موت عاموس عوز يعتبر خسارة لا تعوض؛ أولاً، لأن عوز كان أهم الكتاب في إسرائيل في تجسدها كفكرة صهيونية ثورية، الذي لا يكتفي فقط بصدى التاريخ اليهودي المتواصل، بل كان جريئاً إلى درجة أنه عرض إمكانيات وإشكاليات جديدة.
حاول في كتبه أن يناقش الأمراض القديمة وأشباح الماضي، لكن مجرد كونه الإسرائيلي الجميل الذي يثق بنفسه، مثل البديل، الذي عبر عنه أيضاً في كتاباته وفي سياسته: الإيمان الأساسي بقدرة اللغة على بناء عوالم واقعية وحقيقية، وفي أعقاب ذلك أيضاً التفاؤل المطلوب من أجل النضال على تشكيل الواقع السياسي العقلاني والأخلاقي والعادل أكثر. لن أنسى أبداً كيف أنني كطفلة متدينة زارت مع عائلتها المعرض الذي أقيم في الذكرى العاشرة لإقامة الدولة في مباني الأمة في القدس، تصادف وجودي من باب حب الاستطلاع في محاضرة لشاب جميل المظهر، ابن 19 سنة، سحرني عندما قام بنحت وتركيب كلمات مرتبة ومحسوبة الواحدة فوق الأخرى وكأنه يقوم ببناء جدار حدودي قوي، لا يمكن هزه في أي يوم من الأيام. لا أذكر بالطبع عم تحدث، وأشك في أنني فهمت ما قال، لكن مظهره وهو يقف على المنصة ويبني حلماً من الكلمات، كان واضحاً بدرجة لا مثيل لها. هذا شيء لا ينسى. للمرة الأولى وربما الأخيرة في حياتي، ظهر أمامي الجوهر الحقيقي لنبي ومفكر، وحتى بصفتي طفلة شعرت بذلك. وبعد سنوات عرفت أن هذا الشاب هو عاموس عوز. حسب رأيي، هو عبر عن الثورة.
ليس غريباً أن موته الآن يظهر للكثيرين كنهاية محزنة لما يبدو بأنه محاولة لأن ينشأ في إسرائيل واقع من العقلانية والعدالة. يبدو أن كل شخص عاقل يعرف أي جهنم تنتظرنا، إذا بقي الليكود واليمين بشكل عام في الحكم.
ربما حتى المستشار القانوني للحكومة ذاق في هذا الأسبوع شيئاً ما من الهجر التام الذي سيسود هنا، إذا سمح لبنيامين نتنياهو بالاستمرار في القيادة. مهاجمة مؤسسات الديمقراطية وجهود نزع الشرعية عن كل مراقبي السلطة ستتضاعف.
مع ذلك أحياناً يبدو أن انتقاد إسرائيل قد تجاوز مجال الحقيقة السياسية، وهو يتدهور الآن إلى أماكن أسطورية من اليأس المطلق والتصميم على عدم القدرة على تغيير وإصلاح الواقع. قد يكون سبب ذلك هو أن نبوءات الغضب تجاوزت منذ زمن تعريف الخوف السياسي المنطقي، وانتقلت إلى مجال الذعر، الذي كثير في أوساط معارضي اليمين كفوا عن الإيمان بأن المسألة الواجب النضال من أجلها هي سياسية ووطنية فقط. بالنسبة لهم إن ما هو موضوع على كفة الميزان لا يمكن تلخيصه بجهد ديمقراطي عادي لتغيير نظام الحكم، بل يحتاج مقاربة أيديولوجية وحتى ميثافيزيقية كبيرة ومصيرية أكثر بكثير تقول إنه يجب استبدال وتغيير بشكل عام طابع دولة إسرائيل. لذلك، فإن عزل نتنياهو ونقل الحكم إلى أشخاص معقولين ويحافظون على القانون ويتمسكون بقيم الديمقراطية، ببساطة لم يعد كافياً. والأكثر مصداقية هو اليأس. لحسن الحظ، عاموس عوز لم يفكر بهذا الشكل، لقد عرف أن التحدي التاريخي الأكبر لإسرائيل هو إنهاء الاحتلال، والحل الطبيعي المعقول والأمن والعادل للصراع مع الفلسطينيين يقتضي دولتين للشعبين. ولكن من أجل الوصول إليه يجب الإيمان أولاً بإمكانية إعادة إسرائيل الحالية إلى مسار العقلانية، والوسيلة لذلك هي تغيير نظام الحكم ووضعه في أيدي من يوجد عنده الاحتمال الأكبر لإزاحة اليمين ونتنياهو، وليكن من يكون.
تسفيا غرينفيلد
هآرتس ـ 31/12/2018