موته شعر

حجم الخط
0

موته شعر

عزت القمحاويموته شعر أحب أن أعرف الناس والأماكن؛ لكن خوفي من الفقد أكبر من فضول المعرفة، ولذلك لا أحرص علي صداقات جديدة، ووإنما أستسلم لمعرفة من ترتب المصادفات لقاءهم، سعيداً بمن لا أستلطفهم وممتناً لهم أكثر من سعادتي بمن أغادرهم محملاً بأثقال المحبة. علي أن الحراشف الواقية التي أفضل العيش داخلها تصير مزدوجة مع أشخاص من نفس النوع. ومن هؤلاء محمد الماغوط الذي لم أسع إلي معرفته خلال زيارات متكررة ملؤها الكسل إلي الشام. كانت محبته بالمعني الثقافي والفني أكثر من كافية. وإذا كان الشعراء والنقاد يعرفون لمحمد الماغوط صنيعه الشعري الكبير، الذي تمثل في إحلال اليومي والمبتذل إلي قلب الشعر، أو في سخريته المريرة شديدة الفتك بقبح الواقع وفظاظته، فإنني أتأمله بوصفه، شخصاً ونصاً، واحدة من الحلات الاستثنائية في مسيرة الكتابة. ومبعث هذه الاستثنائية هو التمسك بالهامش والحفاظ عليه طوال نصف قرن من الكتابة واللمعان بالمعني الاجتماعي، الذي كان من شأنه أن يقود إلي إفساد الشخص، أو المواطن محمد الماغوط ويحوله عن وظيفة الشاعر إلي وظيفة مشهور وهي وظيفة مرموقة ومبهرة تنده الكثير من المبدعين إلي حيث يلقون حتفهم الإبداعي.ہ ہ ہالأقل من الإفساد التام هو التحول الذي يكاد يكون قانوناً إبداعياً؛ فجل النصوص الجديدة وجل الشخوص الجديدة تولد في الهامش ولكنها تسعي لأن تتحول إلي متن، أو تسير إليه مرغمة، لتجد نفسها في النهاية بذات الموقع الذي قاومت من قبل محتليه. هذه السيرورة، وحركة الدوران المدوخة بين المتن والهامش تبدو قانوناً ثقافياً، لم يعرف الكثير من الخارجين عليه، وبينهم الماغوط الذي تمسك بالإقامة في الهامش نصاً وشخصاً. ولم ينل علي هذا الخروج عقوبة، بل مكافأة الفوز بعرش الهامش من خلال إجماع حقيقي وصادق، دون حاجة إلي مهارات السلطات العربية في التزوير. لكن البقاء في الهامش، ليس سهلاً، خصوصاً عندما تقف الإغراءات بالباب، وقد تحدث الكثيرون عن المشقات التي نالها البدوي الأحمر القادم من خشونة قريته السلامية إلي لا إنسانية العيش في السجون علي حافة الحياة، دون تأمل مشقة مقاومة حالة النجومية التي عرضتها القصيدة علي الماغوط، وقد صار أباً لأبناء وحفدة من المحيط إلي الخليج. أي قدر من السخرية احتاج الشاعر لكي يتشبث بهامشه؟ وأي قدر من ادعاء الأمية والعدمية مارس لكي يقاوم حالة التثاقف والتعالم التي أراد محاوره خلال الحوارات القليلة التي أجروها أن يضعوه داخلها؟ لا يعرف لم كتب مثل بودلير، إلا لأنه خرج من السلمية التي يجلد فلاحوها أشجارهم عندما تمكر وتضن بالثمار، لا يعرف لم انضم إلي الحزب القومي السوري إلا لأن الحزب كان الأقرب إلي بيته وكانت به مدفأة بينما كان مقر البعث بارداُ والطريق إليه موحلة. هذه العدمية تتشظي في كل اتجاه لتدين كل شيء، وتضمن في الوقت نفسه براءة الشاعر من التفاصح والتعالم، وتطهره من كل انتماء يشوش علي انتمائه لهامشه وللبسطاء الذين وجدوا أنفسهم في أرض الشعر التي لم تكن لهم، وفي قصائد تجللها المفارقة؛ ذات المفارقة التي تصلب حيواتهم في مساراتها الشاقة.وأياً كان حظ ادعاءات الماغوط بالعفوية من الصدق، فقد كان علينا أن نتقن دور المؤمنين بالشاعر الذي وقع علي جوهر الشعر في مصادقة سعيدة دون جهد منه.وليس في إيماننا ما يضير؛ ولن يختلف الأمر طالما أننا وجدنا لُقيته في حجرنا في النهاية.ہ ہ ہ خط الماغوط سطره الذي لن يمحي، وإن بدا طوال حياته غير متقصد ولا مترصد لهذا البقاء. وعاش زهرة صباه وشبابه كما لا يهوي، بل كما شاءت إرادة القاهرين. ولكنه بمكر تسلم ما تبقي من حياته وعاشه كما يريد، حتي آخر نفس من سيجارته في الميتة التي تعد آخر قصائده، وقد وصفها الزميل إبراهيم حميدي مراسل الحياة في دمشق، إذ وجد الماغوط، ميتاً في الاتكاءة الكسول المعتادة، السيجارة في يده، وسماعة الهاتف مرفوعة في مكالمة لم تكتمل. وفي المسجل تدور سورة يوسف، لماذا سورة يوسف بالذات؟ السورة المنذورة للمآتم، دون أن أعرف لماذا أيضاً؟ هل لأنها قصة والقص يسلي المكلومين أم لعرامة الحياة والولع الذي تصفه؛ ولع زليخة بيوسف؟أقام الماغوط لنفسه فرحه ومأتمه، وأبحر نحو الأبدية راضياً كما يبدو من جلسته الأخيرة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية