موت إرهابي امريكي

حجم الخط
0

موت إرهابي امريكي

د. الياس عاقلةموت إرهابي امريكي من السخرية الكبري أن تقوم امريكا، التي نصبت نفسها محاربةً للإرهاب الدولي، بتقديم الاحترام والإجلال لإرهابيٍ أمريكي كان مسؤولاً عن ذبح 200 ألف مواطن في جزيرة تيمور الشرقية ، وعن قتل عشرات الآلاف من أكراد العراق، وعن المجازر التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين في قارة امريكا الجنوبية. كما كان هذا الإرهابي شريكاً في انتهاك القوانين الدولية، وخرق ثقة الشعب الامريكي له، ومخالفة الدستور الامريكي. هذا الإرهابي الامريكي ليس سوي الرئيس الامريكي السابق جيرالد فورد الذي توفي في 26 كانون الاول (ديسمبر) عن عمر يناهز الـ 93 عاماً.كان فورد الرئيس الامريكي الوحيد الذي لم يتم انتخابه، فقد عينه الرئيس نيكسون آنذاك ليشغل منصب نائب الرئيس بعد استقالة النائب السابق سبيرو أجنيو بسبب فضائح رشوي. فيما بعد استقال الرئيس الامريكي نيكسون ، نفسه، بسبب فضائحة هو الآخر، وفضيحة ووترجيت أشهر من نار علي علم، مما أدي الي استلام فورد منصب الرئاسة لمدة سنتين ونصف.يصف الكثير من سياسيي امريكا الرئيس الراحل فورد بأنه الشافي لجراح امريكا لأنه أصدر الأوامر النهائية لانسحاب القوات الامريكية من فيتنام عام 1975، ولأنه أصدر عفواً عن جميع الهاربين من التجنيد الإجباري آنذاك، كما استعاد ثقة الشعب الامريكي في إدارته السياسية بعد فضيحة ووترجيت . وقد تم تشريف موت فورد بإطلاق 21 مدفعية، وبطيران 21 طائرة حربية فوق جنازته، وبقيام حراس الشرف بحمل تابوته، وبإطلاق اسمه علي سفينة حربية امريكية. كما مُنح موظفو الحكومة وموظفو الخدمات البريدية يوم عطلة حداداً علي موته. وأُغلق سوق الأسهم التجارية وسوق نازداك NASDAQ في مدينة نيويورك احتراماً وتقديراً لجهود فورد في نشر وتقوية النظام الرأسمالي الامريكي. وأُعلنت فترة حداد رسمية لستة أيامٍ علي شرفه. حضر ثلاثة رؤساء سابقين -كارتر وكلينتون وبوش الأب- مع الرئيس الحالي بوش الابن جنازة فورد . ورثي الرئيس الحالي فورد واصفاً إياه بالرجل صاحب … الأمانة الهادئة، والمنطق السليم والمواهب اللطيفة . كما أضاف إن الشعب الامريكي سيعجب دائماً بإخلاص فورد … وبنزاهة تصرفات إدارته . لم يقم فورد فعلاً بمداواة امريكا من جروح فضائح ووترجيت لأنه منح الرئيس نيكسون عفواً كاملاً ومطلقاً عن كل جرائمه الفدرالية. وقد أوقف هذا العفو جميع التحقيقات لمعرفة تفاصيل جرائم نيكسون ، وبذلك بقي الشعب الامريكي في جهلٍ مطبق لهذه الجرائم. استلم فورد كرسي الرئاسة الامريكية ثمن عفوه عن نيكسون . فقد كشف فورد في مذكراته أن موضوع العفو كان قد طُرح عليه قبل خلافة نيكسون حين صرح له الجنرال إلكسندر هيج عن ضرورة منح نيكسون عفواً كاملا كشرط لتقديم استقالته. وقد جاء العفو في صفقة خدمة مقابل خدمة أخري؛ الرئاسة مقابل العفو. وبذلك جاء العفو حامياً نيكسون من أي عقاب قانوني علي انتهاكاته للقوانين الدولية وللقوانين المحلية. لقد تسبب نيكسون في موت ما لا يقل عن 600 ألف مواطن حين أمر بتنفيذ غارات جوية علي كمبوديا أثناء غزو واحتلال فيتنام . وجاءت مراقبته للمكالمات الهاتفية خرقاً كبيراً للسلطات الممنوحة له مما دفع الكونجرس” الامريكي الي إصدرا قانون FISA عام 1978 ضد أي مراقبة غير قانونية لمكالمات المدنيين. ورغم أن دائرة الضرائب حكمت علي نيكسون بدفع غرامة بمقدار 467 ألف دولار إلا أن عفو فورد ساعده علي تفادي تهمة التهرب من دفع الضرائب. إعفاء نيكسون من خرق الدستور الامريكي، ومن سوء استعمال مركزه السياسي، وانتهاكاته للقوانين الدولية جعل من الرئيس فورد شريكاً فعلياً لهذه الجرائم. لعب فورد دورا رئيسياً في إبادة ثلث الشعب في جزيرة تيمور الشرقية ، حين قام هو وسكرتير الخارجية آنذاك السفاح هنري كيسنجر بإعطاء الضوء الأخضر لدكتاتور إندونيسيا الجنرال سوهارتو لغزو جزيرة تيمور الشرقية متسبباً في قتل 200 ألف من السكان. وكان سوهارتو قد توصل الي الحكم بعد انقلاب عسكري ضد الرئيس سوكارنو بمساعدة من وكالة المخابرات الامريكية المركزية CIA التي زودته بالسلاح وبلائحة أسماء 5000 شخص لاغتيالهم بحجة أنهم شيوعيون. ولتثبيت حكمه قام سوهارتو بدفع جيشه بأسلحة امريكية لارتكاب مجازر راح ضحيتها حوالي مليون مواطن أندونيسي. بعد ذلك خطط سوهارتو لغزو تيمور الشرقية .أثناء زيارة سوهارتو للبيت الأبيض في تموز (يوليو) عام 1975 كشف كل من مجلس الأمن الوطني الامريكي ووكالة المخابرات المركزية للرئيس فورد ولسكرتيره كيسنجر عن خطط سوهارتو لغزو تيمور الشرقية . وكان سوهارتو قد أجل الغزو تخوفاً من أن يسبب عدم الموافقة الامريكية وقف إمداد الأسلحة الامريكية له. أعطي الثنائي فورد و كيسنجر الدكتاتور سوهارتو الضوء الأخضر لغزو تيمور أثناء زيارتهما له في كانون الاول (ديسمبر) 1975، وسرعان ما غادرت طائرة فورد الأجواء الاندونيسية حتي قام المظليون الأندونيسيون، الذين تم تدريبهم علي أيدي امريكية وتم تزويدهم بأسلحة امريكية، بالقفز من طائرات امريكية الصنع علي العاصمة التيمورية ديلي لقتل الآلاف من التيموريين. السخرية في الأمر أن فورد غادر أندونيسيا متجها الي بيرل هاربر في هاواي حيث ألقي خطاباً وعد فيه أن لا تسمح امريكا مرة ثانية لأي دولة قوية بغزو دولة أخري ضعيفة. من خلال قـــــــــانون حرية المعلومات الامريكي Information Freedom Act تم الكشف مؤخراً عن محتويات برقيات فورد و كيسنجر لـ سوهارتو والتي طلبا منه خلالها بالإسراع في عملية الغزو بقدر الإمكان حتي لا تلفت اهتمام وسائل الإعلام العالمية أو اهتمام الكونغرس . انظر www.nsarchive.org ويُعتبر السماح باستعمال أسلحة امريكية في عمليات غزو بلد آخر عملاً غير قانوني حسب قوانين تصدير الأسلحة الامريكية. وإذا علم الكونجرس بهذا السماح فسيوقف تصدير الأسلحة لأندونيسيا. ومن أجل إنهاء عملية احتلال جزيرة تيمور وقمع المقاومة فيها بأسرع وقت ممكن قام الجيش الأندونيسي بعمليات إبادة جماعية للشعب.وصف فيليب ليشتي ضابط مكتب المخابرات الامريكية في جاكارتا الغزو كما يلي: وصلتنا الأوامر بإعطاء الجيش الأندونيسي كل ما يريد. وقد قاموا بجمع النساء والأطفال في المباني المدرسية حيث أشعلوا النيران فيها . بإعطاء الضوء الأخضر لـ سوهارتو باحتلال تيمور جعل فورد إدارته داعمة لإرهاب دولة استمر من عام 1975 الي 1999. كما لعب الثنائي فورد و كيسنجر دوراً هاما في القضاء علي عشرات الآلاف من أكراد العراق. فبحسب نجم الدين كريم، رئيس مؤسسة الأكراد في واشنطن في مقابلة له مع إيمي جودمان في برنامجها الديمقراطية الآن Democracy Now ، فقد صرح أن الرئيس فورد قد دعم الثوار الأكراد في نضالهم ضد نظام البعث العراقي، إذ كان يزود الثوار الأكراد بالسلاح عن طريق شاه إيران. ولكن بتوسط من كيسنجر وقع الشاه اتفاقية الجزائرعام 1975 مع صدام حسين حين كان لا