موجة بحجم جبل وافر

حجم الخط
0

محمد عثمان

صراخ الأمواج أبدي. تصرخ من قبل مجيئنا إلي الحياة، وستستمر بعد ذهابنا بكل تأكيد. علي هكذا سكة جري الذهن فيما كنت، ليلا، أقف متنائيا قليلا عن الجموع التي تضج بها أرصفة كورنيش ساحل أبين. في هذه الناحية، تحديدا، من شاطئ عدن، يبدو البحر كما لو عثر علي جغرافيا سانحة للإمساك بصوت البداية، هكذا، إلي ما لا نهاية. صراخ الأمواج أبدي. وفي وضعية كهذه لا مفر من الانتباه إلي محدودية الحياة الفردية التي يمثلها المتأمل مقارنة بالحياة الموصولة والممتدة للأمواج. محدوديتها أكثر حينما تجرجر نفسها خاوية تماما من أية فرصة حتي لتمثيل حياة. بمجرد ذلك، يد قوية استشعرتها تعتصر في الأعماق لدرجة تقاطر الأسي. أسي لا يمت بصلة إلي الذي نكابده في خضم انشغالاتنا اليومية. ينتمي إلي فصيل آخر لا ألمس في النفس حافزا لمد الوعي إلي التسمية. الصباح التالي. شاطئ بربرة بين جبلين.

الأمواج، هنا، ترقص علي إيقاعات مرتجلة، إيقاعات تستلهم أعلي قمة في الطيش والمرح، مجبرة الجسد المنخرط في الرقصة علي الاحتراس من كآبة السكة التي سارت عليها تأملات البارحة. لا شيء يعادل موجة في القدرة علي نبش الفرح الضائع في الداخل. لا شيء قادر علي إعادة هدهدة المهد الأول إلي الجسد اليافع مثلها… هكذا لهجتْ بلساني أمواج تلك الناحية، حتي أوشكتُ علي الاعتقاد أنها اصطفتني لأكون الناطق الرسمي باسمها…. صرت، الآن، في مهب أمواج أكثر علوا، وإلي جانبي خمسة أو ستة، لهجاتهم دعت إلي الترجيح أنهم، مثلي، ممن سحبتهم أنشودة البحر من الملاذات الجافة والباردة إلي شواطيء بحر عدن لقضاء إجازة عيد الفطر. في العمق الذي توغلنا إليه لم يكن من السهل مقاومة غواية تحويل الجسد إلي هدف لمد هائل يعلو، متوجا بالزبد، ثم يهوي متحطما علي الرؤوس والأجساد قاذفا بها في بعض المرات إلي مسافة أمتار نحو الخلف، قبل أن يستدير ويشرع في جذبها معه في حركة جزر لها جاذبية المغناطيس متبلة بانسيابية وعذوبة جدائل عرائس البحر. استعذبنا اللعبة، لعبة توهم كل موجة تقترب علي أنها سرير وثير توضبه لأجلنا حوريات البحر وجنياته. كنا، بمجرد أن نستلقي علي ظهورنا عليه يختطفنا وهم آخر، وهم الإفاقة من الوهم، مختلطا، هذه المرة، بلذعة الملح في العين والفم فيما الجسد دواسة لأقدام البحر المائية. في كل مرة ننجح في انتشال أجسادنا من الأعماق التي تتسرب إليها، كنا نتضاحك ونتغامز ونتلاسن في تواطؤ من يعرفون بعض من قديم. خلاص!! كان البحر قد انتهي من تقشيرنا من أغلفة اليفاعة كلها إذن. لم نعد أكثر من صغار حيوان بحري ـ لا يحضرني اسمه الآن لكنه يشبه الدب ـ سبق أن رأيتها في مشهد تلفزيوني تتقافز في بهجة مياه قطبية، مقشرة ونظيفة تماما من ذرة عقل. سأستثني نفسي من المشابهة. ذرة عقل بقيت عالقة، يوسوسها في الخوف من أن يغرقا. الحديث يدور هنا عن طفلين من معارفي. خوفا عليهما من الغرق، لم تسمح لهما الأم بالنزول إلي المياه قبل ذلك. تشفعتُ لهما. شجعت الأم علي تجاوز الخوف دون أن أحسب حساب أن ما ستتخوف هي منه سينتقل إلي الاستقرار في حويصلتي النفسية فيما بعد. تحديدا عندما حانت مني، من وسط الغشاوة التي تستدعيها ملوحة البحر، التفاتة إلي الوراء. لم تعثر عليهما في المنطقة الضحلة حيث اتفقنا قبلا أنها ستكون منطقة سباحتهما. بعد متاهة وقعت عليهما في منطقة أعمق، طافيين داخل إطاريهما، يطرطشان بأطرافهما، دائرين داخل حفل الرغوة والزبد. حينئذ فقط، أدركت أنني علقت نهائيا بصنارة الحيطة والحذر من أن ينجرفا نحو مسافة أعمق، وأنني، بدافع المسؤولية التي رضيت أن أتحملها، لن أتمكن بعد الآن من منح جسدي لغواية التوغل أبعد. وهكذا، متحسرا، رحت أشيع أقفية شركائي في السباحة وهي تتقدم نحو منطقة أعمق. تجاذبات داخلية بين فكرة التقهقر قليلا إلي الخلف بحيث أكون قريبا منهما أو البقاء في مكاني أفضت، أخيرا، إلي ما يشبه التسوية: سأبقي في مكاني مع محاصصة نظراتي. حصة علي كل موجة تقترب وتالية، من وسط الغشاوة دائما، علي مسارها اللاحق، الرايح ناحيتهما. وأظنني، لمرة، عند نهاية مسار، وفيما أتابع لهوهما وسط المياه، تشرنقتُ في جوف لحظة لا تحسب بآلة زمن لكنها، كما أتذكر، كانت كافية لتذوق دهشة الاكتشاف إلي أي حد، في بهجة الأمواج، كفة الطفولة هي الراجحة. مزاجها هو الغالب. ينتشر مرفرفا فوق المياه مثل جناح ملاك حارس. لمسة ظل منه تكفي لتنفيض الكهولة عن الأجساد الكهلة بحيث تطيع عملية شكها، مع الأجساد الصغيرة، علي خيط شغف واحد… لم يكن ذلك ليغري علي التنصل من الحيطة… البحر في هيجان مستمر. الظهيرة ساعة مناسبة لكي يستعرض عضلاته (لا أعرف علي وجه الدقة ما إذا كان ذلك دأبه دائما!!) سمح لنفسه أن يكور، في وجوهنا، موجة بحجم جبل وافر، أفلتها من علو شاهق، بقوة دفع حشرت جسدي (في الحالة يستحسن أن أتحدث عني فقط بما أن انتباهي، في تلك اللحظة، انسحب من المحيط وتشكل علي مقاسي) في أوضاع شاقولية شديدة الغرابة. كما لو كنت عضوا في فرقة سيرك. حين انتهي العرض واستعدت وقفتي رحت أتابع، مبهور الأنفاس، مسار الموجة اللاحق يتقدم بظهر فيروزي هائل حجب عن عينيّ الصغيرين مع جزء من الساحل. دهر بكامله انقضي ـ أو هذا ما خيل إلي ـ قبل أن يتضح نتوؤهما علي اثنين متجاورين من الأعراف البيضاء. خضة ماء قوية أمسكتهما في مكانهما العالي للحظة قبل أن تسلمهما لانزلاق سلس علي ظهر الموجة الناعم. كل ذلك دون أن يكفا عن الضحك والطرطشة غريبين تماما عن الهلع الذي يستولي عليّ. نوبة فروسية انتابتني. خوضت باتجاهيهما بكل ما أوتيت من قوة. في المياه المهتاجة بقيت سرعتي صفرا مع ذلك. حين بلوغهما كانت الموجة قد خارت وانفلشت علي مستوي المياه. تحت ضغط الخوف من موجة تالية، بلا مقدمات، رحت أدفعهما من إطاريهما إلي الخلف، نحو المنطقة الضحلة التي تركتهما فيها، مقدرا من طرف واحد بالطبع، إنها المكان الأنسب لسباحتهما. كانت ردة الفعل مباغتة. عناد طفولي. تمردا علي. بشراسة في الوجوه والأطراف تشبثا بموقعهما. كاد الموقف أن يتحول إلي شجار. بإلهام مفاجئ رميت في الملاسنة التي رافقت ذلك ورقة ضغط رابحة: أعلنت بصرامة صوت أنهما إذا لم يسمعا الكلام سنخرج من المياه وسنغادر الشاطيء برمته. تحت ضغط الجدية الملموحة في صوتي أذعنا. بوجهين لم يلح عليهما مدخل لتفهم تصرفي انسحبا أخيرا إلي حيث أشرت لهما. دون أن يفوتهما بالطبع، بمكر المغلوب علي أمره، أن يغشا في المسافة. بعدم ارتياح ذاتي فاتني، في اللحظة، مصدره انسحبت من المياه بدوري.. جلست علي صخرة متاخمة، ورحت أراقب تعثرات سباحتهما علي رمال المنطقة الضحلة. انتابتني حاجة ملحة لتوضيح نفسي لهما. فارقت الصخرة. منهمكا، أشرح لهما آلية الغدر التي يتبعها البحر قاطعني أحدهما، الأصغر سنا، بصوت حانق: أنت ترانا نسبح وسط صغار مثلنا فلماذا اعتقدت أننا وحدنا سنغرق وهم لا؟ تسديدة موفقة، قلت لنفسي. الوفرة المنطقية التي احتواها السؤال أصابتني في العمق. مداريا عنهما التهرؤات التي أحدثها السؤال في نسيج المنطق الذي احتميت به حتي تلك اللحظة، عدت أدراجي دون أن أبت في أمر. جزئيا، كنت ما أزال في الزنزانة حيث رتبني الخوف. فيما أجلس ثانية علي الصخرة، تحرك ذهني عفوا نحو ذكريات منسية. قبل أن تتزوج بشحة الأمطار، كانت القرية التي شهدت طفولتي مرتعا خصبا لبرك متفاوتة العمق والسعة، تتشكل علي امتداد الغيول التي تطرأ في مواسم الأمطار. السباحة في تلك البرك كانت شغفي الأول. لكن، لسوء الحظ، كانت الرعب الأول بالنسبة لأمي. بمجرد أن تتشكل البرك تتموضع حياتها تحت رحمة الخوف من غرقي أو أحد أخوتي في إحداها. غالبا ما كانت تُجبر علي ترك العمل في الأرض وتتحول إلي حارس شخصي يتعقب تحركاتنا طوال النهار، بغرض توفير السلامة. لم يكن من النادر أن أرفع وجهي عن مياه البركة فتصطدم عيناي بوقفتها خارج البركة وفي يدها رخطة طويلة انتزعتها من شجرة في طريقها. وهكذا أجدني، دفعة واحدة، محشورا في المسلخة الوجودية المسماة قلة الخيارات: إما الإذعان كرها لعصا أمي أو الفرار من الناحية الأخري من البركة وتسلق المنحدر الموازي عاريا كما جئت إلي الحياة. عاد إلي ذهني استغرابي صغيرا من تصرف أمي. إذ كنت ألمس في نفسي الكفاءة علي التمييز بين ما هو خطر وما هو خلاف. وبما أنني كنت شديد الحصانة ضد أي ارتياب في كفاءتي فقد استمررت في ارتياد البرك، فيما استمرت هي في الملاحقة والضرب. كما لو عقب غيبوبة، عاد الشاطئ إلي بصري تدريجيا. عبر غلالة شفافة تخلفت من الشرود، نفذ إليّ منظرهما. في كل مرة يحاولان العوم ينضغطان مع إطاريهما علي رمل المنطقة الضحلة فلا يستطيعان حراكا، في مشهد يدعو إلي الضحك والشفقة في آن. بدون سابق إنذار، انفتح انتباهي علي شساعة الهوة بين منظور الصغار للأمور ومنظور الكبار، ما يجعل سوء الفهم بين الطرفين مستحكما بالضرورة. جاءت إلي بالي، معجونة بشيء من التهويل، الجُنية التي اقترفتها بحق الطفلين والتي تتسرب أسبابها عبر التعامي عن الهوة. تلقيت برعب الحقيقة التي لطالما تغافلت عنها: كبرت!! كبرت إلي حد اللاجدوي من عدم الالتفات إلي ذلك!! قاص من اليمنQsr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية