بعد سبع سنوات على صدور الترجمة العربية لكتاب «موت الناقد» لرونان ماكدونالد، بترجمة الناقد فخري صالح عن المركز القومي للترجمة/ القاهرة/ 2016، ما زال هناك الكثير من الأسئلة والتوصيفات التي تخصّ مراجعة وظيفة «الناقد» وطبيعة المآزق الثقافية والتاريخية العالقة بها، التي جعلت من فكرة موته المجازي مفتوحة على مقاربات، تخصّ إشكالية النقد المفهومية، على مستوى أطروحاته إزاء الأنماط المهيمنة في الغرب الرأسمالي، وعلى مستوى دقة المصطلح، وعلاقة ذلك بما تكرّس من صور ذهنية متعالية للناقد، بوصفه وجهاً للحكم المعياري ولسلطة الأكاديمية، وربما قناعا لفاعلية القارئ المتعالي، بقطع النظر عن الوظائف التي يؤديها، كونه ناقدا انطباعيا أو أيديولوجيا أو أدبيا، إذ تضع هذه الوظائف الناقد في سياق إنتاج «أحكام القيمة» أو «أحكام الفكرة» التي ظلت تفترض وجودها التداولي بين «جمهور محدد» معني باستهلاك ما تُنتجه الثقافة.
هذا الجمهور لم يعد كما كان! والخطاب النقدي لم يعد كما كان، لاسيما بعد الخرق النسقي الذي أحدثته أطروحات ما بعد الحداثة، التي فرضت وعيا مُفارقا لمفاهيم النص الأدبي، والنص النقدي، وضمن سياقات اقترحتها أطروحات الأنماط الحاكمة، ومنهجيات «القراءة التلقي» فضلا عن ما أفرزته الدراسات الثقافية والنقد الثقافي من معطيات انعكست على توصيفات الناقد، والسياق والقارئ، وحتى على مفهوم الجمال، وعلى تموضعه القديم ضمن «أسطورة الأدب الرفيع» كما سمّاها ساخرا علي الوردي..
الحديث عن «موت الناقد» موضوع إشكالي، لارتباطه بقضايا تخص موت «النمط» وأدواته التقليدية، مثلما تخصّ موت أطروحات الحداثة، التي باتت جزءا من الحديث عن أزمة أنساق هذا النقد، وعن الأخطار التي تحدق بخطابه، التي جعلها نيتشه تمثيلا لموت الإله الأخلاقي، ورولان بارت تمثيلا لموت المؤلف البورجوازي، وميشيل فوكو تمثيلا لموت إنسان الحداثة ومشروعه البنيوي، فضلا عما جعله تودوروف عنوانا صادما للحديث عن فكرة «الأدب في خطر» إزاء ما يتهدده من ثقافات استلابية. وهذا بطبيعة الحال يجعل من سؤال الموت وجوديا كان أم رمزيا باعثا على جدل المغايرة والاختلاف المفهومي حول هوية «الناقد» وحول فكرة «موته» بوصفها إعلانا عن موت ممارسة ثقافية باتت تحتاج إلى التجديد، وإلى التخلّص من نمطية عقدة «الناقد المسلكي» أو «الناقد الموظف» أو «الناقد الشارح» أو «الناقد الأكاديمي/ المدرسي» وحتى «الناقد النخبوي» وهذه توصيفات تتطلب – اليوم- كثيرا من المراجعة، ليس لصناعة «ناقد» آخر، له سطوة أو سلطة المواجهة، أو مواجهة التاريخ والنص حسب، بل الحاجة إلى الناقد «الرائي» الذي يملك القدرة على صناعة الخطاب المعادي للنمط والنظام التعليمي والسلطة والمؤسسة، بما فيها «مؤسسة الأكاديميا» وعلى نحوٍ يُزيح كثيرا من الأغطية والأوهام و»الصيانات» التي تعوّدت المؤسسة «الأنجلوسكسونية» على التمترس خلفها، مقابل ذلك إعطاء صناعة النص المُضاد «مساحة للتجاوز» ووعيا بالمغايرة، واستدعاء لفاعلية الناقد القارئ، أقصد «القارئ العمدة» بتوصيف ريفاتير..
يُثير الكتاب أسئلة حول قضايا ظلت ملتبسة أو نمطية مثل «حكم القيمة»
و«النص المعياري» في النقد، وعلاقة النقد بالسلطة، وعلاقة الناقد بالتاريخ، وربما علاقة الناقد بوصفه المعرفي بالتحولات الكبرى والفارقة، بدءا من أسئلة أطروحات مدرسة «برنكهام» حول الدراسات الثقافية، مرورا بـ»الثورة الطلابية 1968» وما أثارته من جدل نقدي عاصف للمؤسسة والنظام والسلطة، وانتهاء بأسئلة فنسنت ليتش حول «النقد الثقافي» وهي أسئلة خلخلت متعاليات «النقد» ووصاياه، وفروضه المنهجية والأكاديمية والحداثية، وجعلت من قضايا التجديد والمغايرة بواعث للتمرد على تاريخ طويل من الهيمنة، وانفتاحا على فضاءات المعرفة المجاورة، والنظر إلى النص الأدبي بوصفه مجالا ثقافيا..
أسئلة النقد وأسئلة السياسة
طبيعة تلك التحولات التي استغرقت «مؤسسة النقد» لم تكن بعيدة عن الصراع السياسي، ولا عن علاقتها بتقويض مفهوم «النخبة» و»سطوة الأكاديميا» والتحريض على استدعاء فاعلية «المؤلف» الذي غيبته «البنيوية» ليكون رائيا، وليواجه التاريخ بمزيد «الوعي الشقي» تلك التي تخصّ الوعي بأزمات الرأسمالية، والنظام الثقافي/ التعليمي، والعنف والعنصرية والأيديولوجيا والحرب الباردة، التي جعلت من «موت الناقد» وكأنه قربان لحيوات تحتاج إلى مزيد من التطهير والخلاص، والذهاب إلى «عنف المراجعة» أي مراجعة الوظائف، من خلال مراجعة التاريخ ذاته، والكشف عن «عيوبه النسقية» ولعل أطروحات التمرد عند فوكو شكّلت عتبات لتلك المراجعة، ولإعادة النظر بعلاقة المثقف بسلطة الخطاب، عبر مقاربة علاقاته الملتبسة بـ»سلطة المعرفة، وسلطة العقاب، وسلطة الجنس» وهي علاقات تفترض وجود آليات نقدية، وفاعليات تملك جرأة التعبير عن «كراهية السلطة» وعن «رثاثة الناقد» وعن ضيق أفق «المؤسسة الأكاديمية».
يتمحور هذا الكتاب حول سؤال جوهري، ما جدوى النقد؟ وهذا ما يعني افتراض وجود مراجعة تاريخية، ومقاربة لفاعلية النقد وأسئلة الناقد الذي يعمل على تلمّس محمولات النصوص، فهل يكتفي النقد بوظيفته المدرسية الأكاديمية، ليصبح «فعالية أكثر ديمقراطية وانتشارا، وأن لا يُترك بين أيدي الخبراء».
يتمحور هذا الكتاب حول سؤال جوهري، ما جدوى النقد؟ وهذا ما يعني افتراض وجود مراجعة تاريخية، ومقاربة لفاعلية النقد وأسئلة الناقد الذي يعمل على تلمّس محمولات النصوص، فهل يكتفي النقد بوظيفته المدرسية الأكاديمية، ليصبح «فعالية أكثر ديمقراطية وانتشارا، وأن لا يُترك بين أيدي الخبراء». هذه الاسئلة تقترح مراجعة الأطروحات النقدية، ومدى فاعليتها في تأمين قراءة نسقية للنصوص، ولعل أهمية ما أراد أن يُثيره المترجم فخري صالح- من خلال مقدمته المائزة – هو الكشف عن جدوى تلك الأطروحات، وعن قدرة الناقد على أن يكون خبيرا، أو فاعلا ثقافيا، أو أن يجعل من النص المقروء عالما يستدعي وعيا كاشفا وفاحصا، فهذا الناقد لا يشبه عارض الأفكار النظير لـ»عارض الأزياء» بل إنه الغائص في كينونة الجسد/ النص..
احتوى الكتاب على مقدمة، وأربعة فصول، تضمنت في فصلها الأول «قيمة النقد» عبر إجراء مقاربة لـ»تاريخية النقد» ومواجهة ما هو نمطي، ومراجعة تعالقاته بأطروحات قارّة ابتدأت مع ت. س. اليوت الذي طرد ما هو رومانسي ليحتفي بما هو ميتافيزيقي، ولم تنته عن أطروحات رولان بارت عن «موت المؤلف» التي جعل منها الروائي مارتن أيميس مجالا للتذكّر، ولتتبع تاريخ «التراجع» الذي واجهه النقد، بوصفه تعبيرا عن وجود أزمات عميقة في المجتمع، وعن تغيّرات فارقة، في النظر إلى القيم وإلى مفاهيم شائعة مثل الجمال والسياق والأنموذج، التي تتحوّل بالاستعمال إلى مفاهيم هيمنة، وإلى سلطة وقوة، ولأن طبيعة المجتمع الرأسمالي محكومة بقيم مضادة، تتمثلها قيم «الحداثة السائلة» كما يسميها زيغمونت باومان، حيث فرضت خطابها، وصراعها، عبر «حوارات» فاعلة، كشفت عن خطورة التحوّل في الذائقة العامة التي تمردت على ما هو ارستقراطي لصالح ما هو شعبوي وديمقراطي وحماسي ومعاد لـ»أشكال السلطة» ولنمطية الحصول على المعرفة والمعلومات، والمشاركة في نظام تعليمي لم يستجب للمتغيرات، فضلا عن ما يعنيه مفهوم «الموت» من تداخل مع خروقات أخرى، يمكن أن يصنعها «القارئ الحر» الساخط على الأيديولوجيا وعلى الرأسمالية، والذاهب إلى أقصى مغامرات الكشف والتأويل واستجلاب اللذة التي يصنع من خلال مدوناته الشخصية وأنماط حياته، عبر وسائل التواصل، أو عبر وجوده في مجال عام جديد وفاعل، وخاضع لنمط حياة مُعقّد يتعالق بالاستهلاك والبحث عن الإشباع الرمزي والوجودي
الناقد.. وظائفه وأسئلته
في الفصل الثاني سعى المؤلف إلى إبراز الطابع الإشكالي لوظائف الناقد، فبقدر ما يبدو الناقد وكأنه «الشخص الذي يبحث عن العيوب، أو يُكثر من التذمر، أو أن ينتقص من أفعال الآخرين، أو ينمُّ عليهم «، لكن ما مدى دقة وموضوعية هذه التوصيفات، التي تجعل من الوظيفة إجراءً تعسفيا، واندفاعا قصديا لاستحضار صورة ذهنية عن «الناقد المُعادي» التي تجعل من «موته المجازي» نوعا من الخلاص، وتطهيرا من الإثم، رغم أن تاريخ الفلسفة جعل النقد يؤدي وظائف تعليمية وتوجيهية، وهو ما تمثله النقاد القدامى هوراس وشيشرون عبر «القواعد والتقنيات والنصائح الموجهة إلى الكتّاب الصاعدين» فضلا عما أشار إليه أرسطو الذي قعّد للنقد، وجعله «معيارا في الحكم بصورة إيجابية، عمله الأساسي هو ملاحظة العناصر المتميزة في العمل التي ينبغي أن تثير البهجة في نفس القارئ الحصيف» وهو ما بدا واضحا في القرن الثامن عشر، إذ لعب النقد دور تنويريا في إشاعة وتوجيه روح الاقتناء والاستهلاك الثقافي مع نشوء طبقات جديدة قادرة على التلذذ بالبهجة الثقافية..
الرهان على القراء لا يعني أيّ موتٍ للآخر- المؤلف، الناقدت بقدر ما يعني توسيع مساحة الاستهلاك، وأحسبها توسيعا لمفهوم النقد ذاته، على أساس تحفيز ديمقراطية التلقي، وتخليص القارئ من فكرة الناقد الوصي والناقد الخبير والناقد المُعلّم، كما الحديث عن افتراض «موت الناقد» يعني موت مؤسسة النقد، وما يقف خلفه من مؤسسات تعليمية وأكاديمية، حيث سيكون التعلّم نوعا من الإشباع الرمزي والوظيفي، فضلا عن «تسكين» ما يتعالق به من التخصصات التي تُعنى بالنقد، بما فيها «الدراسات النقدية» وحتى الدراسات المعنية بـ»تحليل الخطاب» و»النقد الثقافي» وما تستدعيه الدراسات الثقافية من فواعل تمسّ علاقة النص بالعالم.
كتاب «موت الناقد» يكشف لنا عن احتجاج خفي ضد رثاثة النقد، وضعف ممارساته، وهيمنة النزعات التعليمية الوظيفية، وربما الشعبوية التي جعلت من الناقد أشبه بصانع الفخاخ الذي يرقب الأفكار والنصوص لكي يمارس معها لعبة الحطّاب الذي يحمل فأسه أكثر من روحه..
كاتب عراقي