اشتعل الحديث عن الثورة السورية وانتعشت آمال المقاتلين المعارضين بتحقق تقدم ضد قوات النظام لأمرين، الأول هو المعارك التي جرت في ريف كل من حماة واللاذقية والثاني مقتل عبد الباسط الساروت، منشد الثورة ولاعب كرة القدم المعروف والذي قتل في معركة قوات النظام في تل الملح، يوم الثامن من حزيران (يونيو) 2019. وأحيا استشهاده منابر التواصل الاجتماعي رغم شكوى بعض مستخدمي فيسبوك ويوتيوب من تحديد منشوراتهم فقط لأنها استخدمت كلمة “الشهيد” في البيانات التي نشرت على صفحاتهم.
وكان الساروت (27 عاما) قد صعد في صفوف المعارضين للنظام منذ بداية الاحتجاجات عام 2011 حيث كان نجما في نادي الكرامة بحمص ولاعبا في منتخب الشباب الوطني. وعندما شارك في التظاهرات المطالبة برحيل نظام الأسد صنفه النظام كخائن وتبرأ منه ناديه السابق، خاصة عندما قاد وحدة من المقاتلين ضد النظام ونجا من حصار حمص. ووضع نظام دمشق مكافأة لمن يقبض عليه. وظل حتى وفاته رمزا و “منشد الثورة ” و”حارسها” في توقيع على موهبته في كرة القدم. وتركت وفاته أسئلة حول مسار الثورة، هل انتهت أم أنها ماضية؟ فقد رأى كثيرون في رحيله دفعة للمقاتلين الذين عانت حظوظهم في الفترة الماضية من التراجع وسط غياب ثورتهم عن الرأي العام بسبب الأحداث المتتابعة في المنطقة من مذبحة السودان الأسبوع الماضي إلى مخاوف اندلاع حرب جديدة في منطقة الخليج ما منح النظام فرصة للتركيز على ما تبقى من معاقل للمقاتلين في إدلب والجيوب الأخرى في حماة وحلب. وسخنت جبهة شمال- غرب سوريا منذ نيسان (إبريل) حيث قتل أكثر من 300 شخص ونزح 300.000 نتيجة لتقدم قوات النظام في جيوب المقاتلين.
قصة الثورة
وعلى العموم تمثل قصة الساروت الثورة السورية في براءتها الباحثة عن الكرامة والحرية والعدالة وما تبع ذلك من انقسامات ودخول أيديولوجيات خربت صورتها سواء بفعل النظام أم لخلافات الرفاق. وكان الساروت ممن دعوا إلى وحدة صفوف المقاتلين والتركيز على الهدف الرئيسي. ودفعه الخروج مع المقاتلين من حمص عام 2014 وهزيمتهم للتشدد مع أنه لم ينتم أبدا لجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) أو تنظيم “الدولة الإسلامية”. ويرى آرون لوند من “سينتشري فاونديشن” أن الساروت ظل مسكونا بهاجس القتال والدفاع عن مدينته حمص ثم سوريا. وفي الوقت الذي تناول فيه الكثيرون إرثه في الثورة إلا أنه كما جاء في تقرير للجزيرة الإنكليزية (12/6/2019) كان تجسيدا للطبيعة الاجتماعية وتحولات الثورة التي انضم إليها مبكرا، وراوح بين التسامح والغضب. ففي شريط فيديو ظهر مع الممثلة فدوى سليمان، المعارضة العلوية داعيا للتعايش. ولكنه كما يرى نيكولاس هيراس الزميل في مركز الأمن الأمريكي الجديد يمثل فشل الثورة السورية في تقديم رؤية شاملة لمرحلة ما بعد النزاع. ورغم أنه ترك إرثا مثيرا للجدل إلا ان أصدقاءه والمعجبين به نعوه ورثوه بطريقة تشي بأنه “نهاية الثورة” كما تحدث أحدهم إلى موقع “الجزيرة” الإنكليزية.
إدلب الملف المستمر
لكن الثورة لم تمت بعد والنزاع مستمر خاصة أن معقل المقاتلين الذي يعيش فيه أكثر من ثلاثة ملايين نسمة بات تحت سيطرة الجماعة الجهادية “هيئة تحرير الشام” وأصبحت إدلب محلا للتجادل بين القوى اللاعبة في سوريا. فالنظام يريد استعادتها ولكنه لا يستطيع عمل هذا بدون دعم روسي من الجو وقوات على الأرض من إيران وحزب الله، المنشغل كل منهما بمشاكله الخاصة. وفي قلب “مشكلة إدلب” التعاون الروسي- التركي حيث تم التوصل في منتجع سوتشي في ايلول (سبتمبر) 2018 لاتفاق بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان منع هجوما شاملا على المحافظة. والمعضلة التي تواجه تركيا اليوم أن الاتفاق الموقع يتعرض لضغوط بشكل يقتضي منها عمل المزيد، كما لا يمكن تحييد الجماعات الجهادية بدون كلفة بشرية وسياسية. وأشار تقرير لمجموعة الأزمات الدولية في بروكسل نشر في نيسان (إبريل) الماضي إلى المشكلة التي تواجه تركيا تحديدا، فهي تحت ضغوط لزيادة الدوريات العسكرية وتوسيع المناطق المنزوعة السلاح في إدلب من أجل تحييد مسلحيها. ورغم انتماء هيئة تحرير الشام للفكر الجهادي الذي تعبر عنه القاعدة، إلا أنها كتنظيم “الدولة” استثمرت في حكم “إسلامي” محلي في المحافظة واضطرت في بعض الأحيان لتفاهمات مع تركيا تخالف مسلماتها الجهادية. وفي إدلب تنوعات جهادية ذات طموحات عالمية لكنها في الوقت الحالي تخضع لهيئة تحرير الشام التي أحكمت سيطرتها على المحافظة في كانون الثاني (يناير) هذا العام. ويبدو أن الهيئة تعرف حجم التحديات التي تواجهها وعدم قدرتها على تحقيق نصر عسكري على النظام، وهذا يفسر تركيزها على الأعمال اليومية للمحافظة. وبالنسبة للاعبين الآخرين وبعيدا عن مشاكل إيران وحزب الله، فروسيا صاحبة القرار التي تركز في الفترة الحالية على إقناع القوى الإقليمية والدولية الاستثمار في إعادة إعمار سوريا، غير راغبة بمعركة ذات ثمن باهظ وتترك آثارها على علاقتها مع تركيا. وستظل إدلب مشكلة للنظام والقوى الراعية له وللمقاتلين، خاصة أنقرة ولن تنفع الحلول الوقتية مثل محاولة تجنب المواجهة العسكرية وزيادة تركيا من جهودها وفتح الطرق السريعة التي تربط العاصمة بالمدن الرئيسية والتي تمر بالمحافظة مثل أم فور وأم فايف وربما كان فتح الطريقين كافيا بالنسبة لروسيا في المرحلة الحالية عوضا عن التقدم لمركز إدلب. ولاحظ تقرير في موقع “المونتيور” (11/6/2019) أن التطورات الميدانية تعطي صورة عن التحركات الدبلوماسية، فتحرك قوات مدعومة من تركيا إلى تل رفعت يعني مقايضة روسية مع أنقرة مقابل إدلب. كما ان تعرض نقاط مراقبة تركية في محيط المحافظة لضربات من النظام السوري وعدم الرد التركي والاكتفاء بالتعزيز والحماية يؤكد هذا السيناريو التبادلي. ومع ذلك تحاول روسيا وتركيا الحفاظ على خط التواصل بينهما وألا تؤثر الأحداث الميدانية على اتفاق سوتشي ولا صفقة منظومة الصواريخ أس- 400. وفي تقرير لـ “ميدل إيست آي” (13/6/2019) نفى المسؤولون الأتراك التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين المعارضة والنظام السوري رغم التصريحات القادمة من الكرملين عن جهود في هذا الاتجاه. وفي الوقت الحالي تحاول روسيا تجنب تكرار ما حدث في حلب الشرقية والغوطة الشرقية والقنيطرة، ولهذا حددت من أهدافها في إدلب حفاظا على روحية سوتشي، مع أن التطورات على الأرض تشي بأن الاتفاق لم يعد مهما. وبالنسبة لتركيا فوقف إطلاق للنار مفيد لها من أجل إدارة المنطقة العازلة أو مثلث جرابلس- أعزاز – الباب. ولم تحقق تركيا بعد المهمة في فصل الجهاديين عن المقاتلين، فالتحالفات الآنية تحدث دائما، فقد شاركت فصائل من الجيش الوطني السوري والجبهة الوطنية للتحرير المدعومان من تركيا إلى جانب فصائل من هيئة تحرير الشام وحراس الدين والمهاجرين والأنصار والجيش الإسلامي التركستاني لمواجهة هجمات النظام التي لم تتوقف منذ الشهر الماضي. وتبدو الصورة هلامية وغامضة على جانب النظام الذي بات هو الآخر يستعين بمقاتلين من الفصائل المعارضة الذين أجروا تسويات مصالحة معه في الأعوام الماضية، بعضهم من محافظات الجنوب السوري، خاصة درعا ودمشق والقنيطرة، والعض من محافظة حمص في وسط سوريا.
مقاتلو التسويات
وأشار موقع “المونيتور” (13/6/2019) إلى أن النظام جند آلاف المقاتلين من فصائل الجيش السوري الحر الذين أجروا مصالحات وتسويات معه وفي المناطق التي خرجت منها المعارضة في الغوطة الشرقية في ريف دمشق وفي محافظات درعا والقنيطرة وحمص خلال عامي 2017 و2018. وجاء في التقرير أن مقاتلي التسويات شاركوا منذ بداية المعارك في جنوب محافظة إدلب في 6 أيار/مايو الماضي في المعارك، وسقط عدد من القتلى في صفوفهم بعد أيام قليلة من بدء المعارك، وتسلم أهالي القتلى في محافظة القنيطرة ومن دوما في الغوطة الشرقية في الذين قتلوا أثناء المعارك في ريف حماة. وسقط آخرون من الرستن في ريف حمص. وخسر لواء القدس التابع إلى قوّات النظام عدداً من عناصره في معارك ريف حماة، ومن بينهم عناصر سابقة في الجيش السوري الحر. وكان لواء القدس قد جند في عامي 2018 و2019 أكثر من 150 مقاتلا من مقاتلي المصالحات في دمشق والغوطة الشرقية في صفوفه.
عودة الصنم
وحقيقة انخراط المقاتلين السابقين، طوعا أو كرها هي دليل آخر على النهايات الحزينة للثورة والتي عبر عنها مقال في مجلة “ذا أتلانتك” (7/6/2019) أشار فيه لعودة تماثيل حافظ الأسد وابنه باسل إلى مراكز المدن التي استعادها النظام، خاصة في درعا التي اشتعلت منها الثورة. ومجرد عودتها تؤشر حسب كاتب المقال إلى سخرية النظام من المعارضة التي قام بتدميرها بطريقة وحشية.
ففي بداية آذار (مارس) أعيد تمثال حافظ الأسد البرونزي إلى درعا وإن بحراسة مشددة. وتم نصب النسخة الجديدة منه في آذار (مارس) أي قبل أيام من الذكرى الثامنة للثورة ضد ابنه بشار عام 2011. و”بدا حافظ في التمثال شابا، إلا أنه عبر عن شخص لا يمكن تدميره، وهو نصف بشر ونصف حجر ينظر ببرود وعزم، ويداه تربتان على طفلين منبهرين يحملان سنابل من القمح الذي يعد المحصول الرئيسي في محافظة درعا”. وتؤكد عودة التماثيل في درعا ودير الزور وغيرها لعودة “العائلة” التي حكمت سوريا كمزرعة لها منذ خمسة عقود “وسيظل كذلك طالما ظل الأمر متعلقا بعائلة الأسد، وكان شعار (الأسد أو نحرق البلد) هو شعار جداري كتبه الموالون للنظام على جدران البيوت المدمرة والأحياء المنهوبة وفي المدن التي استعيدت من المعارضة منذ عام 2012″. و”يتكرر المشهد ذاته الآن في المعقل الأخير للتمرد وهو إدلب، والشعار هو (لو كان ثمن حماية عائلة الأسد هو تدمير كامل البلد فليكن ذلك) فالشعارات، والآن التماثيل، هي تذكير بهذا المنطق الوحشي بطريقة فجة وصارخة”. وفي النهاية تشي عودة تماثيل حافظ وخليفته باسل الذي مات بحادث سيارة ويافطات صور ابنه بشار الحاكم الحالي إلى: “طريقة عائلة الأسد لإخبار المجتمعات التي تمردت يوما بأن أي مقاومة أخرى ستكون عبثية، وعودة التماثيل هي رسالة تؤكد انتصار عائلة الأسد رغم الثمن الباهظ: نصف مليون أو يزيد من الضحايا، ودمار هائل، وتشريد السكان، واقتصاد في حالة مزرية، وبلد خرب ومجتمع مهشم، وكذلك نظام لا يستطيع النجاة بدون دعم الرعاة الأجانب مثل إيران وروسيا.