‘مواطن عالمي من أدغال افريقيا’

حجم الخط
0

محمد ياسين رحمةحينما تسمع لفظ افريقيا تتداعى إلى مخيلتك الصور المشبعة بالدّهشة لعوالم مجهولة وشعوب تمارس حياتها على الفطرة خارج التوقيت الفيزيائي للحضارة.. بيوت من قش الأشجار أشبه بالخيام، وأناس يلبسون جلود السّباع والنّمور ويتزيّنون بالرّيش والأصباغ، ويرقصون حول النار على قرع الطبول وهم يمارسون طقوسا غرائبيّة يشكّل فيها السّحر والشعوذة امتدادا للأعراف والتقاليد وتُشكّل فيها الأساطير والخرافات مرجعية للمعتقدات والقناعات الوجودية. أناس يستأنسون بالتوحّش ويتقاسمون الطبيعة مع الوحوش والضّواري والغزلان، ويعرفون مواطئ أقدامهم في الظلام على أرض تعجّ بالثعابين والأفاعي والعقارب.

افريقيا التي لم تعرف قارة أخرى ما عرفت هي من مآسي البشر، استنزف الغرب خيراتها واستعبد إنسانها ثم أورثها التخلف والفقر والجوع، وهي الآن تئنّ من الجدب والحروب، جنت عليها أيضا الصناعة السينمائية وترويج الصّور المُشوّهة التي وصلت إلى حدّ الزّعم بوجود قبيلة لأفرادها ذيول في مؤخراتهم وهم يعيشون على اكل لحوم البشر.. من رحم هذه الـ’افريقيا السوداء’ وُلد ‘مواطن عالمي’ عرفته كلّ القارات وأراد إعادة صياغة العالم وتشكيله وفق رؤية إنسانية خالصة ليس فيها تفريق بين أبيض وأسود، فالانتماء للإنسانية هو الهوية الأولى للإنسان.. وُلد ليقول: ‘أنت أسود، أي أنت جميل’، ويغازل حبيبته: ‘لأنك سوداء، أنت جميلة’، ويجنّد شعره من أجل أن ينال الافريقي الأسود اعترافا بأن يكون مثل غيره وترصد فيه عيون الغرب أسرار الجمال مثل غيره من أجناس البشر.

هذا ‘المواطن العالمي’ هو ليوبولد سنغور، أول رئيس حكم دولة السنغال ثم تنازل بعد عشريتين من الحكم عن الرئاسة بمحض إرادته وتفرّغ للتعبّد في محراب الشّعر كي يعبّر عن انتمائه الزّنجي باعتزاز ويعيد رسم الإنسان الافريقي في عيون الغرب بلغة فرنسية راقية، ويكون واحدا من أكبر الشعراء المؤسسين للأدب الافريقي الجديد.

وُلد ليوبولد سنغور في تشرين الاول (أكتوبر) 1906 جنوب العاصمة السنغالية دكار، وتوفّي 20 كانون الاول (ديسمبر) 2001. وكرّس حياته من أجل تحرير الافريقي من العقدة الزنجية وتحويلها إلى عامل قوة وافتخار من دون شعور بالنقص أمام الآخر، فقد كان فيلسوف ‘الزنوجية’ هذا المصطلح الذي أطلقه الشاعرالمارتينيكي إيمي سيزار، لكن سنغور حوّله إلى فلسفة ناضل من أجلها سياسيا وشعريا وأدرك من خلالها أن التعليم والتربية والثقافة هي الطريق الصحيح إلى الخلاص من التّخلف والتّقدّم إلى الأمام بوثوق، والأعمال الشعرية لسنغور كلها تتمحور حول افريقيا والتغني بها ورسم طبيعتها واستظهار جواهر تاريخها، ومن بين أهم أعماله الشعرية نذكر’قربان أسود’، ‘إثيوبيات’، ‘ليليات’، ‘رثاء الصابيات’. وقد عرف سنغور كيف يستثمر الفرنسية كميراث استعماري ويوظّفها لصالح قضيته وفلسفته، فهي التي وصلت بشعره إلى أقاصي الدنيا وحملت رسائله وأفكاره، فهو يرى في اللغة الفرنسية: ‘رائعة نُبشت من أنقاض النظام الاستعماري، قد تسمح للمستعمرات السابقة بأن تصل إلى الكلية’، بل يعتبرها مفتاحا سحريا يفتح بوابة الحضارة الغربية أمام الزنجي المأسور في خرافاته وأساطيره، كما يراها وسيلة للحوار بين الثقافات وفهم الغرب بعيدا عن التعصّب ومواريث الحقد التاريخي ضد الغربي المستعمر وصيّاد العبيد، حيث يقول: ‘في الحقيقة، وبعيداً عن سخافة الرفض العنيف لقيم الغرب الأوروبي، كان علينا أن نختار في ما بينها لننتقي منها فقط تلك التي يمكننا أن ندمجها في ثقافتنا ونستفيد منها. من هنا قولي: نعم للدمج، لا للاندماج’. هل نجح سنغور في تحقيق أهدافه وتحقيق التقدّم لشعبه؟ وهل استطاع فعلا أن يجعل من اللغة ميراثا استعماريا قابلا للاستثمار من أجل التأسيس لحوار الحضارات؟ ما نستطيع الإجابة عليه أن سنغور استطاع فعلا أن يكون مواطنا عالميا بأعماله الأدبية التي تُرجمت إلى لغات عديدة وبجهوده في خلق فضاء ثقافي فرنكفوني، الذي صار ملتقى للحوار بين المثقفين من مختلف الجنسيات والأجناس.. كما نجح سنغور في أن يعطي للعالم الثالث مثالا عن الرئيس الذي يتخلّى عن الحكم طواعية ويكرّس مواهبه وفكره وثقافته من أجل أن يجعل من ‘الزنوجية مفتاح الحكمة’، ويفتح الأبواب على ثقافات افريقية تغني رصيد الإنسانية وليس فيها صور لأناس بأذناب ويأكلون لحوم البشر.* كاتب صحافي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية