لندن ـ «القدس العربي»-وكالات: خلصت دراسة جديدة إلى أن التغير المناخي أدى لارتفاع حالات الوفاة بسبب الحرارة بواقع ثلاثة أضعاف في المدن الأوروبية الكبرى، خلال موجة الحر الشديدة التي بدأت أواخر حزيران/يونيو الماضي واستمرت الشهر الجاري. وعادت موجة القيظ هذا الصيف لتضرب عددا من الدول الأوروبية حيث تجاوزت درجات الحرارة الأربعين مئوية في جنوب فرنسا واقتربت من هذا المستوى في ألمانيا. وسجّلت بلجيكا بدورها 35 درجة، فيما شهدت هولندا أولى أيام القيظ هذه السنة مع درجات حرارة تخطّت العشرين ليلا. واضطرت هذا العام عدد من المدن الأوروبية إلى إغلاق المدارس ومؤسسات عمومية أخرى.
وقام الباحثون من المملكة المتحدة والدنمارك وهولندا وسويسرا بتحليل أحوال الطقس في 12 مدينة أوروبية ما بين 23 حزيران/يونيو الماضي والثاني من تموز/يوليو الجاري.
وقدر الباحثون أن نحو 2300 شخص لقوا حتفهم لأسباب تتعلق بالحرارة خلال فترة الـ10 أيام، ويرجع نحو ثلثي حالات الوفاة-أي نحو 1500 حالة- إلى التغير المناخي.
وقد أثرت موجة الحر الأخيرة على الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة والأشخاص الأكبر سنا. ووفقا للفريق البحثي، فإن 88 في المئة من حالات الوفاة التي تم حصرها كانت بين الأشخاص الذين يبلغون من العمر 65 عاما وأكثر. موجة القيظ، طرحت أسئلة متجددة بشأن الاحتباس الحراري ودور النشاط البشري في التغير المناخي لكوكب الأرض.
الظاهرة لم تعد جديدة ولا مفاجئة بسبب التغير المناخي ودور الاحتباس الحراري بعد عقود من الاستعمال المفرط للطاقات الأحفورية. غير أن الجديد هو عدم انتظام الفصول التي ترتفع فيها درجات الحرارة، إضافة إلى تطرف الظواهر المناخية بكل أشكالها سواء تعلق الأمر بالأمطار والسيول والعواصف أو بالحرارة المفرطة. ورغم ذلك فإن النظريات المشككة التي تضرب بعرض الحائط كل الدراسات العلمية الجادة بهذا الشأن، تنتشر كالنار في الهشيم.
الخبراء يُرجعون الارتفاع المتكرر والشديد في الحرارة إلى زيادة تراكم الغازات الدفينة في الغلاف الجوي والتي تؤدي إلى احتباس الحرارة وتغير أنماط الطقس العالمية. تبرز هذه الظواهر كدليل علمي على التفاعل المستمر بين النشاط البشري والبيئة، ما يحتم ضرورة التكيف وتقليل الآثار السلبية على المجتمعات والأنظمة البيئية. وبهذا الصدد كتبت صحيفة «داغينز نيهيتر» الليبرالية السويدية في 2 تموز/يوليو الجاري، معلقة بأن «الحرارة الشديدة تبسط سيطرتها على أجزاء واسعة من أوروبا. وأكثر الفئات تضرراً هم كبار السن، والأطفال الصغار، والنساء الحوامل، والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة. وبالمناسبة، أليس من المرهق رؤية ردود الفعل في وسائل التواصل الاجتماعي على التغطية الإعلامية لموجة الحر الشديدة؟ هناك من يقلل باستمرار من أهمية دور التغير المناخي في الظواهر الجوية المتطرفة التي نعيشها عاماً بعد عام. يمكن للمرء أن يتساءل عن هدف وأغراض أولئك الذين لا يريدون الشعور بالعلاقة بين التغير المناخي والحرارة الشديدة».
وفي هذا السياق كتب موقع «إر.إن.دي» الألماني في 2 تموز/يوليو الجاري محذرا: «أمر واحد يجب أن يكون واضحًا أمام أعيننا، عندما يتصبب العرق من جباهنا هذا الصيف ونهرب بحثا عن الظل بسبب حرارة تبلغ 39 درجة، لأن الشمس بدأت تحرق الجلد تدريجيًا، وعندما يحيط بنا لهب الجو وتُخنق أنفاسنا، فإنها حرارة غير طبيعية. إنها تذكير خطير بأننا نفشل فشلًا ذريعًا في حماية المناخ. سيقول البعض الآن: «كانت هناك أيام حارة كهذه في الماضي أيضًا». هذا صحيح! لكن في الماضي، كانت تلك الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة لا تتعدى أصابع اليد. أما اليوم، فقد أصبحت الثلاثون درجة هي الوضع الطبيعي الجديد في فصل الصيف. ففي العام الماضي، كان متوسط عدد الأيام التي تم تسجيل مثل هذه الدرجات أو أعلى في ألمانيا حوالي 12.5 يومًا».
إنذار آخر
لا شك أن موجات الحر، ظاهرة ناتجة في أصلها عن دورات مناخية طبيعية، فكوكب الأرض يتبع فصولا مختلفة وبالتالي درجات الحرارة تتغير وفقا لموقعه ومدى قربه أو ابتعاده من الشمس. غير أن السؤال الأهم الذي يثير جدلا لا ينتهي، يدور حول ما إذا كانت التغيرات المناخية تجعل موجات الحر أكثر شدة وتكرارًا، بحكم النشاط البشري وما يسببه من انبعاثات الاحتباس الحراري، التي تؤدي بدورها إلى رفع درجات الحرارة بشكل مطرد، فتصبح الظروف مناسبة لحدوث موجات حرٍّ أطول وأشد بتداعيات بيئية واقتصادية وبشرية هائلة. هذه ليست فقط زيادة طبيعية بسيطة، بل تغيرات غير مسبوقة مقارنةً بالفترات التاريخية الماضية. وبالتالي يتعين على كل الدول العمل على تحقيق أهدافها المناخية كما أقرت ذلك الأمم المتحدة، بل إن ذلك قد لا يتعارض مع الحفاظ على مستوى الرفاهية في الدول المعنية.
تداعيات قاتلة على صحة الإنسان
يجمع خبراء الصحة بوجود علاقة وثيقة بين موجات الحر وصحة الإنسان، خاصةً فيما يتعلق بزيادة مخاطر النوبات القلبية والحوادث الصحية الخطيرة الأخرى. فعند التعرض لحرارة مرتفعة لفترات طويلة، قد ترتفع درجة حرارة الجسم بشكل كبير، ما يسبب إجهادا حراريا وبالتالي فقدان السوائل بسرعة عبر التعرق، وقد يصل الأمر إلى جفاف الجسم. هذا الوضع يسبب ضغطا إضافيا على القلب، فللحفاظ على تبريد الجسم، يعمل القلب بشكل أسرع لضخ الدم إلى الأعضاء الأخرى، وهذا يضع عبئًا إضافيًا على الجهاز القلبي. الحرارة المرتفعة يمكنها أيضا أن تزيد من لزوجة الدم، مما يرفع احتمال تكون جلطات دموية قد تؤدي إلى نوبات قلبية. كما تؤثر الحرارة على ضغط الدم وقد تتسبب في اضطرابات نبضات القلب. وبالتالي فإن الأشخاص الذين يعانون من أمراض قلبية مزمنة يكونون أكثر عرضة للإصابة بنوبة قلبية خلال موجات الحر. وبسبب الجفاف وانخفاض ضغط الدم الناتج عن التعرق الزائد، قد يعاني البعض من دوار أو إغماء. وللوقاية من هذه الأعراض يُنصح بشرب كميات كافية من الماء والبقاء في أماكن مكيفة أو باردة وكذلك تجنب النشاط البدني المكثف في أوقات الذروة الحرارية. ويُنصح أيضا بمراقبة الأشخاص الأكثر عرضة مثل كبار السن المصابين بأمراض مزمنة.
وبهذا الصدد أجرى موقع «شبيغل» الألماني في 3 تموز/يوليو الجاري حواراً مع طبيب الأعصاب فلوريان راكرز أثار فيه ما أسماه بـ«طقس السكتة الدماغية» حيث رصد في بعض الأيام زيادة لافتة لحالات السكتة الدماغية في المستشفيات. وبعدها قرر إجراء دراسة حول الموضوع. وإضافة لكونه أخصائي في طب الأعصاب، يعمل راكرز في المستشفى الجامعي في مدينة ينا (شرق)، حيث يشرف على دراسات بحثية حول تأثيرات البيئة على الأمراض العصبية مثل السكتة الدماغية والصرع. وأوضح راكرز أنه «في مجال علم الأعصاب، على سبيل المثال، يمكن أن تحدث نوبة صداع نصفي أو في بعض الحالات أيضًا شلل في الوجه. في حالة الصداع النصفي، غالبًا ما يُنظر بسخرية إلى علاقة ذلك بالطقس. لكن ارتفاع نسبة الرطوبة في الهواء وانخفاض الضغط الجوي يمكنهما زيادة الخطر حتى من الإصابة بنوبة صرع. وقد أجرينا دراسة حول هذا الموضوع أيضًا. فحصنا أكثر من 600 مريض دخلوا إلى عيادتنا بسبب نوبة صرع بدون وجود محفز واضح. وكشفت دراستنا أن ارتفاع نسبة الرطوبة إلى أكثر من 80 في المئة يزيد من خطر الإصابة بنوبة بنسبة تقارب 50 في المئة. لكن بالطبع، الطقس ليس العامل الوحيد المسبب للأمراض. فغالبًا ما توجد استعدادات وراثية، وتوجد دائمًا تقريبًا عوامل خطر أخرى. ويكون الطقس عندها كالقطرة التي تفيض الكأس».
انبعاث غازات حرارية
اقترحت المفوضية الأوروبية في 2 تموز/يوليو خفضا جديدا ملزما بنسبة 90 في المئة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2040، بالمقارنة مع مستويات عام 1990، بينما كشفت عن هدفها المناخي الجديد للاتحاد الأوروبي. ويهدف التكتل القاري إلى أن يصير محايدا مناخيا بحلول عام 2050، ما يعني عدم تسببه في انبعاث غازات حرارية أكثر مما يمكن امتصاصه، سواء من خلال الطبيعة أو التقنيات. ويشار إلى أن دول الاتحاد الأوروبي ملزمة حاليا بخفض الانبعاثات الضارة بالمناخ في أنحاء التكتل بنسبة 55 في المئة بالمقارنة مع مستويات عام 1990، بحلول نهاية العقد الحالي. ومنذ أن اعتمدت العواصم الأوروبية والبرلمان الأوروبي لأول مرة قانون المناخ الخاص بالتكتل في عام 2021، تزايدت قوة معارضي إجراءات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمناخ وطموحاته البيئية، بدعوى أنها إجراءات تعيق التقدم الاقتصادي.
صحيفة «لاستامبا» الإيطالية اليومية 3 تموز/يوليو كتبت كتبت معلقة: «موجة الحر التي تجتاح وسط وجنوب أوروبا منذ أيام، استثنائية في شدتها وامتدادها، ولكن أيضًا لأنها جاءت مبكرة مقارنة بأسابيع الصيف الفعلية. ماذا يجب أن نفعل؟ أولاً، يجب تطوير استراتيجيات تكيف لتقليل تأثيرات الظواهر المتطرفة (موجات الحر، العواصف، السيول) على الجغرافيا، والمجتمع، والاقتصاد. وفي الوقت نفسه، يجب تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري قدر الإمكان لتجنب أسوأ سيناريوهات التغيرات المناخ المتطرفة التي لا توجد لها حلول تكيفية. ومع ذلك، يبدو أن الأولويات على جدول السياسة مختلفة تمامًا».