يزال نائباً للرئيس. وفيها تعهد شاه إيران بوقف دعم الأكراد وبإعطاء العراق حقوق الملاحة في شط العرب علي أن تتنازل العراق عن مقاطعة خوزستان الغنية بالنفط. ونتج عن ذلك تقسيم الأكراد الي قسمين: احدهما مع إيران والآخر مع العراق. وقد تم تهجير أكراد العراق وقتها الي الصحراء الجنوبية حيث قتل الجيش العراقي عشرات الآلاف منهم. وقد تورطت إدارة فورد في عمليات الانقلابات العسكرية التي كانت تقوم بها وكالة الاستخبارات الامريكية CIA ضد الدول الاشتراكية في امريكيا الجنوبية مثل الأرجنتين التي أدي الانقلاب العسكري فيها الي قتل مئات الالاف من الشعب. كما قامت الوكالة بعمليات توغل عسكرية عبر حدود تلك البلاد والمعروفة بعمليات كوندور ، وكذلك بعمليات اغتيال شخصيات سياسية مثل اغتيال عضوين في كونغرس أوروغواي في شوارع بوينيس أيريس في ايار (مايو) 1976، واغتيال الرئيس البوليفي توريز في يونيو من نفس السنة. وقد تمت احدي عمليات الاغتيال السياسي في العاصمة واشنطن نفسها حيث اغتيل وزير الخارجية التشيلي أورلاندو ليتيليير ومرافقه روني موفيت بسبب انتقادهما اللاذع لخروقات حقوق الانسان التي كان يقوم بها الرئيس التشيلي بينوشيت . ومن أجل التغطية علي عمليات وكالة الاستخبارات والسماح لها بالتصرف بحرية تامة قامت إدارة فورد بمناورات سياسية للحد من نفوذ الكونجرس ولتعطيل عمليات التحقيق في هذه العمليات. أما سياسة فورد الداخلية الفاسدة فقد أخفتها دعاية شفائه للأمة الكاذبة لبعض الوقت. فالرئيس فورد كان في الواقع رئيساً ضعيفاً انصاع الي توصيات كيسنجر السيئة. قام كيسنجر بإحاطة فورد بمستشارين فاسدين الذين كوّنوا فيما بعد إدارة المحافظين الجدد للرئيس بوش الحالية. فقد تسلم دونالد رمسفيلد رئاسة الأركان أولاً، ثم أصبح سكرتير الدفاع بينما تولي منصب رئيس الأركان بدلا منه ديك تشيني . وتسلم بول ولفوويتز منصباً في وكالة التسلح، بينما استلم بوش الأب رئاسة وكالة الاستخبارات ((CIA عام 1976.وقد لعب فورد نفسه دورا هاماً في تضليل لجنة وارين التي كانت تحقق في مقتل الرئيس كندي ، حين أقنع اللجنة بتغيير تقريرها النهائي لتأكيد نظرية الاغتيال الفردي حيث أعلنت اللجنة أن الرصاصة التي قتلت الرئيس كندي هي نفس الرصاصة التي أصابت حاكم تكساس كونالي آنذاك. وقد انتقد الكاتب روبرت مورنينج ستار ، المتابع لأحداث لجنة التحقيق، تنقيح فورد للتقرير النهائي علي أنه أكبر كذبة في التقرير. انظر www.jfkresearch.com/morningstar/يظهر التاريخ بوضوح أن فورد لم يخدم مصالح المواطن الامريكي البسيط. مثله مثل بقية الرؤساء الامريكيين بل قام فورد بقطع الأموال العامة عن كثير من برامج الخدمات الاجتماعية وتحويل هذه الاموال الي الميزانية العسكرية. كما عارض فورد تقديم المعونات المالية للفقراء متحججاً بأنه يريد تشجيع هؤلاء الفقراء علي العمل لكسب معيشتهم بدل الاعتماد السلبي علي برنامج الانعاش الاجتماعي.الرئيس السابق فورد ، مثل بقية الرؤساء الذين سبقوه والذين تبعوه، مذنب بارتكاب انتهاكات خطيرة للقوانين، وبارتكاب جرائم حرب، وبدعم الإرهاب، فقد كان مسؤولاً عن ذبح ما لا يقل عن مليون شخص. لو استخدمنا في حكمنا علي رئاسته نفس المعايير التي استخدمت لمحاكمة ولإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين لاستوجب تقديم حبل المشنقة لـ فورد بدل تقديم الإجلال له.8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية