موت المثقف !

حجم الخط
0

صلاح بوسريفما نزال في كثير من أوضاع المعرفة، نحتاج إلى ذلك النوع من القراءة الذي يَفْرِضُ علينا فهم الأشياء في سياقها، أو ما يمكن أن نطلق عليه بالمعنى الفقهي، أسبابَ نزولها.

المفاهيم، هي من أَعْوَصِ الأمور التي تَسْتَعْصِي على التحديد الحَدِّيِّ، أي على ترسيم معناها بشكل مطلق، كون المفهوم هو في أصله قابل، دائماً، للِتَوَسُّع والإضافة، كما أنه قابل للانقلاب على نفسه، لأنَّ المفهوم، ليس قائماً بذاته، فهو انعكاس لواقع، أو تمثيل لوضع ما. وما دام هذا الواقع مُتَحَرِّكاً وقابلاً للتَّغَيُّر، فلا يمكن لِمِرْآتِه أن تعكس غيـره، اللَّهُمَّ في حالة ‘الأيديولوجيا’ أو المناورات الديماغوجية التي تعمل على تقديم الشيء في غير ما هو عليه.

لا يوجد في العلوم الإنسانية مفهوماً ظلَّ صامداً خارج واقعه، أو في غيرها من العلوم، بما فيها العلوم الصِّرْفَة. فما حدث من ثورات في الفيزياء، مثلاً، كان له تأثيره في تغيير كثير من أوضاع المعرفة الإنسانية، وفي تغيير منظور ورؤية الإنسان للأشياء. المُطلق أو الكُلي، صار نسبياً، وصار للجزئيات دورها في تحديد معنى الشيء، أو في اختبار قدرته على تمثيل أو تعيين الظواهر. فالتاريخ، كان، في صورته التقليدية، لا يَدْرُس إلاَّ الأحداث الكبرى، أو يعتبرها هي الأساس في التأريخ لِما يحدث، ولم ينتبه المؤرخون لدور الأحداث أو المعطيات الجزئية، إلا بشكل متأخِّر، بما فيها دور المحيطات والبحار، في المعرفة بحقيقة كثير من الوقائع. هذا الانقلاب في مفهوم التاريخ، وفي دوره، كان له تأثير بالغ في إضاءة كثير مما كان إلى وقت قريب غير مُتاحٍ، أو مما لم يكن ذا أهمية في القراءة. يجري هذا على مفهوم ‘المثقف’ أو ما أصبح يُعْرَف بـ ‘موت المثقف’. ليس في هذا المعنى ما يشي بقتل المثقف، أو إلغاء وظيفته، أو وضعه خارج ما يجري، وهو الفهم الذي انطلى على بعض الذين يريدون تكريس أنفسهم أساتذة، أو أصحاب معرفة في القراءة وفي الفهم.

لا يعني ‘موت المثقف’ انتهاء دوره، أو قتله، ليحُلَّ محله غيره، ممن يمكنهم أن يقوموا بنفس دوره وعمله، أو وظيفته بالأحرى. هذا أمر يصعب تصوُّرُه، كون المثقف حَيٌّ لا يموت، وكونه، ليس شخصاً مادياً، فهو شخص معنوي، ومفهوم قابل للصيرورة، لأنه، ببساطة، لا يقبل الثبات، أو البقاء في نفس مربعات المعرفة التي صارت عند البعض تكريساً لمكتسبات لم يعد ممكناً استبدالُها، أو تعويضها بما ينفيها أو يتجاوزها.

في معنى ‘الموت’ هنا، إشارة إلى ما حدث من انقلابات في الوقائع والأحداث، وفي ما جرى من متغيِّرات، في مختلف مجالات المعرفة، وما حدث، أيضاً، في تداول المعارف وانتشارها، أو بالانتقال إلى ما أصبح يُعرف بـ ‘مجتمع المعرفة’. فالمثقف المنطوي على نفسه، وعلى معارفه، ذلك الذي يقيم في بيتٍ لا نوافذ فيه، ويكتفي بالنظر إلى السماء، دون غيرها، هذا هو المثقف الذي عَنَاهُ هذا المعنى، وهو المثقف الذي ما زال يرى في نفسه ‘داعيةً’ و قائداً، أو مالكاً لزمام المعرفة، التي يرى فيها ملكيةً خاصةً، ويرى في نفسه مصدر ومرجع هذه المعرفة، وهو الذي حَكَمَ على نفسه بالموت قبل أن يحكم عليه غيره. أليس الذين أطلقوا هذا المفهوم على المثقف، مثقفون هم أيضاً؟ أليس في استصدارهم لهذا ‘القرار’، ما يشي بوعيهم بانتفاء المعاني السابقة لمفهوم المثقف، وهي معان تقليدية، أو لم تعد تستجيب لما يجري على الأرض؟

الذين يسعون لإضفاء صفة الداعية والقائد، على المثقف، ما زالوا يَحِنُّون إلى الوظيفة الأيديولوجية دون غيرها، أي إلى وضع المثقف في سياق الحزب، أو في سياق السلطة، أعني في المعنى التقليدي لمن اعتدنا على تصنيفهم بأصحاب اليمين وأصحاب اليسار.

في الوضع المغربي، وهو نفسه ما ينطبق على واقعنا العربي، أؤكد، أن القراءة البعيدة عن هذا الحنين إلى الماضي، هي ما يجعلنا نفترض موتَ المسافة، أو انتفاءها، بين اليمين واليسار، أو بالأحرى، تشويشها، حيث لم يعد ممكناً تحديد الفرق، كون اليسار تنازل، وبسخاء، عن مطالبه، أو عن برنامجه، لصالح اليمين، الذي كان دائماً، يميل إلى السلطة، أو خادماً للسلطان.

المثقف اليوم، مُفْتَرَضٌ فيه أن يكون قوةً اقتراحيةً، واستقلالية المثقف، أعني حريته، هي ما يؤهل المثقف للقيام بدور طفل الإمبراطور، وليس بدور حاشية الإمبراطور التي كانت تُظهره لابساً، فيما هو يَرْفُلُ في عرائه.

موت المثقف، هنا هو أحد معاني موت بعض أدواره التقليدية، ومنها مفهوم الزعامة والقيادة. المثقف ليس زعيماً أو قائداً، كون مثل هذه المعاني تسيء للمثقف قبل أن تسيء لغيره، فدور المثقف، ووظيفته، أن يكون صاحب أفكار، أو مُبْتَدِعَ أفكار، وهذه الأفكار هي حاصل قراءاته، وعلاقته بمختلف المعارف، أي أن المثقف، وفق هذا المنظور، منخرط في قضايا المجتمع، ليس بغيره؛ الحزب أو الدولة، بل بذاته، بسلطته الرمزية.

في تَغَيُّر المفاهيم، وانقلابها، ما يُعَلِّمُنا باستمرار، أن نبقى ‘تلاميذ’ نستمع لمختلف التَّمَوُّجَات التي تحدث، وأن نتأملَّها بنوع من المساءلة، ونترك لمن يطمئن للأجوبة، أن يُقيم في عَسَلِها.

المثقف الحي، هو مشروع مساءلات لا تهدأ، هو من يُناوش باستمرار، ويعيد صياغة المفاهيم، وتوليفها وفق ما يجري من ‘مُحْدَثاتٍ’، وليس هو من ينظر للمُحْدَثات باعتبارها شَرّاً، أو أنَّ في انتقاد المثقف واتهامه، تُهْمَةً له كشخص مادي. الوعي النقدي، القلق، والمُتَسائِل، هو ما كان دائماً مِنْ صُوَر المثقف، بما عبَّر عنه المتنبي، بقوله ‘قَلِقٌ كأنَّ الرٍّيحَ تَحْتِي’. وضع الارتجاج، والاهتزاز، واللا اطِمِئْنَان، هي من سمات المثقف الذي يُدْرِك معنى الصيرورة، ويدرك باستمرار أنه في وضع المُتَعَلِّم الذي لا تستقر المعرفة عنده على المُكْتَسبَات، أو ما صار لديه من المُسَلَّمات.

بهذا المعنى نفهم ‘موت المثقف’، و بهذا المعنى جاءت الكتابات التي بدأت مع نيتشه بـ ‘موت الله’، لتصل إلى ‘موت الإنسان’. لنذهب إلى عمق المفاهيم، إلى خَلَجَاتِها، فالاستقرار عند ظاهرها هو من مواطن الخلل في قراءتنا، ومن التهويمات القاتلة التي تؤكد معنى الموت ولا تنفيه، خصوصاً إذا كان مَنْ يصدر عن مثل هذا النوع من القراءة العمياء، يرى في نفسه مثقفاً، ويسعى لإضفاء صفة الحياة على نفسه، فيما هو يحكم على نفسه بالموت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية