مواجهة لبنان لقانون قيصر وصفة انتحار جماعي والجوع ينتظر

رلى موفّق
حجم الخط
0

لبنان مسرح مواجهة مفتوحة بين واشنطن وذراع إيران

بيروت-“القدس العربي”:يروي أحد اللصيقين بـ”حزب الله” أن الحزب أبلغ الفرنسيين بأنه إذا تمّت محاصرته كلياً من قبل الأمريكيين في لبنان، فإنه سيقلب الطاولة. قطع الشريان الحيوي بين لبنان وسوريا هو أحد أدوات الإطباق الأمريكي عليه الذي سيدخل في 17 حزيران/يونيو الجاري مرحلة متقدمة مع بدء تنفيذ “قانون قيصر”. باتت الساحة اللبنانية مسرح مواجهة مباشرة ومُعلنة ومفتوحة بين واشنطن وذراع إيران العسكرية الأقوى في المنطقة.

سوريا خط الإمداد العسكري لـ”الحزب” ولبنان رئتها الاقتصادية في ظل العقوبات المفروضة عليها. هذه المعادلة ما عادت ثابتة اليوم، واهتزازها لن يُصيب خط الإمداد، فالمعابر “الاستراتيجية” التي يعرفها الأمريكيون والإسرائيليون جيداً ستبقى مفتوحة، وسيستمر “حزب الله” حتى إشعار آخر-بتمرير السلاح تحت نظر ما تلتقطه الأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع المتعددة الاتجاهات، ووفق قواعد الاشتباك بينه وبين إسرائيل. الأمر يتعلق بالشريان الاقتصادي الذي يُشكّله لبنان لنظام بشار الأسد. فرغم كل التحذيرات الأمريكية للقطاع المصرفي اللبناني والعقوبات التي فرضتها واشنطن على كيانات وأفراد من “حزب الله” ونظام الأسد الذين يشكّلون المنفذ لسوريا، بقيت بيروت تُشكّل منصّة التعامل بالعملات الأجنبية وفتح الاعتمادات لشراء المواد الأساسية، ولا سيما القمح بديلاً عن دمشق.

ومع تزايد سيطرة “حزب الله” على مفاصل الدولة اللبنانية، كان الحصار المالي والاقتصادي على البلاد يزداد هو الآخر، إلى أن أضحى الدولار عملة نادرة في “سويسرا الشرق” التي شكّل نظامها الاقتصادي الحر ومصارفها ومؤسساتها التعليمية والطبية وانفتاحها علامة فارقة في محيطها العربي.

ما أن شحّ الدولار الأمريكي في سوق بيروت حتى تراجعت قيمة العملة اللبنانية ومعها قيمة العملة السورية، وكرَّت سُبحة انهيار العملتين. كان الرهان دائماً لدى السياسيين أنه ليس من مصلحة العرب والغرب التخلي عن لبنان وتركه للانهيار الاقتصادي-المالي، نظراً للتداعيات التي قد تترتّب أمنياً من الفوضى مع وجود ما يزيد على مليون نازح سوري على الأراضي اللبنانية، والحاجة إلى توفير المناخات الإيجابية لضمان أمن القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان المنتشرة على الحدود مع إسرائيل، والرغبة في إبقاء الساحة اللبنانية بعيدة عن حرائق المنطقة. لكن هذا الرهان ما عاد يستقيم. فلن تكون هناك من مظلة عربية ودولية على لبنان قبل الخروج من عباءة إيران إلى موقع “النأي بالنفس” وسيطرة الدولة على مقدراتها، وضبط المرافئ البرية والجوية والبحرية، ووقف مزاريب الفساد والقيام بإصلاحات مالية وإدارية وقضائية. وسُلّم المفتاح إلى صندوق النقد الدولي، حيث لا سبيل إلى الالتفاف والتذاكي والابتزاز.

بعد مطرقة الصندوق، جاء سندان “قانون قيصر”. أيام قليلة ويدخل حيّز التنفيذ. بعد السابع عشر من حزيران/يونيو لن يكون كما قبله بالنسبة للبنان وسوريا. سيُقطع حبل السرّة بين لبنان الرسمي بكل رئاساته ومؤسساته الدستورية، التي يُديرها “حزب الله” من الخلف، وبين النظام السوري. وإذا أراد الأمين العام لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله أن يُلحقه بسوريا، فهو يعلم أن مصيره سيكون شبيهاً لمصير سوريا، وما عاد هناك أصلاً من مقوّمات كثيرة لدى لبنان لمد النظام السوري.

في الأيام الماضية، شهد الوسط التجاري ارتدادات “قانون قيصر”. تحوّل إلى صندوق بريد. جرى إحراق قلب بيروت علّ قلب واشنطن يلين. سبق ذلك انقلاب على النظام المالي نفذته حكومة حسان دياب عكسته التعيينات في مصرف لبنان، التي هيمن عليها اللون السياسي لـ”محور إيران” وجرى استبعاد “رجل واشنطن” محمد بعاصيري منها، في رسالة تحدٍ مباشرة للأمريكيين. وبعده، تمت محاصرة حاكم المصرف رياض سلامة والتهويل عليه بسلاح الإقالة لإجباره على ضخ الدولار في السوق، بعد تلاعب مدروس بسعر الصرف رفع الدولار الواحد إعلامياً وافتراضياً إلى 7 آلاف ليرة، وفعلياً إلى ما يزيد عن 5 آلاف، ليتبعها نزول فوضوي إلى الشارع وتخريب وتكسير وإحراق لمصارف ومحلات تجارية في بيروت وطرابلس. في الأولى كانت بصمات جمهور “الثنائي الشيعي” والشيوعيين من حلفاء “الحزب” واضحة وجليّة. وتُرِك الفعل في طرابلس لـ”سرايا المقاومة” وهي مجموعات سنيّة تنخرط تحت لواء “الحزب” في إطار السرايا.

كان سلامة كشف في مؤتمر صحافي عقده قبل أسابيع بعد هجمة عليه، أنه جرى خلال السنوات الخمس استيراد ما قيمته سنوياً 4 مليارات دولار بما يزيد على حاجة لبنان، قاصداً أنه جرى تمويل النظام السوري بـ20 مليار دولار من المواد السيادية، ولا سيما القمح والمشتقات النفطية، وهذا جاء على حساب احتياطي البنك المركزي.

ما عاد سراً أن الدولار الذي يُضخ في السوق يتمّ سحبه من قبل شبكة صيارفة، لا يمكن إلا أن تكون مغطاة سياسياً، إلى سوريا. وجفاف الدولار مع غياب التحويلات الخارجية، وتوقف البنك المركزي عن الضخ، يتطلب من “حزب الله” – عبر حكومته – وضع سلامة أمام خيارين: إما الاستقالة – الإقالة وإما الانصياع لطلب مدّ السوق بالعملة الصعبة. فكان أن تقرَّر أن تبدأ عملية الضخ للجم تدهور الليرة. قيل إن المبلغ سيصل إلى 300 مليون دولار، وسط اقتناع بأنه سيصبّ في نهاية المطاف في خزانة الأسد، على حساب استنزاف ما تبقى من احتياط مصرف لبنان الذي خُصّص لتمويل فاتورة استيراد المواد السيادية من قمح ومحروقات ودواء دون سواها على أساس سعر صرف الدولار الرسمي الذي ما زال يقف عند عتبة الـ1500 ليرة.

عملية الضخ، إن حصلتْ، لن تكون قادرة على الاستمرار على أبواب نفاد الاحتياط النقدي اللبناني. نصر الله لا يتوانى عن تحويل لبنان إلى “غزة ثانية” وهو فعل عملياً ذلك. فالحكومة سترضخ عند كل استحقاق. فما أن وزَّعت وزيرة الدفاع زينة عكر على الوزراء في جلسة حكومية نسخة عن “قانون قيصر” للسير بين أسطره تفادياً لعقوبات قد تطال وزارات تتعامل مع نظيراتها السورية، حتى انهالت عليها الحملات. ذهبت رئاسة الحكومة إلى التبرير بأن مجلس الوزراء لم يدرس القانون بل شكَّل لجنة من اختصاصيين لتحديد مفاعيله على لبنان. ولكنها مهما درست، فإنها أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما الامتثال لبنود القانون أو تحمّل تبعات خرقه.

باتت المناورة ضيّقة، والخيارات محدودة. فبموجب “القانون” الذي أقرَّه الكونغرس الأمريكي لحماية المدنيين في سوريا، سيُطلب من الرئيس الأمريكي فرض عقوبات جديدة على الدول التي تدعمها، أو أي شخص أو جهة تتعامل مع الحكومة السورية أو يوفر لها التمويل، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات والأمن السورية، أو المصرف المركزي السوري أو مَن يشارك في مشاريع البناء والهندسة التي تسيطر عليها الحكومة السورية. وهذا يضع لبنان بأكمله تحت سيف قيصر إنْ أراد مواجهة واشنطن أو خرق القانون أو الالتفاف عليه. وما عاد ينفع أصبع نصر الله الذي يرفعه في وجه اللبنانيين بعدما طوّع خصومه وشلَّ قدراتهم، وقرروا الاكتفاء بالجلوس على ضفة النهر بانتظار ما ستُسفر عنه الحرب الأمريكية-الإيرانية الدائرة على الأرض اللبنانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية