«موت الكاتب» وسلطة اللغة في رواية «الوظيفة السابعة للغة»

تمتد الرواية عبر فاصل سردي لتفجر مسار حكاية تجمع عناصر العالم، مُبَرْمِجَةً أحداثا واقعية وفق ما تراه مناسبا للعالم، وهو يحاول أن يكتشف أسرار مسارات متعدّدة شكّلت في حينها «الحدث» هذا ما سوف تنغمس فيه رواية ّ»الوظيفة السابعة للغة/ من قتل رولان بارت؟» للوران بيني وترجمة محمد الجرطي.

اللغة خلخلةٌ لثبات العالم

تفترض الرّواية بالنسبة لمن يعرف بارت، جريمة القتل، بينما استقرّ الوعي الفرنسي والأدبي على العموم أنّ موت رولان بارت كان إثر حادث مرور، لكن العنوان الرّئيس جاء بمثابة إعلان نظري لاكتشاف لغوي وهو «الوظيفة السابعة للغة» وهنا أيضا تخلخل الرّواية ثابت الوظائف اللغوية الذي استقر عند الرّقم ستة. إنّ اللغة ليست الحروف التي تتركب عند مستويات معينة لتقدم دلالة ما، لكنّها – حسب لوران بيني – هي النّظام الذي يهزّ ثبات العالم، ومن هنا كانت خطورتها، ويتجلى ذلك عبر مسار الأحداث، التي تدور جلّها محاطة بخطرٍ ما يهدّد العالم. يهدّد حياة الشخوص، تصل مستويات الحدث إلى قصور السياسة والانتخابات، العلاقات الصّراعية بين الأدباء والمفكرين والنقاد، فاللغة انطلاقا من عالم السيميائيات رولان بارث وعالم اللسانيات رومان جاكوبسون، حيث يسلّم هذا الأخير مخطوطا يتضمّن الوظيفة السابعة للغة إلى الأول، تعني أنّ التناول العلمي للغة يكمن في «العلامة» التي تثيرها عبر انتقالها من المفردة إلى التركيب إلى الدّلالة.
تقوم أهمية «الوظيفة السّابعة للغة» في تثوير مسارات الرواية. تتداخل الأحداث بين الشخوص التي لا علاقة لها بعالم اللغة واللسانيات والمتخصّصين في ذلك، فالمحقّق في قتل بارت جاك بيارد يترافق حدثيا مع المتخصّص في السيميولوجيا سيمون هرتزوغ، الذي يفك العديد مما يجهله المحقق، وأثناء شرح الوظائف الستة، يباغت بيارد سيمون بسؤال الوظيفة السابعة؟ «يبتسم سيمون ببلاهة» لأنّ التوتر الذي تريد أن تخلّفه الرواية في وعي القارئ يتمثل في قلب الحقائق للوصول إلى مستوى من العلاقات الجديدة، تحرّر العالم من ثوابته المستقرّة، وهو فعل لا يقوم إلا على اللغة باعتبارها أداة التواصل وتجلية المفاهيم وخالقة العلامات.
لكن هل يمكن للعلامة أن تساهم بشكل مطلق في التأثير على العالم لإنتاج منظومة ثابتة قادرة على تسييره بدقة متناهية والتحكم في أسراره؟ تحيل الرّواية إلى «مقتل» بارت مذكّرة بأنّه: «أسرع رولان بارت الخطى دون أن يشعر بشيء في محيطه الخارجي.. هو الذي قضى حياته بكاملها في مطاردة العلامات» في مستوى معيّن من مسار الحدث، تجعل الرّواية من رولان بارت، في إحالة رمزية إلى «العلامة» حالة من حالات الاندماج في العالم، إلى درجة أنّه ينفصل فيه عن وظيفته الأساس وهي «الملاحظة» بمعنى أنّ العلامة في لحظة من الحركة، تُهمَل في العالم ولذلك يختفي العديد من الأسرار، وهو ما يؤكد أهمية اللغة باعتبارها العنصر الأساس المنتج للتوافق بين الأشياء، ولهذا على العقل ألا يقف عن التفكير في الوظائف المتجدّدة للغة باعتبارها منتجة للعلامات.

اللغة بين الأم والرواية

تبدأ الرّواية بهذه الجملة الدالة: «الحياة ليست رواية. على الأقل هذا ما تريدون الإيمان به. يسير رولان بارت صوب شارع ذي بيفر» ونعرف من خلال السياق أنّ رولان بارت ألقى درسا بعنوان «تهيئة الرواية». يتداخل في تلقي هذه الافتتاحية تقرير الراوي مع ما قام به بارت، فهل الراوي أم بارت، الذي قرر أن الحياة ليست رواية؟ لكن تتمة المقطع المتشكل من ثلاث جمل، تخبرنا أنّ بارت يسير في شارع، أي هناك حركة، والرواية في جوهرها هي هذه الحركة التي تقوم بها اللغة صوب العالم لتعيد صياغة المعنى فيه، أو تكشف عن هذا المعنى.
في قناعاتنا الوجودية نؤمن بالدور الذي نقوم به في الحياة تماما كما لو إنّنا على خشبة مسرح، ليس بإلغاء المعنى الوجودي/ الواقعي للحياة، لكن كمحاولة لتقريب الواقع من المتخيّل لسهولة فهمه وبالتالي، الوصول إلى معنى محتمل فيه.
رولان بارت، «توفيّت والدته التي كانت تربطه بها علاقات بروستية حميمة. والدرس الذي ألقاه في الكوليج دو فرانس، المعنون بـ«تهيئة الرواية» كان عديم الجدوى» الانفصال بين الذّات والموضوع، واقعا بين بارت وأمّه، ومعنويا بين الدرس والأستاذ. تمثل الأم العلاقة الأكثر حميمية التي تقود الإنسان إلى فهم العالم في مستوى من الدفء العاطفي، ولهذا نعود إلى أمّهاتنا لنستفسر عن معانٍ عدّة حتى لو كنّا على قدرٍ عالٍ من المعرفة، ذلك أنّ علاقة الأم بالعالم تميّزها التجربة، وما تقدّمه الأم من تجربة تحوزها الثقة في وعي الابن، ولهذا استخفّ بارت الحديث عن الرّواية لأنّه كان في مرحلة فقدٍ لأمّه، باعتبارها الرواية الواقعية لما يحدث. تثير الرواية هده الصراعية بين المتخيل والواقع في علاقة بارت بالأم باعتبارها الحبل الوجودي السري الذي يربطه بالعالم، والرواية باعتبارها الخطاب الذي تجري عليه معظم أبحاثه، للإحالة الدالة في القصدية المضمرة في الخطاب وهي اللغة، فالأم مصدر تعلم اللغة بالنّسبة للابن، والرواية هي فضاء اللغة، والقرب من الأم وعدم جدوى درس «تهيئة الرواية» يركّزان الدلالة والرمزية في أنّ «العلامة» تتحول وتتغير بمقدار وعي المتلقي لأهمية الرواية الكامنة في تغيّرها وفق تعدد مصادر الحدث في العالم، تماما كما هو الحال بالنسبة للأم التي تتحول في مسار الحضور/ الغياب، تحوّلا يُنتج انفعالات تستجيب فقط لقيمة الأم في واقع الابن، فموتها أيضا منتج لعواطف مختلفة على قدرٍ من الأهمية لا يمكن سوى للغة أن تقبض على بعض آثارها.

موت الكاتب انبثاق المواطن

تقدّم الرواية شكلا من أشكال الغموض والتشويق، عندما تعلن أنّه «حين تعرّض رولان بارت للدهس في يوم 25 فبراير/شباط 1980، كان قد خرج للتو بعد غداء مع فرانسوا ميتران في شارع بلانك مونتو». يفترض عنوان الرواية موت بارت مقتولا، وتتحرّك الشّخوص في هذا الاتجاه وفق منطق صراع ومواجهة تكشف في مسار قراءة الحدث أنّ فعل القتل لا يعني فقط التحقيق البوليسي، لكن يعني المجتمع الفرنسي برمّته، وضمن هذا السياق انبثق اللقاء بين موت بارت ومؤسّسة الرّئاسة – تداخل السياق الدلالي بين الأدبي (النص) والسياسي (المجتمع) – ليس لإثارة الشك في وعي القارئ بدورٍ لميتران في قتل بارت، لكن للإحالة إلى رمزية وعلامية ودلالة المثقف في هرمية المجتمع. تبني الرواية الأحداث المرافقة لموت بارت في مناخ انتخابات الرئاسة آنذاك، لتكثيف رمزية المثقف باعتباره «علامة» دالة، موتا أو حياة، ولعل إثارة موت المثقف في سياق الانتخابات الرئاسية، تحيل به الرواية إلى موضوعة «موت المؤلف» التي طرحها بارت ذاته، أي إنّ الحدث يخلقه المثقف في المجتمع الفرنسي، وإنّ «موت المؤلف» هو استمرارية للقارئ في مستوى آخر، أي إن القارئ للرّواية عليه أن يقوم بمهمة الحسم في قضية «قتل» المؤلف من عدمه، أي أنّ الرواية تعيد الحياة لبارت الكاتب من حيث إنّها تمنح قارئه سلطة تفكيك شيفرات الرواية التي اعتبر بارت الخوض في الحديث عنها في الكوليج دو فرانس بلا جدوى، لأنّ «موت الكاتب» التي قال بها أصبحت حقيقة واقعة بموته، فهل نظرية «موت الكاتب» تتحقق في انبثاق «المُواطن» على العموم الذي يخوض حراكه في المجتمع باعتباره «نصا» أو «رواية».

العلامة باعتبارها سند العالم

تنتهي الرّواية بهذا العبارة الموجّهة من سيمون إلى «السياسي البارز والفاسد البدين والمثقف» كما تصفه الرّواية: «أرأيت، أنّ اللسان، هو الذي كان يجب أن تقطعه لي» اللسان والقطع، عن طريق اللسان تُنْتَج الشّفاهة الدالة، رمزا وعلامة، ولأنّ النص يرتكز في جوهره على اللغة باعتبارها أساس إنتاج العلامة، فإنّ قطع الأداة اللسانية، يؤدّي بالضرورة إلى استعمال الإشارة كاستمرار لعملية التواصل، وبالتالي تُقفل الرواية على ما يؤكد عليه مسار السرد من صراع حدثي لإبراز أهمية اللغة، باعتبارها منتجة للعلامة في حركية العالم وتوالد معطياته السياسية والثقافية والمعرفية والاقتصادية.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية