بعد نجاح الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر وليبيا في خلع رؤساء مستبدين حكموا شعبهم بالحديد والنار وأشياء أخرى أشد وأنكى ولمدد زمنية تثير الضحك ثم الأسف ثم البكاء بمقياس القوانين الرئاسية في العالم أجمع، وبعد انقشاع الغبار عن كل أسباب ومسببات هذه الثورات المباركة، أجد أنه من المخجل الكتابة في هذا الموضوع، لكني رفعت الحرج عن نفسي بعدما تبين لي أن أولى الناس بالخجل والاستحياء هم صُناع القرار والناطقون به في الأنظمة المستبدة التي لا تنتظر سوى قشة لتُقسم ظهرها فيُعتقل رئيس ويلوذ الاخر بالفرار إلى حين القبض عليه او يقتل كما جرى مع القذافي ليقدم بعضهم للمحاكمة ولو ممددين على الأسِرّة.
إلطم خدك أو إنتف شعرك، هذا أقل ما تستطيع فعله بعد سماع تصريحات لا يمكن أن يصدقها أحد ولو قارئها لأنه عبد مأمور يقرأ ما كُتب له بصفته ـ الجميلة المبنى ـ الناطق الرسمي بإسم رئيس الدولة، إذ قال أحدهم وبدون استحياء أن دولة أجنبية تعبث بأمن الوطن والمواطنين، مضيفا أنه تمّ القبض على عناصر خارجية تحرض شعبنا على التظاهر ضد النظام الديمقراطي الوحيد في المنطقة، وحول هذا العدد الهائل من المتظاهرين الذين نراهم يطالبون برحيل النظام أجاب، أن العدد لا يتجاوز العشرات في مظاهرة بسيطة تم وضع صورهم تحت مجهر قنوات تابعة لأجندة (الدولة الأجنبية) ليُوهموا الناس أن العدد كبير، ناسيا أن المجهر يُكبِّر الشيء ولا يزيد في عدده؛ حتى ظننت أنه إذا سُئل عن مقتل ذلك الطفل في العاشرة من عمره بنيران قناصة تابعين للنظام كان سيجيب أنه أي الطفل كاد ان يقتل أربعة جنود داخل دبابتهم المدرعة بقذيفة اكتُشف انها مصنوعة من طوب في (الدولة الأجنبية)، وهكذا بعد أن فقد فنانو الكوميديا العربية القدرة على إضحاكنا أصبح لدينا ناطقون رسميون باسم الرئيس يفعلون ذلك، لكنهم مع الاسف يستعملون هموم الشعب وآلامه؛ فحسب قول هؤلاء فإن الشاب البوعزيزي رحمه الله ملهم الثوار في العصر الحديث كان ضابط مخابرات (الدولة الاجنبية) نفذ ما طُلب منه هو والشرطية التي صفعته وقلبت عربته المجرورة لبيع الخضار ليستفز مشاعر الشعب التونسي الذي كان يعيش حرية وكرامة وغنى.. يُضرب بها المثل في الدول الاسكندنافية، وما وُجد من كنوز علي بابا في قصر (بن علي) بعد هروبه هو ما زهد فيه الناس فقط. مّا القذافي وعياله فقد جعل أثرياء العالم بدل أن يقصدوا سويسرا للراحة والاستجمام يقصدون ليبيا فاشتكت الاولى لـ(الدولة الاجنبية) التي حرّكت الثوار بشتى الطرق لتدمر ليبيا القذافي الجميلة. ولم يعجب انكلترا وكندا أن تكون مصر في عهد مبارك وأبنائه وعصابته قبلهما في الترتيب بالمؤشر الدولي للتنمية البشرية بسبب إخلاصهم في خدمة الوطن ومخافة أن يصبح لبن مبارك أطماع في رئاسة الولاية المتحدة الامريكية، قررت (الدولة الاجنبية) استباق الامور فحركت الشارع المصري بملايين من الاسباب ليخرج الشعب في مظاهرات مليونية لم تتوقف إلا بعد خلع السيئ الذكر ومحاولة محاكمته.
الأدهى والأمر من هذا كله هو ما نسمعه من المجلس العسكري الحاكم في مصر ومن بعده حكومته التي جاءت للحكم بفضل الثورة الشعبية المباركة؛ فمثلا بعد أحداث السفارة الاسرائلية والتي هي واحدة من أسباب الثورة المصرية سمعنا تصريحات تتهم (الدولة الاجنبية) باحداث الفوضى لانها لا تريد الخير لمصر. أليس الشعب المصري الذي خلع رئيسا محسوبا من الفراعنة هو وبطانته النتنة التي كونت دولة مستقلة في قلب مصر بقادر وحده على تحطيم بضع أمتار من سور يحمي سفارة الكيان الصهيوني وطرد السفير منها مدحورا؟ أو عندما يُعلن عن جُمع التذكير بمطالب الثورة وأن أسباب قيامها ما زالت موجودة نسمع أصواتا تتهم المتظاهرين بالعمالة لـ(الدولة الاجنبية)! الشعوب العربية كأي شعوب العالم ليست كراكيز ودمى تنتظر من يحركها، بل الظلم والقهر والفقر والفساد وتوريث المناصب وتذيُل جميع المؤشرات العالمية إلا مؤشر الفساد.. هو المحرك والدافع الوحيد ليثور الشعب على نظامه ولو إلى حين. فإن لم تستح أيها الناطق الرسمي بإسم الحكومة ورئيس الدولة فقل ما شئت.
محمد الزياني