‘موارد’ وتهافت ‘المستشارين’، والخبراء!

حجم الخط
0

د. وليد أحمد السيد

أتابع، منذ أشهر، ملف ‘موارد’ الذي أحيل لهيئة مكافحة الفساد. مرور عدة شهور، ضمن العاصفة ‘الإقليمية’ المحيطة، وبعد قرار فتح ملفات الفساد، ودون معلومات تتسرب للصحافة عن نتائج التحقيق، يعد وقتا طويلا نسبيا يثير عدة تساؤلات، من نوع التساؤلات التي دارت في نفسي أثناء عملي على أربعة مشاريع تطوير حضري في الأردن، في نهاية العام 2005، كمعماري ومخطط حضري، بتكليف مباشر من مدير عام مؤسسة موارد السابق، المهندس أكرم أبو حمدان، كي أعمل كمستشار، لمشغل التطوير الحضري بعمّان، ومكتب بريطاني بحكم إقامتي بلندن. ما دفعني للكتابة، في هذا الوقت تحديدا، هو مقال قرأته في صحيفة ‘الدستور’ بتاريخ 05 -09 11 عنوانه ‘ملف الجنوب على مائدة الملك’، يعرض فيه كاتب المقال اجتماعه وثمانية صحافيين بالملك والملكة على مائدة الإفطار في رمضان وتقديم اقتراحات حول تطوير الجنوب الأردني، حيث يشير الصحافي أنه وأقتبس من مقاله: ‘اقترح أن يتم توزيع أراضي الدولة على الناس،… ، بمنح كل مواطن دونما من الأرض، وجعله يدفع مبلغا رمزيا لا يتجاوز الخمسمائة دينار، مقابل فتح الشوارع وإيصال الكهرباء، كفيل بإعمار هذه المناطق، ودب الحيوية في كل قطاعات البلد، جراء البناء’. كتبت في ذات اليوم للسيد الكاتب، رسالة عبر البريد الإلكتروني، بينت فيها رأيي بأن المسألة ليست مسألة ‘اقتراحات’ بل هي مشكلة فساد وبيروقراطية. وهو الرد المخفف اللطيف لمثل شعبي دارج يقول:’أعط خبزك للخباز ولو أكل نصفه’. وطبعا نحن ضد ‘أكل نصف الخبز’، من الأساس، حتى من أعتى عتاولة الخبراء، أو المستشارين، فالمستشار مؤتمن، ربما في غير هذا الزمن، حيث بات الأمر يوسّد إلى غير أهله. ومسألة ‘أكل نصف الخبز، أو ثلاثة أرباعه’ باتت مهمة منوطة، بالجنرال مسؤول هيئة مكافحة الفساد، لمعرفة أين ذهبت تسعة أعشار ‘الخبز’ في بلد يكاد يعاني فيه الفقير من ‘أزمة خبز’، ويشيع فيه الثراء الفاحش بعد وقت قياسي من ‘استلام’، أو بالاحرى، ‘التهافت على’ مناصب سيادية، أساسها المسؤولية، والعمل لخدمة الصالح العام، تكليفا لا تشريفا. وربما لو لم يكن تحويل ملفات الفساد ‘انتقائيا’، أو به ما يشوبه من ‘الشخصنة’، لكان أحرى أن يعود التحقيق بشبهات السرقات ونهب المال العام لعقود مضت في مؤسسات مهمة، اولها أمانة عمان، والشخصيات ‘العصامية’، التي انضمت بين ليلة وضحاها لنادي المليونيرات الأردني، محلي الصنع.

