اندلعت العام 1976 بين فريق من اللبنانيين وبعض أطراف منظمة التحرير الفلسطينية. لكنها تحوّلت العام 1989 حرباً بين اللبنانيين أنفسهم بل بين فريقين متصارعين علي السلطة داخل المجتمع المسيحي.أمريكا لا تنتمي إلي المنطقة، لكن حربها علي العراق العام 1991، عقب اجتياح الكويت، تحوّلت حرباً داخل العراق نفسه بين النظام والمتمردين عليه في جنوب البلاد وشمالها. حرب أمريكا علي العراق واحتلاله العام 2003 أديا لاحقاً إلي إشعال حرب داخلية طائفية قاسية ما زالت نيرانها مستعرة، وهي تشكل تهديداً جدياً لوحدة بلاد الرافدين وهويتها العربية. الإنتفاضة الفلسطينية الأولي العام 2000 ضد إسرائيل، المتداخلة مع الانتفاضة الثانية التي ما زالت نابضة، كادت تتحول حربا أهلية بين منظمتي فتح و حماس . حرب إسرائيل علي المقاومة في لبنان صيف العام 2006 توقفت باندحار الجيش الإسرائيلي، لكنها ما لبثت ان أخذت شكل صراع أهلي بين القوي السياسية المؤيدة للمقاومة والقوي المعادية لها، المتحالفة مع الولايات المتحدة. منذ تسعينات القرن الماضي تدور حروب أهلية اقل ضراوة في الصومال وجنوب السودان وغربه (دارفور) واليمن (حركة الحوثي) فضلاً عن الجزائر والصحراء المغربية.في كل هذه الحروب الداخليـة إتضح ان لأمريكا وإسرائيل يدا ودوراً. فقد نبههما برنارد لويس وغيره من المستشرقين والخبراء المتخصصين الي خاصيّة التعددية الاثنية والدينية والمذهبية التي تنطوي عليها بلدان المنطقــة وتنغـرز عميقا في نسيجها الاجتماعـي، فكـان ان اقتنـع المحافظون الجدد ، الذين سيطروا علي مواقع حساسة في إدارة بوش، بجدوي استغلالها علي نحوٍ يؤدي الي الفرقـة والتفكيك والتقسيم. أوَليس جورج دبليو بوش أول من دعا الي اعتمـاد الفوضي الخلاّقة في حربه العالمية علي الإرهاب ؟ أوَليست هـذه الفوضي مقدمة وواسطة لجر البلد المستهدف إلي حرب أهلية؟ ان الهيمنة علي دول المنطقة هي الغاية القصوي لإدارة بوش. لكنها حيث تخفق في الهيمنة تلجأ إلي اعتماد بديلها وهي الفوضي الخلاّقة . وفي إطار هذه الفوضي، تقوم باستثارة الفروق والحساسيات والعصبيات الأثنية والدينية والمذهبية وتأجيجها لإشعال حروب أهلية. الي ذلك، ثمة ظاهرة خطيرة تهدد اليوم المنطقة كلها. ففي خطاب حال الإتحاد مطلعَ العام 2006 حدّد بوش عدوه. إنــه الإسلام الراديكالي حينا أو الإسلام الفاشي حيناً آخر، وقد جعله مرادفاً للإرهاب. منذ قرابة السنة، أصبحت أمريكا منخرطة في حرب مع الإسلام علي مستويات وجبهات عدّة. وهي حرب تتطور وتتصاعد وقد تنتهي، إذا ما طاولت إيران، إلي حرب مدمرة، خصوصاً في حال استعمال أسلحة دمار شامل. حتي لو أمكن للأطراف المعنيين تفادي الوصول إلي هذه النهاية الكارثية، فإن حدّة الصراع والرهانات الخطيرة التي تكتنفه تهدد المنطقة بشرور ومصائر مقلقة. فالرئيس الأمريكي عاد، أواخر شهر كانون الثاني/ يناير 2007، إلي تضمين خطاب حال الاتحاد تهديدات وإشارات تدل علي انه ماضٍ في حربه علي الإسلام والمسلمين وانه في صدد تصعيدها لتشمل إيران. في هذا الإطار نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية وأجهزة مكافحة الإرهاب قولهم إن بوش أجاز للجنود الأمريكيين، خلال الربع الأخير من العام الماضي، قتل أو أسر حراس الثورة الإيرانيين وعناصر الإستخبارات المتواجدين في العراق، و ان قرار إستخدام القوة القاتلة ضد الإيرانيين بدأ يأخذ شكله الواقعي في الصيف الماضي خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله . من تدقيق هذه المعلومات يمكن إستخلاص الحقائق الآتية:* إن زعم إدارة بوش وحكومة إسرائيل زوراً أن كثيرين من قيادات المقاومة وكوادرها في العراق ولبنان هم من ضباط الحرس الثوري الإيراني يقصد به تأكيد إتهام إيران بالمشاركة في أعمال المقاومة وتبرير إستهداف تلك القيادات والكوادر.* إن إجازة قتل أو اسر حراس الثورة الإيرانيين ، أي قيادات المقاومة وكوادرها في العراق وفلسطين ولبنان، قد صدرت خلال حرب إسرائيل علي المقاومة في لبنان صيف العام 2006، وان التنفيذ تولته إسرائيل باستهدافها قائد حزب الله السيد حسن نصر الله وغيره من قيادات الحزب الأمر الذي أدي إلي تدمير الكثير من المباني في ضاحية بيروت الجنوبية في سياق عملية الإستقصاء والإستهداف.* إن مخطط قتل أو أسر قيادات المقاومة وكوادرها في العراق وفلسطين ولبنان قد جري اعتماده وتنفيذه من طرف إسرائيل منذ سنوات وقبل أن تعتمده إدارة بوش أخيراً. في هذا السياق جري تسميم ياسر عرفات، وقبله اغتيال أبو علي مصطفي، قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الضفة الغربية، ومن ثم اغتيال الشيخ احمد ياسين والرنتيسي وغيرهما من قيادات حماس وسائر منظمات المقاومة الفلسطينية.* سبق إجازة استهداف قيادات المقاومة وكوادرها في فلسطين والعراق ولبنان قرارٌ بإشعال الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة في جميع أرجاء العالم الإسلامي، ولا سيما في المنطقة العربية. كما جري ربط حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين بحكومة إيران بغية إظهار الجمهورية الإسلامية بمظهر من لها مخططات توسعية في المنطقة من جهة وسياسة ترمي إلي دعم القوي المناهضة للأنظمة القائمة من جهة أخري. وقد دان المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر محمد مهدي عاكف نعت الشيعة بالكافرين، محذراً من ان أمريكا تستخدم الفتنة بين السنّة والشيعة في التحضير لعدوان ضد إيران.* بات واضحاً ان الترجمة السياسية لإجازة قتل أو أسر قيادات المقاومة وكوادرها بدعوي انها قوي إرهابية هي في العمل علي إبعاد حركة حماس عن حكومة السلطة الوطنية في فلسطين والحؤول دون عودة حزب الله إلي الحكومة في لبنان. هذا ما يفسر تعثّر المحادثات بين فتح و حماس لإقامة حكومة وحدة وطنية في فلسطين، كما يفسر رفض بعض قوي الفريق الحاكم إقامة حكومة وحدة وطنية في لبنان.بـإزاء هذا الهجوم الأمريكي الصهيوني الشامـل، ماذا يستطيع العرب، نُظُما حاكمة وقوي شعبية، ان يفعلوا؟ هل تسمح حال اللاتكافؤ مع أمريكا وإسرائيل، لا سيما علي الصعيدين التكنولوجي والعسكري، للنظم الحاكمة بالتخلي عن سياسة الأمن المستعار والاستعاضة عنها بمنظومة قومية للامن الجماعي او الأمن الاقليمي؟ هل يمكن التصدي أصلا للولايات المتحدة واسرائيل في آن، وكيف يكون ذلك؟ هل يمكن مقايضة النفط بالماء في بلاد الشام وأقطار الخليج، والماء بالتكنولوجيا في وادي النيل؟ كيف يمكن تفادي إخـراج الثروة النفطية والثـــروة المائيـة (المتاحة حاليا) من أيدي العرب؟ اذا تعذر إبقاء ملكية النفط العربي في أيدي القطاع العام العربي، هل تمكن خصخصته او تخصيصه لمصلحة القطاع الخاص العربي؟ اذا تعذرت خصخصته في إطار عربي، هل تمكن خصخصته في اطار هيئة عربية دولية تكون نواة لكيان اقتصادي عربي تعاهدي اعلي من السلطات القطرية القائمة؟ثانيا: تداعي النظام العربي أصيب النظام العربي بجراح بالغة في النكبة الأولي العام 1948، وتكسر بعض أعضائه في هزيمة العام 1967، وتكاد نكبة العراق تشلّه في الوقت الحاضر، وتهدده حرب أمريكا المحتملة علي إيران وحرب إسرائيل المحتملة علي سورية ومفاعيلهما الكارثية بالإنهيار الكامل. وقد اتسم النظام العربي، علي كل حال، بعدم فعالية نافرة منذ قيامه بصيغة نظام اقليمي جسدته جامعة الدول العربية. عدم الفعالية والفشل يمكن ردهما الي أسباب خمسة: (أ) قصور في الوعي والثقافة السياسيين وغياب الإرادة السياسية عند أهل القرار. (ب) واقع التجزئة وكوابح الدولة القطرية بعد شرعنتها وترسيخها وتحصـين خصوصيتها المرتبطة بأشخاص حاكميها ومصالحهم. (جـ) دور الغرب الاطلسي (الأوروبي ـ الامريكي) في المحافظة علي مواقعه الاستراتيجية ومصالحه النفطية في المنطقة. (د) دور إسرائيل الاحتلالي والاستنزافي. (هـ) تغييب الديمقراطية وإضعاف مؤسساتها. غير أن البعد الأكثر خطورة في واقع النظام العربي هو موقفـه علي الصعيد غير الرسمي، لا سيما عشية الحرب الأمريكية علي العراق وفي ابانها، اذ تكشفت حركة الشارع العربي المحدودة الفعالية عن غياب أو ضعف الأطر السياسية المنظمة للجماهير علي العكس من حالة البلدان الأوروبية (احمد يوسف احمد في مجلة المستقبل العربي ، عدد ايار/ مايو 2003). الأمر نفسه تكرر ايضا في ابان حرب إسرائيل العدوانية علي لبنان صيف 2006.ومن المفارقات الأكثر مدعاة للاستغراب والقلق في آن قيام الولايات المتحدة بعد أحداث 11 ايلول/ سبتمبر 2001 بانتهاج سياسة عدائية ضد بعض النظم العربية الحليفة لها، لا سيما السعودية ومصر، لدرجة بدت معها أمريكا، ظاهريا ونظريا، متآلفة مع المعارضة العربية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، في حين بدت النظم العربية، في معظمها، ضمنيا وفعليا، ضد المعارضة الإصلاحية وراضخة لطلبات أمريكا بتغيير أنظمتها التعليمية، وتليين سياستها التسلطية، ورهن مواردها النفطية، والامتناع عن فضح المخططات الرامية الي تفكيك وحدتها السياسية.في ضوء هذه الوقائع والتداعيات تلح أسئلة عدة: ماذا يفعل العرب، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين، بنظامهم الإقليمي المترنّح؟ هل يرممونه ويصلحونه ام ان ذلك بات متعذراً؟ هل يتركونه يموت ببطء ام يبادرون الي مقاومة ذلك بإحيائه وتطويره لئلا يقوم علي انقاضه نظام إقليمي بديل يضم، الي الدول العربية كلها او بعضها، تركيا وإيران وباكستان وحتي إسرائيل؟ وفي هذه الأثناء، كيف يمكن ان تتصرف القوي الشعبية والديمقراطية المعارضة إزاء النظم التي تناصبها العداء رغم تعرّض الأخيرة الي ضغوط أمريكية تطالبها بالإصلاح والديمقراطية؟ كيف يمكن ممارسة أقصي درجات التأثير علي النظم الحاكمة العربية من اجل الصمود في وجه الضغوط الأمريكية من جهة، ومن جهة أخري من اجل رفع مستوي أدائها وفعاليتها محلياً وقوميا، أي علي صعيد مؤسسات العمل العربي المشترك؟ كيف يمكن تطوير جامعة الدول العربية وتفعيلها؟ كيف يمكن تفعيل النظام العربي غير الرسمي ـ الاحزاب والمنظمات النقابية والمهنية ـ وإيجاد أرضيات مشتركة للتعاون مع النظم السياسية في مواجهة الضغوط الامريكية والاسرائيلية؟ثالثا: العولمة تعني العولمة حركة اندماج أسواق العالم التجارية والاستثمارية، وسرعة انتقال الأموال واليد العاملة والثقافات والتكنولوجيا بفضل ثورة المعلوماتية والاتصالات الأمر الذي يزيد من فعالية قوي السوق العالمية علي مستوي العالم بأكمله، كما يعزز دور الشركات الرأسمالية الدولية متعددة القوميات علي حساب سيادة الدولة. علماً ان للغرب، لا سيما الولايات المتحدة، ودوله الكبري وشركاته الكونية دوراً كبيراً، من خلال العولمة، في السعي لإعادة تنميط العالم وفق معاييرها الحضارية ومفاهيمها السياسية ومراميها الاقتصادية وقيمها العقيدية وتجاهلها موروثات الشعوب الحضارية وهوياتها القومية وتجاربها الإنسانية وحقها في المغايرة الثقافية .ولا شك في أن الولايات المتحدة أضحت في مركز أفضل وأخطر لتوظيف العولمة لخدمة أغراضها ومصالحها بعد احتلالها العراق والإعلان عن سعيها الي إعادة تشكيل المنطقة العربية سياسيا وثقافيا. ذلك أن رفض العولمة بات عندها سببا ودافعاً لشن الحرب علي الدولة التي ترفضها، حسب المحلل العسكري الأمريكي توماس ب. م. بارنيت (مجلـة اسكواير ، عدد ربيع 2003).بازاء إنكشاف المنطقة العربية أمام العولمة بما هي الأمركة تستبين الحاجة الي المشروع النهضوي الحضاري العربي من حيث كونه ليس استنساخا لتجارب الغرب وقيمه المفروضة علي البشرية، كما انه ليس تحديثاً مصطنعاً لتراثنا العربي الإسلامي بل من حيث هو في الأساس عمل إبداعي يستلهم أفضل ما في تجربتي الغرب والإسلام الحضاريتين وغيرهما من قيم إيجابية وإنجازات إنسانية. في هذا المجال، تلح أسئلة عدة: كيف السبيل الي ردم الفجوة بين البلدان العربية والدول الصناعية الكبري المتزايدة الاتساع والمترافقة مع تراجع دور الأمم المتحدة ومكانتها لمصلحة الولايات المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية؟ كيف السبيل الي مواجهة انتصار ايديولوجيا اقتصاد السوق واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء علي مستوي العالم بأكمله؟ كيف السبيل الي إقامة كيان اقتصادي قومي أعلي من الدولة القطرية كشرط لازم لمباشرة تنمية مستقلة تكاملية تستطيع مواجهة الصدمات الخارجية والتحرر من قيود الدول الصناعية الكبري؟ كيف السبيل الي توسيع وتعزيز اتفاقات منطقة التجارة الحرة العربية وتطويرها باتجاه إقامة سوق عربية مشتركة وذلك إستباقا واحتساباً لمشروع منطقة التجارة الحرة العربية الأمريكية الذي دعا اليه الرئيس جورج بوش؟رابعا: التخلّف التخلّف هو الحرمان من الحقوق والقدرات والفرص. العرب، وفق هذا التعريف، أمة متخلّفة. فالحـرمان يطاول شعوبها وأفرادها في جميع المجالات. في مجال حقوق الإنسان، ثمة حرمان بمقادير متفاوتة من الحرية وكرامة العيش والصحة والأمن والمعرفة والعمل والرزق والبيئة النظيفة. وفـي مجال القدرات، ثمة حرمان كلي أو جزئي من الموارد الطبيعية، والفواعل الإنتاجية، والإمكانات المعرفية، والوسائل التواصلية. وفي مجال الفرص، ثمة حرمان أو قصور في السياسات والبرامج الهادفة إلي تخليق الفرص وتوفيرها في مجالات العمل والتشغيل والتثمير والإنتاج والإبداع التقاني والحضاري.يتجلي تخلف العرب اكثر ما يكون علي الصعيد الاقتصادي. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لكل البلدان العربية في العام 1999، حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002، ما مقداره 531،2 مليار (بليون دولار امريكي، أي ما يشكّل أقل من دخل دولة أوروبية واحدة كأسبانيا، المقدر ناتجها المحلي الإجمالي بنحـو 5، 595 مليار) دولار أمريكي في العام ذاته.كما يتجلي تخلّف العرب علي الصعيد المعرفي والعلمي في حصيلة البحوث المنشورة للعلماء والباحثين. فقد نشر علماؤنا في العام 1995 ما مجموعه 6665 بحثا مقابل 10206 بحوث نشرها العلماء الإسرائيليون في العام ذاته، مع التذكيـر بأن تعداد العرب 300 مليون والإسرائيليين ستة ملايين.ذلك كله دفع مفكر عربي بارز، فهمي هويدي، الي رصد ظاهرة مقلقة هــي تآكل العرب ماديا ومعنويا (جريدة الخليج بتاريخ 2/6/2003).الي ذلك التخلف بل التآكل في جميع الميادين، يعيش العرب في مطالع الألفية الثالثة في تركيبات ووحـدات اجتماعية تعود بأُصولها إلي الألفية الأولي. فما زالت المتحدات الأولية كالعيلة ذات السلطة الأبوية المستبدة والعشيرة والقبيلة والطائفة ذات الولاءات السلالية والدموية والعصبية الضيقة تلعب دورا محسوسا في مجتمعاتنا علي امتداد القارة العربية، بالإضافة الي حرمان المرأة حقوقها وحرياتها علي نحوٍ يؤدي الي تهميش نصف الأمة وتعطيل قدراتها وفعالياتها.يرافق هذه الحال الاجتماعية البائسة حضور فاعل لفسيفساء من المذاهب الدينية المتنافرة والعصبيات المتناحرة والاثنيات الخائفة والمتربصة وأشكال متضاربة من الثقافات الوافدة، ونظم سياسية متعددة ومتباينة: من الدولة السلطانية السلطوية الي الدولة الديمقراطية الشكلية مروراً بالدولة البيروقراطية العسكرية.في وضع مترع بالتجزئة والشرذمة والفساد، ما هي فرص العرب وحظوظهم بازاء دول ومجتمعات متقدمة في ميادين الحقوق والقدرات والفرص التي تتمتع بها شعوبها ومواطنوها؟ هل يقتضي أن يقلّد العرب الغرب ليصل الي ما وصل اليه من تقدم؟ إذا كان للتقدم نهج رئيس هو نهج الغرب، هل يقتضي أن يسلك العرب جميع مراحله ومسافاته أو يمكن اختصار وتكثيف متطلباتها وشروطها؟ هل ثمة طريق مغايرة للتنمية والتقدم؟ هل في الإسلام من المُثُل والقيم والمسالك وإمكانات التجديد والتخليق، وهل في الوطن العربي من القدرات والموارد والامكانات ما يمكّن العرب في عصر العولمة وريادة الفضاء وغزو الكواكب من بناء نموذج حضاري مغاير وقادر علي البقاء والتطور والمنافسة؟ هل من سبيل للتنمية والتقدم من دون كيان سياسي واقتصادي أعلي من الكيانات القطرية؟خامسا: الانحطاطالعرب في حال انحطاط وعجز. من أين نؤرخ للانحطاط؟ من الفتح العثماني ام مع بدء الاستعمار الغربي لبلادنا في المغرب والمشرق؟ في مستوي خطورة الانحطاط فهمُنا القاصر له. فالانحطاط، في مفهومنا القاصر، نابع من خارجنا، ساعٍ الي داخلنا. إنه مفروض علينا من الخارج ولا نستطيع حياله شيئاً في الداخل. ليس المطلوب، وفقا لهذا المفهوم، إصلاح الذات والارتقاء بها لمواجهة العدو، بل المطلوب تكييف الذات لتقديم مزيد من التنازلات من أجل استرضاء العدو. هكذا سلكنا نهج التراجع امام أعدائنا بلا هوادة. انه تراجع شبه منظم يغذي بامتياز صناعة الانحطاط. ومـا هو الانحطاط؟ أليس هو الادمان علي التراجع؟ بازاء هذا الواقع المرير، تلح أسئلة عدة: كيف السبيل الي الادراك بأن الانحطاط ثاوٍ فينا ضارب في أعماقنا، وانه إذا بقي بلا معالجة يتجذّر ويتحول قابلية مفتوحة علي مزيد من الأمراض والتحديـات الوافدة؟ كيف السبيل الي الادراك بأن ما من احد أساء إلينا أكثر مما أسأنا نحن الي أنفسنا، وان مرد ذلك، بالدرجة الأولي، الي مفهومنا القاصر للسلطة وطريقة ممارستها؟ كيف السبيل الي الإدراك بأن الخروج من الانحطاط يبدأ بالتغير وليس بالتغيير، التغيّر بما هو فعل ذاتي، إرادي بينما التغيير فعل خارجي قسري؟ كيف السبيل الي الإدراك بأن وظيفة الثقافة هي النقد، وان النقد هو طريق التصحيح والتصويب والارتقاء؟ كيف السبيل الي الكف عن اعتبار الكلام مرادفا للفعل؟ كيف السبيل الي تعظيم العمل بإعطائه قيمة والي جعل الإنجاز معيارا للانتقال بالعمل من فعل صوتي الي فعل مادي؟ هل يكفي النقد أم ان المطلوب هو النقض، النقض المضموني الذي يتناول جوهر الأشياء وقانون حركتها وتجلياتها؟ كيف السبيل الي الإدراك بـأن الحرية هي المبتدأ والخبر، القيمة والوسيلة، الحاجة والغاية في آن؟التطلعـــاتفي ضوء هذا التوصيف للتحديات الخمسة التي تواجهنا، يقتضي اعتبار النهوض والتجديد الحضاري مسألة تتعلق غالبا بالمناهج والآليـات والوسائل وليس بالضرورة بالمثل العليا والقيم الحضارية والمباديء السياسية. ذلك ان هذه الأخيرة كانت دائما متوافرة في الأديان والعقائد والمواريث الثقافية ولم تطرأ عليها تحولات جذرية، بينما تركزت التحولات التاريخية وتمظهـرت فـي المناهج والآليات والوسائل والمقاربات. فالإسهام المميز للإيديولوجية الماركسية إنما تمثّل باعتماد الصراع الطبقي اداةً للتغير والتغيير. والإسهام اللافت للعقيدة الفاشية انما تمثل باعتماد النقاء العنصري والعنف معيارين للبناء والتوسع. والإسهام الوازن للرأسمالية في التقدم الاقتصادي والتنمية انما تمثّل بالثورة الإدارية Managerial Revolution كما تمثل لاحقا بالعولمة، والإسهام المؤثر لحركة غاندي إنما تمثّل باللاعنف والتحدي المحبّ. غير ان الحركة القومية العربية كما الحركات الإسلامية أخفقت في تحقيق تطوير فاعل علي صعيد المناهج والآليات والوسائل اذْ ظلّت كلها في هذا الميدان مقلّدة وتقليدية وخطابيـة. فهل ثمة دروس يمكن استخلاصها من غضبة الشعوب وحركتها علي امتداد العالم ضد الحرب الأمريكية علي العراق؟ يلاحظ الصحافي الأمريكي باتريك تيلر أن ثمة قطبين في هذا الكوكب: الولايات المتحدة والرأي العام العالمي . ما هو الرأي العام العالمي؟ أليس هو الجماهير الريفية والمدينية، والعمال والعاطلون عن العمل، وناس بلا مساكن، ومسنون، وطلاب، ومهاجرون، وأشخاص من كل العقائد والميول والألوان، يناضلون ضد النيوليبرالية والحرب وضد تركز الثراء وانتشار الفقر وانعدام المساواة وتدمير البيئـة؟ هكذا خرجت الشعوب من قمقمها، وباشرت أدوارها، وأدركت قوتها من خلال انعكاس تحركاتها في مرايا وسائط الإعلام والاتصالات.لعل فرصة العرب عموما وقوي الشعب الحية في صفوفهم خصوصا للإسهام في التجدد الحضاري والسياسي انما تكمن في تطوير مناهج العمل الشعبي وآلياته علي مستوي الأمة كلها من خلال توعية الجماهير وتعبئتها، ثقافيا وسياسيا، لتصبح جسماً سياسياً واحداً مستنفراً تحركه استراتيجيا الممانعة والمقاطعة والمقاومة. وحدها استراتيجيا كهذه يمكنها تحييد وربما تعطيل قوي الجبروت المادي والعسكري.في هذا المجال، تُطرح أسئلة ذات دلالة: هل استطاعت بريطانيا ان تفعل شيئاً إزاء نجاح غاندي في تعبئة شعب الهند كله في مواجهة تدابيرها السياسية والاقتصادية القمعية؟ هل استطاعت إسرائيل ان تفعل شيئاً إزاء تصميم الشعب المصري علي رفض التطبيع منذ توقيع اتفاقات كامب دايفيد ؟ هل استطاعت إسرائيل ان تعطّل تصميم الشعب الفلسطيني علي ممارسة الانتفاضة والمقاومة؟ ماذا في وسع الولايات المتحدة ان تفعل إذا ما نجحت القوي الوطنية والديمقراطية والشعبية العربية في تعبئة الناس في كل الميادين والأوساط والحقول ومن خلال استراتيجيا الممانعة والمقاطعة والمقاومة؟هل فوق طاقة الناس، مثلا، رفض التطبيع بكل أشكاله؟ هل في وسع الحكومات ان تفعل شيئا اذا رفض الناس التعاطي مع مختلف مظاهر الاحتلال الإسرائيلي أو الأمريكي وأجهزته؟ هل تستطيع الحكومات شيئا اذا قاطع الناس علي نحوٍ كاسح المنتوجات الأمريكية علي امتداد القارة العربية؟ أليس ثمة بدائل لتلك المنتوجات تفي بالغرض؟ أليس في وسع الناس ممارسة العصيان المدني في مواجهة سلطة استعمارية جائرة او أخري محلية مستسلمة لسلطة مستعمرة؟ هل يعقل ان تبقي الولايات المتحدة غير مكترثة اذا ما واجهت ممانعة ومقاطعة ومقاومة 300 مليون عربي؟ لعل الميزة الأساسية لاستراتيجيا الممانعة والمقاطعة والمقاومة انها تطلب من الناس مجهودات ومهمات قادرين علي القيام بها الأمر الذي يسمح بردم الفجوة المادية والعسكرية والتكنولوجية بين الطرف الأضعف والطرف الأقوي.في هذا السياق يمكن اقتراح المناهج والآليات الآتية:مناهج تحقيقالمشروع النهضوي العربي وآلياته1 ـ مباشرة مراجعة نقدية شاملة وعميقة لتجارب قوي الشعب الحية والنظم السياسية المتعاقبة بعد النكبات الثلاث في العام 1948 والعام 1967 والعام 2003 بغية استخلاص الدروس والعِبرَ وتصويب الرؤية والممارسة في ضوء معطيات تاريخية ثلاثة:(أ) اصطدام النضال من اجل التحرر والوحدة والتنمية بوجود اجنبي شبه دائم علي امتداد المنطقة، دافعه التحكم بمضائقها الاستراتيجية، وبمنابع النفط، وبالسوق القارية الواسعة.(ب) التكامل العضوي بين الولايات المتحدة واسرائيل.(جـ) ضمور التعددية القطبية وصعود الوحدانية القطبية الأمريكية الأمر الذي حرم العرب من حليف دولي ذي شأن.2 ـ مباشرة حركة تجديد حضاري لمفاهيم الإسلام والقومية العربية من خلال جعل الإيمان مشروطا ومقروناً بالعمـل، والممارسة بالقيم، والثقافة بالنقد، والتحديث بالديمقراطية، وحقوق الإنسان بمساواة المرأة بالرجل، والنهضة بالمنهج العلمي والعقلانية.3 ـ للنهوض بموجبات استراتيجيا الممانعة والمقاطعة والمقاومـة، يقتضـي توحيــــد المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي من خلال صيغة تكاملية تكفل قيام كتلة تاريخية علي امتداد الوطن العربي من جماهير وكوادر التيارات والقوي الحية (انظر: خير الدين حسيب، حول الحاجة الي كتلة تاريخية ، مجلة المستقبل العربي ، عدد شباط/ فبراير 2007). ذلك ان تثوير حال الأمة والارتقاء بها لم يعد مجديا بالمناهج والوسائل السابقة للمشروع الإمبراطوري الأمريكي بل بالعمل لإقامة كتلة تاريخية تتكون من التيارات الأربعة الرئيسة والفاعلة في الأمة: القومي العربي الديمقراطي، والإسلامي الشوروي العروبي، واليساري الديمقراطي العروبي، والليبرالي الوطني العروبي. ولعل الصيغة المنشودة للكتلة التاريخية تتجسد فـي المؤتمر العربي العام الذي يمكن أن يضم، الي المؤتمرين المشار اليهما آنفاً، ممثلين للأحزاب العربية القومية والإسلامية واليسارية والديمقراطية، مع وجوب الحرص علي تدشين مرحلة جديدة في الحياة السياسية العربية قوامها ضمان الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة داخل الأحزاب ذاتها كضمان لتفعيلها وتأثيرها في مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة.كما يقتضي تطوير عمل المؤتمر العربي العام ليصبح قيادة شعبية الي جانب كونــه مرجعية شعبية و برلمانا شعبيا ، فيتمّ في إطاره تفعيل مشاركة المثقفين والممارسين العرب في العمل الشعبي المدني والميداني.4 ـ المساعدة في تشكيل وحدات للمقاومة الشعبية وحرب الغوار في البلدان العربية المهددة بعدوان امريكي ـ صهيوني وإيجاد طرائق لتواصلها وتعاونها مع المقاومة المدنية والميدانية في فلسطين والعراق ولبنان، وتوصية قوي المقاومة في جميع أنحاء المنطقة، ولا سيما في الأقطار الثلاثة المذكورة، بتوسيع دائرة الإشتباك مع أمريكا وإسرائيل بقصد إنهاكهما وإحباط هجومهما الشامل علي قوي المقاومة والتحرر والديمقراطية في المنطقة واغتنام التحولات الناجمة عن تعثر مشروع الهيمنة الإمبراطوري الأمريكي لطرد نفوذ الولايات المتحدة من المنطقة.5 ـ التعاون مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان من اجل إنشاء هيئة عالمية ذات وقفية خاصة لتمويلها وإدامتها باسم المؤتمـر المدني العالمي لحقوق الإنسان والشعوب ، يكون بمثابة برلمان عالمي دائم أو بورتو ألغري حقوقي إنساني في إطار المنتدي الاجتماعي العالمي .المهمات المرحلية العاجلةإلي المناهج والآليات المشار اليها آنفا، يقتضي وضع برنامج مرحلي للمهمات العاجلة كل سنة او سنتين، علي ان يصار الي إعلانه وإبلاغه من القوي السياسية الناهضة بالمشروع الحضاري النهضوي العربي والعاملة من اجل تحقيق أهدافه. ولعل البرنامج المرحلي الأول يتضمن المهمات الآتية:1 ـ إعتبار مواجهة إسرائيل ومن ورائها أمريكا في فلسطين ولبنان، ومواجهة أمريكا وحليفاتها في العراق، اولويتين مطلقتين في هذه المرحلة، يتم في نطاق مقتضياتهما السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية اتخاذُ القرارات اللازمة وتنفيذها في جميع المجالات.2 ـ مصارحة إيران بأن صدق مواجهتها للهجمة الأمريكية الصهيونية عليها وعلي الإسلام والمسلمين مرهون بمدي استعدادها لقطع التعاون مع حكومة نوري المالكي وجميع القوي العراقية المتعاونة مع الاحتلال الأمريكي في العراق، وانتقالها تاليا، بكل الصدقية والجدية اللازمتين، للتنسيق والتعاون مع القوي الوطنية والقومية المنبثقة من شتي شرائح الشعب العراقي وقواه الحية، والإقرار بعروبته وانتمائه القومي. كما يقتضي ان تتعهد الدول العربية لإيران، ولا سيما مصر والسعودية وسورية، بأن وفاء إيران بالشروط السياسية والأمنية والاستراتيجية المبينة آنفا يُلزم هذه الدول بوقوفها معها علنا، سياسيا وإعلاميـا ولوجستيا (وحتي عسكريا ممن يمكنه ذلك) ضد الهجمة الأمريكية الصهيونية التي تستهدفها في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور. 3 ـ إحياء معاهدة الدفاع المشترك ومباشرة تنفيذ أحكامها وموجباتها بإنشاء كيان اقتصادي – دفاعي يضم، في مرحلته الأولي، دول الطـوق (مصر وسورية والأردن ولبنان) والسعودية بقصد الاستغناء عن الأمن الأجنبي المستعار والامتلاك التدريجي لمقومات الأمن القومي الجماعي وأدواته وسط الاستقطاب الإقليمي المتعاظم بين إيران من جهة وإسرائيل المدعومة من أمريكا ودول الحلف الأطلسي من جهة اخري.4 ـ مباشرة حملة توعية وإعلامية شاملة من طرف القوي الوطنية والإسلامية والديمقراطية علي مستوي العالم العربي والإسلامي لكشف المخططات الأمريكية الرامية إلي إشعال فتنة بين السنّة والشيعة في سياق استراتيجـيا إدارة بوش الرامية إلي تفكيك النظام الإقليمي العربي، وتفتيت الأنظمة القطرية إلي كيانات صغري علي أسس اثنية أو قبلية أو طائفية أو مذهبية.5 ـ إعتبار الوحدة الوطنية داخل الأقطار العربية والإسلامية القاعدة الأساس لمواجهة مخططات التفكيك والتفتيت والتقسيم الامريكية. 6 ـ إعتماد نهج إقامة حكومة وحدة وطنية بين القوي القومية والإسلامية والديمقراطية والليبرالية حيث يمكن، أو حكومة وطنية ائتلافية بين القوي السياسية غير الخاضعــة للإملاءات الأمريكية حيث يتعذّر إقامة حكومة وحدة وطنية.7 ـ دعوة الحكومات العربية والإسلامية إلي التنبّه لمخاطر المخططات الأمريكية، لا سيما ما يتعلق منها بشن الحرب علي إيران، كونها تؤدي، عاجلاً أو آجلاً، إلي إلحاق أضرار وخسائر بالغة بالدول المجاورة وبالإقتصاد العالمي، الأمر الذي يتطلب النأي عنها وإدانتها.8 ـ إبقاء العمل الشعبي المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل والضاغط علي الحكومات العربية والإسلامية حياً وحاراً وفاعلاً طالما ان الصراع قائم في فلسطين والعراق والمنطقة عموما.9 ـ تفعيل المقاطعة العربية والإسلامية للمنتوجات الأمريكية ولمنتوجات كل دولة تحالف الولايات المتحدة او تُظاهِرُها في مواجهة القضايا والحقوق والمصالح العربية.10 ـ الضغط علي الحكومات العربية لعدم الاعتراف بأية حكومة يفرضها المحتلون الأمريكيون للتحكم بالعراق سياسيا واقتصاديا وثقافيا، والدعوة إلي انسحاب فوري للقوات الأمريكية والي إحلال الأمم المتحدة محلها لتمكين الشعب العراقي من اختيار حكومة وطنية من خلال انتخابات حرة.11 ـ إطلاق حملة من أجل إجلاء القوات الأجنبية عن الأراضي العربية وتصفية قواعدها العسكرية.12 ـ دعوة المودعين العرب في الوطن والعالم الي سحب أرصدتهم وودائعهم المالية من المصارف الأمريكية، وحثّهم علي التعامل بعملة غير الدولار.ہ كاتب من لبنان8