إسطنبول- “القدس العربي”:
مع إجراء اليونان مناورات عسكرية مع السعودية، والحديث عن مساعٍ تركية ومصرية للتقارب، وإمكانية توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية، واعتراض تركيا على مشروع للربط الكهربائي بين اليونان وقبرص وإسرائيل، عاد الحديث مجدداً عن موازين القوى في صراع شرق المتوسط الذي يتوسع ويتخذ أشكالاً جديدة مختلفة.
فمن الناحية السياسية، يظهر نجاح اليونان في تشكيل تحالف سياسي أوسع من ذلك الذي استطاعت تركيا تكوينه في شرق المتوسط، وذلك من خلال حصولها على دعم أمريكي وأوروبي كبير، وتشكيل تحالفات مباشرة مع الدول المطلة على البحر المتوسط وعلى رأسها مصر وإسرائيل، كما نجحت في بناء تحالفات اقتصادية وعسكرية مع دول خليجية على رأسها السعودية والإمارات والبحرين.
ولا تخفي الأوساط السياسية في تركيا حقيقة أن اليونان نجحت في بناء تحالف أوسع سواء على الصعيد الدولي أو مع الدول المطلة على البحر المتوسط، وانطلاقاً من ذلك تعمل أنقرة بشكل حثيث في الأشهر الأخيرة على خلخلة التحالفات اليونانية، وذلك من خلال خطة لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والتوقيع على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع مصر، وتحسين العلاقات مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية، إلى جانب إمكانية تحسين العلاقات مع إسرائيل.
لكن في المقابل، يجد محور منتدى غاز شرق المتوسط والدول التي انضمت إليه صعوبات بالغة في القيام بمشاريع استراتيجية كبيرة تحدد مستقبل الغاز المستخرج من المنطقة وخطوط تصديره والتعاون في مجال الطاقة بشكل عام بمعزل عن تركيا التي ما زالت تمتلك القوة العسكرية و”فيتو مُعطلا” للكثير من المشاريع الاستراتيجية في المنطقة.
ومقابل العديد من الاتفاقيات التي توصلت إليها اليونان مع دول المنطقة، نجحت تركيا في التوقيع على اتفاقية واحدة لترسيم الحدود البحرية مع الحكومة الليبية، إلا أن هذه الاتفاقية كان أثرها كبير جداً، وذلك بعدما ربطت الحدود البحرية التركية- الليبية عبر خط يمر من كامل حدود شرق المتوسط يجبر أي دولة تفكر في مد أي خطوط لنقل الغاز إلى أوروبا أن تحصل على إذن من تركيا، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال علاقات جيدة ومراعاة للمصالح التركية.
وفي ظل وجود احتياطات هائلة لمصادر الطاقة لا سيما الغاز في البحر المتوسط، تحتاج دول المنطقة إلى أسواق كبيرة لبعض هذه الكميات حتى تكون مشاريع استخراجها وتكريرها مجدية اقتصادياً، وفي هذا الإطار فإن السوق الأول والأقوى لهذا الغرض هو السوق الأوروبي المتعطش لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
ومنذ سنوات كان المشروع الاستراتيجي الأول يتعلق بمد خط رئيسي يمر عبر شرق المتوسط وتركيا وصولاً لأوروبا، إلا أن تصاعد الأزمة والخلافات دفع أطراف منتدى شرق المتوسط للبحث عن بدائل أخرى يقول خبراء إن جزءا كبيرا منها ممكن نظرياً فقط، حيث تدور أغلبها حول مشاريع غير مجدية اقتصادياً لتبقى تركيا هي الخيار الأول في هذا الإطار.
وتبدي تركيا تشدداً كبيراً في الموافقة على أي خطوط لنقل الغاز من المتوسط لأوروبا عبر أراضيها قبيل التوصل إلى تفاهمات مع دول المنطقة لرسم حدودها البحرية و”التقاسم العادل للثروات”، قبل أن تمرر وتدعم هذا المشروع الذي يخدم رؤيتها الاستراتيجية بأن تتحول إلى ممر استراتيجي للطاقة في المنطقة.
وعقب توقيع مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا، أكد العديد من المسؤولين الأتراك، أن أي مشاريع لمد الغاز في شرق المتوسط تتطلب الحصول على موافقة تركيا، في حين قال أردوغان في لقاء تلفزيوني، إن مصر وإسرائيل واليونان وقبرص لا يمكنهم القيام بأعمال تنقيب في المتوسط دون أخد إذن تركيا.
والاثنين، أخطرت تركيا، اليونان وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، بضرورة الحصول على إذن من أنقرة بخصوص الأنشطة التي تمسّ جرفها القاري في شرق البحر المتوسط، وذلك عبر مذكرات احتجاج أرسلتها أنقرة إلى الأطراف الثلاثة، على خلفية مرور المسار المفترض للكوابل البحرية في مشروع ربط شبكات الكهرباء بين إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية من الجرف القاري لتركيا شرقي المتوسط، بحسب ما تقول أنقرة.
وقبل نحو أسبوع، وقعت إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية، مذكرة تفاهم، لتنفيذ مشروع ربط شبكات الكهرباء للدول الثلاث، عبر كوابل بحرية، وذلك بدعم من الاتحاد الأوروبي. ويُطلق على المشروع اسم”EuroAsia Interconnector”، ويمتد من مدينة الخضيرة شمال تل أبيب، عن طريق البحر، إلى قبرص، ومنها أيضاً عبر البحر إلى جزيرة كريت باليونان.
وتقول تركيا إنه بحسب الخرائط المعلنة، فإن مسار الكوابل البحرية بين جزيرتَي قبرص وكريت، يمرّ من الجرف القاري لتركيا، وهو ما يفرض على الأطراف المعنية الحصول على إذن من أنقرة بخصوص الأنشطة التي تمسّ جرفها القاري، وهو ما قد تستغله أنقرة لممارسة مزيد من الضغوط على هذه الدول للتجاوب مع مطالبها في شرق المتوسط، وحثها على عدم تعطيل المشروع، في حال كانت الكوابل ستمر فعلياً من الجرف القاري التركي.