في إطار تسليم الخبز للخباز، دون أكل نصفه، انتابني العجب من ثلة ‘المستشارين’ الصحافيين الذين يقدمون استشاراتهم التخطيطية في شؤون العمران والتخطيط بين يدي الملك والملكة! وبالذات بعد أكثر من ستة أعوام من عمل كاتب هذه السطور على مشروع تطوير مدينة تابعة، في الجنوب الأردني، وتحديدا في محافظة معان مقابل جامعة الحسين بن طلال!! وصول هذه الثلة من الصحافيين، لمجلس الملك، ‘كمستشارين’ في أمور لا طاقة، ولا خبرة لهم بها، تضع المرء في حيرة فيما يتعلق بصناعة القرار. فحين يصبح الصحافي ‘خبيرا’ في شؤون إدارة العمران، والتفكير في حل مشكلات ‘سياسية’ لها تداخلات اجتماعية وشؤون التخطيط العمراني، يعلم المرء أن صناعة القرار تفتقر ‘لخزّانات تفكير’ استراتيجي أقلها التنمية والتخطيط العمراني. وحين يتهافت ‘المختص’، وسواه، للوصول لحضرة صاحب السلطة، في ذات الوقت الذي يقدم فيه خبراء استقالاتهم من مواقع عملهم، وحين يعلّق الجرس مسؤولون كمدير مستشفى الجامعة الأردنية، حول تراكم ديون تصل أكثر من 20 مليون دينار لشركات الدواء، وحين يتهافت ‘المتهافتون’ على احتلال مناصب، وحظوة، في بلد تغيب عنه ‘المؤسسات’، تعلم عندئذ أن وجهة السير باتت عكسية!

في كانون الاول/ديسمبر عام 2005، تلقيت في مكتبي بمسقط بسلطنة عمان، مكالمة هاتفية من صوت مألوف على الطرف الآخر، بعد أن حوّل السكرتير المكالمة لي تبين أن صاحب الصوت هو أكرم أبو حمدان الذي راح يسألني عن تاريخ عودتي للندن، مخبرا إياي عن رغبته في أن أكون مستشارا لعمارة وتخطيط ثلاثة مدن أردنية جديدة في، إربد، ومعان، والمفرق، والوسط التاريخي لمدينة عمّان. وقد سبق هذه المكالمة، مقال لي عام 2004، في صحيفة الجزيرة السعودية، والحياة اللندنية، وصفت فيه حال مدينة عمان وما تؤول إليه عمرانيا وتخطيطيا، والترقب للفوضى القائمة التي لا تبدو ضمن مخطط شمولي مدروس. ونظرا لطبيعة المشاريع التي عرضها أبو حمدان، فقد أثار العمل عليها شهيتي كمعماري ومصمم حضري، فوافقت.

اكتمل العمل على تصميم تلك المرحلة للمشاريع مع ايلول/سبتمبر عام 2006، ولم تكتمل إجابات ظلت تعتمل في نفسي، حول أهلية ‘الخبراء’ البريطانيين للعمل على مشروعات شرقأوسطية، ما دفعني للكتابة النقدية، ونشرت مقالا في الحياة اللندنية في آب/أغسطس 2007 بعنوان ‘العرب والعمارة وعقدة الغرب’، تساءلت فيه عن أهلية مكتب صغير، أو مكيتب، بزقاق من أزقة لندن، لتخطيط مشاريع بحجم مدن، لولا خبرة كاتب هذه السطور التي تزيد على 25 عاما! تساءلت عن الكيفية التي أديرت بها المشاريع، وهل نفذت؟ وكيف أكلف كمستشار، ولا أقابل مسؤولا أردنيا واحدا أثناء أجتماعات، فرضت نفسي بها فرضا، بين لندن وعمّان، على المكتب البريطاني، الذي لا يعدو أكثر من سكرتيرة ومدير وبضعة رسامين، بعد محاولات، مجهولة، من عمان أو لندن، لإبقاء في الظل، وإبعاد عن حضور الإجتماعات بعمان، بحجة أن هناك شخصيات من العيار الثقيل، وزراء، لأكتشف بعد حضور الإجتماع الثاني، لمناقشة مشروع معان، أن الحاضرين هم موظفو مشغل التطوير الحضري وبعض الرسامين، وأن العمل يناقش لاحقا في مجلس الوزراء وربما أعلى، فيما ‘معماري المشروع’ ومن أطلق العنان لإنجازه تم تهميشه في الظل حتى هذا اليوم!

غبت عن مناقشة المشروع الأول في عمّان، مشروع تطوير ‘نجم الشمال’ في إربد، الواقع مقابل جامعة العلوم والتكنولوجيا، لارتباطات بمسقط، وذهب اثنان من ‘مكيتب’ لندن، وعادا مسرورين. فالمشروع أنجز ونوقش، ونسب الفضل لغير أهله. في المرة التالية كان هناك إصرار على حضور مناقشة مشروع معان، و’مقابلة الوزراء’! حيث لا وزراء ولا ما يحزنون، كل ما هنالك كان حماسا فاترا تجاه معماري المشاريع، كاتب هذه السطور، استمر حتى اكتمال المشاريع. افترقت وجهاتنا بعدها، ولعقت جراح ‘وطنيتي’، وإهمال مكتب مسقط، ودفعت ثمن سلبيتي تجاه عملي الخاص، لقاء ‘بضعة دولارات’ من أجل العمل على مشاريع بحجم مدن يفترض أنها ستنعش اقتصاد البلد! فتح ملف ‘موارد’ والتحقيق بشبهة فساد، أعاد التساؤلات أعلاه لتطفو على السطح، لكنها ليست غاية هذه السطور فقط.

قد يسفر التحقيق عن أن ملف ‘موارد’ كان ملوثا، أو قد يبرّأ، لسنا بمعرض فصل القضاء. المهم هنا هو أن البلد عاد للوراء مائة خطوة. مشاريع كان هدفها، وأكتب من موقع العلم والمعرفة، تطوير وتنشيط مناطق تطوير حضرية، موزعة استراتيجيا، بين الشمال والوسط والجنوب، تخلق فرص عمل، تؤوي عائلات بعشرات الآلاف، تشكل نقاط جذب استثماري، تدفع بالعمران الأردني خطوات نوعية للأمام، وتحقق تزاوجا مهما بين التطوير العمراني وتاريخ المنطقة، وتحقق توازنا مهما بين طبقتي، لا طبقات، المجتمع الأردني، المتفاوتة بشكل شاسع وباطراد مذهل ـ حتى غدا المجتمع أسماكا صغيرة في محيط ‘حيتان’ وأسماك قرش مفترسة.

في مشروع معان، على التلة المقابلة للجامعة، كان ثمة تصور في التصميم الذي قدم لخلق مركز حضري، يضم مسجدا جامعا، وأسواقا تقليدية، وساحات عامة، وجدارا تاريخيا، ومدرسة. وعلى امتداد الطريق الرئيسي تم اقتراح ‘وكالات’، أو أسواق مركزية لها واجهات ممتدة على الشارع الرئيسي تخدم سائقي الشاحنات وتشكل محطة تذكر ‘تاريخيا’ برحلة الحج وتربط مع الحجاز. وكانت ثمة مجاورات سكنية تتناثر بعفوية، وبشكل عضوي من أعلى التلة، وحتى أطراف المدينة الجديدة. في مشروع المفرق، كان الهلال الإقتصادي، ومنطقة التجارة الحرة ومستودعات التخزين، وتم خلق متنزه عام كبير بين القديم والجديد على شكل حلزون أخضر شجري. في مشروع إربد، ‘نجم الشمال’، ربط المشروع بين عمان والمفرق ومدينة إربد، وضم مركزا حضريا وأنواعا متعددة من الشقق السكنية والفيلات والمراكز التجارية وارتبط مع الجامعة القائمة، وكانت هناك مولات ضخمة، ومدارس ومسجد جامع. أما مسك الختام، وزبدة المشاريع والذي تم تركه للنهاية عمدا، فكان تطوير الوسط التاريخي لمدينة عمان بطول أكثر من 4 كيلومترات من المدرج الروماني وحتى حدود المحطة. وعلي أن أعترف، أنني أصبت بالإحباط منذ بداية العمل على المشروع. فقد نظرت في مسودات الاجتماعات التي سبقت مرحلتي، وطالعت بدائل للتطوير قدمها مكاتب عالمية ومحلية منها مكتب دار العمران، وعكفت على تطوير مقترح أولي يمازج بين روح وتاريخ المنطقة وأهميتها بربط الوسط التاريخي للعاصمة والجبال التي تحيطها، بأبعادها الاجتماعية وتداعيات البطالة والفقر فيها. فوجئت بتوجه مغاير يستلهم عمارة السبعينيات الغربية وتصميم المنطقة كجزيرة معزولة، ماديا ومعنويا، عما حولها. الوظائف التي اقترحت كانت صادمة: مركز مؤتمرات، وساحة احتفالات موسيقية (Concert Hall)، ومدينة ألعاب على حافة جبل النصر، حيث لا يجد الناس هناك ما يأكلون. وبدلا من تطوير المنطقة لإيواء وتشغيل وتدريب العاطلين عن العمل، المتكدسين من باب الجامع الحسيني، مرورا بلاعبي القمار أمام المدرج الروماني، وصولا للمتسكعين على أطراف الساحة الهاشمية، وانتهاء بالمحطة وجبل النصر ‘الفقير’، بدلا من رفع شأن المنطقة اجتماعيا ودمج الجبال المحيطة بخدماتها اقتصاديا، وللمنطقة ذكريات عزيزة، كان الإقتراح البديل عبارة عن مكاتب عالية الخصوصية والأمان، لتغص الساحات ‘بذوي الربطات الأنيقة’، وحقائب ‘السامسونايت’، كما اقترح صاحب القرار للمشروع!

برأيي المتواضع، أن المشكلة ليست فيمن يدير ‘موارد’ أو شح ‘الموارد’، المشكلة في نظام الإدارة السائد في المؤسسات نفسها، والبيروقراطية التي تؤطرها، والأنكى صراع الكراسي والمصالح. تقديم استشارة على مائدة الإفطار بين يدي ليلة القدر، بتوزيع الأراضي على الناس، لن يحل مشكلة مئات العائلات التي ستقف حائرة في الوجهة لاحقا. النية الحسنة لا تكفي، بل يلزم مع الدعاء شيء ‘من القطران’. المشكلة ليست في شخص مدير موارد، كائنا ما كان جرمه إن ثبت عليه الدليل والبرهان، وأعتقد أن البلد خسر عقلية متميزة معماريا من طراز رفيع، ومثقف ثقافة عالية جدا، ومستشارا لأهم مؤسسة عمرانية عالمية في مجال العمارة العربية والإسلامية وعضوا في لجنة تحكيم احدى دوراتها هي مؤسسة الآغاخان وكاتب هذه السطور عضو حالي في لجنة ترشيح جائزتها للدورة الثانية عشرة. أكتب ذلك، ليس دفاعا عن الرجل، فقد تضررت جراء عملي على المشاريع معه، لكنني أعتقد أن الرجل لو بقي في لندن وافتتح مكتبه لنأى بنفسه عن كل ما حصل، بل ربما كسب شخصيا، شهرة عالمية يستحقها. وقد همس الرجل في أذني عام 1998 في لندن، أثناء زيارة عابرة لجامعتي أثناء الدراسة، عن شوقه لعاصمة الضباب لولا ارتباطات عمرانية سياسية متداخلة. هذا ليس تبرئة له، إن ثبت متلبسا بما نسب له، لكنه إسقاط مقابل على واقع ‘النظام’ الغربي الذي لا يتيح ‘مد اليد’ على المال العام أصلا. ‘فالمال السائب يعلّم الناس السرقة’ دون اتهام أو إشارة، كشاهد إثبات أو نفي، فلا دليل عندي ولا برهان. لكن الأنظمة في دول العالم الثالث عموما، تجعل ‘التهافت’ على المنصب أمرا مستحبا، ووسيلة للكسب السريع المريح في غياب الحسيب أو الرقيب. ومن يفتح ملفه لاحقا، يكون ذلك إما لعداوات شخصية، أو كتقديم ‘قرابين’ لآلهة النصب والفساد، أو ذرا للرماد في العيون. أقول أن البلد خسر مهندسا بوزن أكرم أبو حمدان، رغم تحفظاتي وخلافي، على ومع، توجهاته المعمارية التي كانت تقود ‘لدبينة’ (من دبي) بلد صغير محافظ، أو ‘نوركة’ (من نيويورك) العبدلي، لكنني أعتقد أن خلَفه في إدارة ‘موارد’، رغم شهادة الدكتوراة التي يحملها مقابل ‘دبلوم’ أبي حمدان، لن يملأ معشار مقعده وأنا أعرف الإثنين للمفارقة من سنوات دراستي للعمارة في الجامعة الأردنية. فالأول كان يحضر لتقييم مشروعات الطلبة، كأستاذ. والثاني كان طالبا في قسم الهندسة المدنية يحضر لقسم العمارة بين حين وآخر. وليست الحصافة بتبديل الوجوه، وربما بإعادة إنتاج الظلم بعلاقات مصلحية اقتصادية مستترة مع الأقارب والجيران. أبو حمدان، اتفقنا ام اختلفنا، كان تعيينه بمنصب إدارة شؤون العمران، في الوجه المشرق، ظاهرة وسنّة حميدة في تعيين ‘معماري’ لمنصب بذات الإختصاص. فللمرة الأولى في تاريخ ‘المناصب’ المهمة في البلد يستلم معماري أمور التخطيط العمراني، نسخا، وتبديلا لسنّة ‘غير حميدة’ في تعيين ‘صيدلاني’ (!) لشؤون العمران. ولكن ‘ما أرخص الجمل…. لولا الهرّ’! يحضرنا في خضم معترك الفوضى التي تدب في مؤسسات العالم العربي، قصة النبي يوسف مع عزيز مصر بين يدي السنوات السبع العجاف، والتي يمر العالم بمثلها أو أشد، والتي ربما كشفت المستور. ولولا ثلة من لصوص ‘وول ستريت’ التي أطاحت باقتصاد العالم برمته، ولولا عربة ‘البوعزيزي’ المقهور، ربما لكان الكثير من المسؤولين ‘غير المحاسبين’، ما يزالون يتنقلون بين عواصم العالم، في قمرة طيران البزنس ورجال الأعمال، ولم يحوّل ملف ‘موارد’ لشبهة فساد، ولا ما يحزنون. في هذا الإطار يبرز معادن الرجال، وحين يتطوع نبي الله ‘يوسف’ لإدارة ‘أزمة’ طاحنة، بما فيها من مغارم وشدة، فاعلم أنه حفيظ عليم. وحين ‘يتهافت’ أشباه المثقفين على موائد السلطان، فاعلم أنهم ‘أدعياء’، وأن النظام الذي يدير البلاد والعباد يسير في الإتجاه المعاكس! قبطان السفينة المقبلة على عاصفة، يحتاج لسماع الأخبار السيئة قبل الجيدة، ويحتاج أكثر أن يبعد من حوله طوائف ‘السحيجة’، وأنصاف المثقفين، والدجالين، والسحرة والمشعوذين، والنطيحة، والموقوذة، والمتردية، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب. ويحتاج أكثر أن يفتح القنوات مع ذوي العلم، والأيدي والأبصار، والقوي الأمين الذين لن يقدم الحصيف منهم على قبول ‘منصب’ في نظام يغل يده عن الإبداع وتنظيف المكان قبل إدارة الدفة نحو الوجهة الصحيحة. والبلد تحتاج لتأسيس أركان النظام (system) الذي يديرها. وحتى ولو استلم الوظيفة ‘لص’ زنيم، فلن يكون بمقدوره أو أي عتلّ مارق أن يسرق في نظام يمتاز بالشفافية والمحاسبة، وأبرز مثال هو الغرب الديمقراطي. هم ليسوا ملائكة، بل على العكس، هم ماديّون أكثر من مجتمعاتنا العربية التي تسمع ‘الله أكبر’ خمس مرات في اليوم والليلة وقد تغل يد سارق عن السرقة. الفرق بين أنظمتنا العربية المترهلة، حيث يزداد الفقير فقرا ويكتنز الغني سحتا، وبين الغرب الديمقراطي المتقدم هو نظام محاسبة صارم يضع كل شيء بوضوح تحت الشمس وتحت عين برلمان رقيب مسائل عن كثب. ولو غاب نظام الرقابة والمحاسبة عن الغرب لعمّت سرقاتهم الأباطح والروابي. لكن نظام المحاسبة والتدقيق والرقابة، في البرلمان الغربي، لا يتيح لمسؤول، لصا كان أم أمينا، أن يمد يده للمال العام. ولنا، كمشرقيين، في الغرب ‘الكافر’ عبرة وعظة.

لندن في 28 ايلول/سبتمبر 2011*معماري وأكاديمي مقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية