موت مؤجل: مرثية السينما الفلسطينية للطفولة المعذبة!

كعادتها لم تحاول المخرجة الفلسطينية امتياز المغربي، تجميل الواقع المأساوي، ربما لأنها تعتبر التجميل في غير محله محض خيانة للقضية، أو أنه نوع من التواطؤ، حيث لا تحتمل عملية الرصد السينمائي، التزييف أو إخفاء الحقائق التي تنطوي على تفاصيل إنسانية مؤلمة.
في فيلمها التسجيلي القصير «موت مؤجل» الذي تقع أحداثة في نحو 15 دقيقة تقريباً، يُفتح الكادر السينمائي على صورة أب مكلوم يحكي مأساة ابنه الذي لم يتجاوز عمره العشرة أعوام، وبينما هو يسرد تفاصيل المأساة تقطع المخرجة على صورة أخرى لسيارة إسعاف يعلو صوتها في ما يشبه التنبيه أو الإنذار من تكرار الحالة الخاصة بالطفل التعيس، الذي انفجرت فيه قنبلة وهو يلعب بها غير مُدرك للخطر الذي بين يديه.
قبل التأكد من نوع الإصابة تعود الكاميرا إلى الأب ليستمر في السرد، مُعرجاً في حديثة على رأي الطبيب الذي أنبأه بالحقيقة المرة، إذ قال الطبيب بوضوح إن احتمال بقاء الطفل على قيد الحياة لا يتعدى العشرة في المئة، بينما للموت الرقم الأكبر في النسبة والتناسب، وهنا تتحول الكاميرا إلى صورة الأم ليزداد الأمل قليلاً في أن يُكتب للطفل عمر جديد، وتبدأ عملية التدقيق في المأساة على امتداد الزمن التسجيلي للأحداث الحية، إذ تُكمل الأم ما انقطع من حديث الأب حول المصيبة التي حلت بابنهما الصغير وهو لا يزال غُصناً أخضر، يستقبل الحياة ببراءة الأطفال، ويحلم كما يحلم أقرانه بلعبة جميلة مُهداة له في العيد، وثوب جديد، ونزهة في حدائق الزيتون، وتلك الأرجوحة التي تطير به إلى أعلى فيطير معها فرحاً. لم تخرج رغبات الطفل عن مُعطيات الفرح البسيطة، لكن واقعه صار قاسياً بعد اغتيال أحلامه، وهو البريء ضحية الاحتلال، الذي زرع الموت في كل شبر في الأراضي المحتلة، فمن لم يمت مغدوراً بالرصاص، أصابته شظايا القنابل المزروعة فوق المُسطحات الخضراء، فبات عاجزاً مسجوناً في عجزه، ينتظر الموت المؤجل إلى حين، ولعله العنوان القاسي الذي اختارته المخرجة عامدة إلى وخز الضمائر النائمة لتستفيق، فالموت في البقاع الفلسطينية المُحتلة ما بين مؤجل ومُحقق بالفعل، لا فرق بين من مات ومن ينتظر!

وفي مشاهد عابره لا تتعدى الثواني، يُشهر الأطفال الفلسطينيون على الجانب الآخر من الصورة ابتساماتهم في تحد غير مبالين بالخطر الذي يعيشون فيه، وهنا نقرأ المعنى الآخر لفيلم «الموت المؤجل» حيث تتبدد الصورة المأساوية القاتمة أمام ابتسامات الطفولة، التي تستشرف واقعاً أفضل.

تترك امتياز المغربي للكاميرا حرية الحركة في تسجيل ما يصادفها من آيات القلق والرعب بين البيوت، وفي قلب المزارع، وتحت عجلات الدبابات، وفوق الأعلام الصهيونية الزرقاء، تُعطي للصورة السينمائية حريتها لتُرسل الإشارات البليغة بغير تعليق أو صوت، اللهم غير صوت الطفل وكلامه المُفسر للمحنة، تضعه امتياز في خلفية المشهد ليُكمل المعنى، وبين لحظة وأخرى تظهر الصور الأرشيفية في عمق الكادر للدبابات وهي تسير مزلزلة الأرض من تحت أقدام الرهائن المُحتجزين بالقوة خلف الأبواب المُغلقة في البيوت المُحاصرة.

وفي مشاهد عابره لا تتعدى الثواني، يُشهر الأطفال الفلسطينيون على الجانب الآخر من الصورة ابتساماتهم في تحد غير مبالين بالخطر الذي يعيشون فيه، وهنا نقرأ المعنى الآخر لفيلم «الموت المؤجل» حيث تتبدد الصورة المأساوية القاتمة أمام ابتسامات الطفولة، التي تستشرف واقعاً أفضل، وترسم صوراً للحمام واليمام وطيور النورس والمراكب الشراعية والشمس الساطعة فوق رؤوسهم، تماماً مثلما يفعل الطفل «قتيبة» الذي نجا من الموت بأعجوبة، وعاد ليمارس هوايته المُفضلة في الرسم، مُغطياً كفيه المُصابتين اللتين يراهما بتشبيهه العفوي الصريح كأيدي العجائز من كبار السن، فلا يؤلمه غير شكل يديه اللتين صارتا على غير هيئتهما الأولى.
تلك نقطة الفصل المحورية في مأساة «قتيبة» الصغير الذي يمارس حياته بشكل طبيعي، لكنه يتألم من شكل يديه، وهو بعد النجاة من الموت يُعد أقل الضرر، بيد أن الرؤية السينمائية التسجيلية لامتياز المغربي لم تشأ أن تغفل هذه الغُصة في قلب الطفل، فتفصلها عن مأساته وحياته وواقعه الجديد الذي يعيشه على مضض، لكنها أبت إلا أن تسجلها لتكون الرؤية صادقة وشاملة، ولا مجال للتشكيك فيها، وتلك طبيعة السينما التسجيلية التي ترى فيها المخرجة مُتنفساً لآرائها وتحقيقاً لدورها كمواطنة فلسطينية مُبدعة تطلع بكشف الحقائق وفضح الممارسات الصهيونية العدائية تجاه الكبار والصغار بغير استثناء لضعيف أو مريض أو شيخ أو طفل!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية