لندن ـ «القدس العربي»: تجدد الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم العربي وعلى نطاق واسع حول ثورة تونس التي انطلقت من أجل التغيير مطلع العام 2011 وما إذا كانت نجحت في ذلك أم لا، وذلك على وقع اعتقال رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، والذي يشكل وجوده في تونس أحد ملامح وعلامات زوال نظام زين العابدين بن علي عندما ظل الغنوشي منفياً طوال فترة حكمه.
وداهمت قوات الأمن التونسية مساء الاثنين الماضي منزل زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي البالغ من العمر 82 عاماً، وقامت باعتقاله بعد تفتيش منزله، ومن ثم تسربت معلومات عن تدهور حالته الصحية ونقله إلى المستشفى، فيما اعتقلت السلطات في اليوم التالي ثلاثة آخرين من قادة الحركة، وأصدرت قراراً بإغلاق مقراتها ومنع انعقاد الاجتماعات فيها.
وقالت حركة النهضة إن فرقة أمنية داهمت منزل الغنوشي واقتادته إلى جهة غير معلومة بدون احترام أبسط الإجراءات القانونية، ونددت الحركة بما وصفته بالتطور الخطير جدا، وطالبت بإطلاق سراح الغنوشي فورا والكف عما وصفته بـ«استباحة النشطاء السياسيين المعارضين».
وفي وقت لاحق أكد مصدر مسؤول في وزارة الداخلية التونسية إيقاف الغنوشي بأمر من النيابة العامة في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب بعد تفتيش منزله، وذلك عقب تصريحات له اعتبرتها النيابة العامة تحريضية.
وأثار اعتقال الغنوشي موجة واسعة من الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث هيمن الخبر على تعليقات النشطاء والمعلقين، وربط بعضهم بين ما حصل سابقاً لجماعة الإخوان في مصر وما يحصل الآن في تونس، فيما تجدد الجدل حول «ثورة الياسمين» التي انطلقت في تونس عام 2011 وأطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي الذي فر هارباً من شعبه إلى السعودية خوفاً من أن تصل إليه أيدي الثوار.
وأطلق نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي الهاشتاغ «#غنوشي_لست_وحدك» والذي سرعان ما انتشر في عدة دول عربية وحصد تفاعلاً كبيراً بالتزامن مع قرار النيابة العامة في تونس إبقاء زعيم حركة النهضة قيد الاعتقال.
ونشرت سمية الغنوشي، وهي ابنة راشد الغنوشي، مقطع فيديو مصور شرحت فيه كيفية اعتقال والدها، وقالت: «في المساء فوجئت الأسرة بطرق باب المنزل، فسارعت أختي إلى فتح الباب، وإذا بنا نفاجأ بطوفان بشري يجتاح البيت. أكثر من 100 رجل أمن بقي جزء منهم في الخارج وطوقوا البيت من مختلف الجهات، والباقون دخلوا المنزل».
وأضافت: «بدأوا بتفتيش مكتب والدي، فلمحوا على مكتبه أوراقاً مكتوبة بخط يده فانقضوا عليها كمن عثر على كنز ثمين». وتابعت: «والدتي وقفت مذهولة وقالت لهم: هل الكتابة جريمة؟ وهل ممنوع أن نكتب ونفكر؟ وهل يجب علينا أن نكون مجرد حيوانات؟ لكنهم واصلوا تفتيش المنزل، ثم اقتادوا والدي إلى جهة غير معلومة».
وقالت الغنوشي: «لم نعرف إلى أين تم اقتياده في تلك الليلة لأنه لم يُسمح لمحاميه اللقاء به، وآخر ما بلغنا أنه في المستشفى، وقيل لنا أنه أمضى الليلة الأولى جالساً على الكرسي، ورفض الحديث لحين قدوم المحامي، وطلب استخدام دورة المياه فرفضوا أن يسمحوا له».
وتساءلت الغنوشي: «ما هي البطولة في أن تقتاد رجلاً في الثمانينيات من عمره وهو صائم في شهر رمضان، وتحرمه حتى من استخدام دورة المياه؟ هذا لا يضير الغنوشي في شيء ولكنه يكشف دناءة هذا الانقلاب وانحطاطه الأخلاقي والسياسي».
وغردت سمية الغنوشي لاحقاً: «عند إصدار القاضي حكمه الباطل بسجنه، رد والدي بهدوئه المعهود، ثابتا راسخا رسوخ الجبال: أمر المؤمن كلّه خير، الخير في ما قضى الله، اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. أنا مستبشر بالمستقبل».
وكتب المدير العام السابق لقناة «الجزيرة» القطرية: «حركة النهضة دفعت ثمنا غاليا لوقفتها مع ثورة الشعب السوري عندما كانت شريكة في الحكم، وهي لها علاقات قديمة مع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، تضررت كثيرا لكنها لم تنقطع، لا يحتاج الشيخ وقفة سفهاء النت معه، من تلاميذ قيس سعيد الذين يعتقدون إن حسابا على التويتر ينصب أحدهم قاضيا في محكمة تفتيش على مناضل ومفكر أفنى عمره دفاعا عن الحريات».
وغرد الكاتب والصحافي الفلسطيني ياسر الزعاترة: «سجن الغنوشي كان متوقعاً. مجرّد وجوده كرئيس لبرلمان تمّ حلّه زوراً؛ يذكّر «الدكتاتور الصغير» بانقلابه. أما من يديرونه من الخلف فهم يحتاجون مزيداً من القمع لتنظيف الساحة من المعارضة؛ تمهيداً لمرحلتهم المكشوفة. إرضاء داعمي الخارج مهم أيضاً.. جولة من صراع لم يتردّد الشيخ في خوضه منذ عقود».
وأضاف في تغريدة ثانية: «السجون لا تدفن الأحرار، والقمع لا يرفع الصغار. الغنوشي سيرة من النضال ضد الظلم والدكتاتورية، فيما كان من يستهدفه من أتباع الدكتاتورية، وبلا أي سيرة نضالية من أي نوع، وصعد بعد أن داعب خيال الناس بشعبويات أسفرت عن لا شيء».
وكتب رئيس مركز تكوين العلماء في موريتانيا محمد الحسن الددو: «تلفيق التهم، وإشاعة الكذب سياسة يتقنها الطغاة الظالمون على مر العصور، وهي علامة فشلهم في إسكات الحق ودعاته، فكما قال فرعون لقومه يخوفهم من نبي الله موسى: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون)».
وكتب رئيس شبكة «الجزيرة» السابق، ورئيس منتدى «الشرق» وضاح خنفر مغرداً على تويتر: «لم يكن الاعتقال التعسفي يوما سوى دلالة على الإفلاس الأخلاقي والانحطاط السياسي، فكيف باعتقال مفكر وزعيم ثمانيني عُرف دوما بمواقفه المعتدلة، وخطابه المتوازن؟ الاعتقال لن يزيد الغنوشي إلا مكانة».
وعلق محمد المختار الشنقيطي: «دواعش البهلوان قيس سعيد في تونس لا يملكون من الحداثة سوى الفجور والخمور، ولا من الديمقراطية سوى خدمة الأنظمة القمعية، ولا من الثقافة سوى التبعية ومركب النقص الفرانكوفوني. وهم يسجنون الغنوشي الذي سلخ عمره في السجون والمنفى دفاعا عن كرامة التونسيين».
وغرد ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، بالعربية قائلاً: «إلى الشيخ راشد الغنوشي، لست وحدك ولن تكون، فالسجون للمجرمين والفاسدين، وليست للساسة ولا للمفكرين. عار على من سجنوك وعار على من أيد أو حتى صمت».
وغرد الإعلامي المصري المعارض أسامة جاويش يقول: «حملة للتضامن مع الشيخ راشد الغنوشي ضد بلطجة النظام الديكتاتوري المجرم لقيس سعيد في تونس».
وكتب وسام العامري: «الشيخ راشد الغنوشي قامة سياسية وفكرية ودعوية ومفخرة كبرى لتونس، بل ويفخر به كل عربي ومسلم، وقد ألهم بفكره وقلمه إخواننا الأتراك في تجربتهم السياسية الحالية باعتراف الرئيس التركي الطيب رجب اردوغان، وحق الشيخ الغنوشي التكريم والاحتفاء لا التجريم».
وعلق الإعلامي المصري أحمد منصور: «حينما يفلس النظام السياسي كما في تونس يلجأ لاعتقال معارضيه وتلفيق التهم الفارغة لهم مثل اعتقال راشد الغنوشي وتوجيه اتهامات مضحكة له».
وكتب فراس أبوهلال: «الحرية لرئيس البرلمان التونسي المنتخب راشد الغنوشي.. الغنوشي ليس سياسيا تونسيا فقط بل هو رمز فكري عالمي. إدارة الاختلاف معه يجب أن تكون بالقانون والسياسة لا بالقمع. الغنوشي ليس وحده المختطف في تونس، بل العملية السياسية ككل، منذ الانقلاب الدستوري لقيس سعيد».
وعلق الناشط السعودي مهنا الحبيل: «التضامن مع الشيخ راشد الغنوشي واجب فكري وأخلاقي لكل مثقف عربي». وأضاف في تغريدة ثانية: «لا يمثل الشيخ راشد الغنوشي شخصية مفردة لها دورها الفكري المميز في تاريخ الشرق الإسلامي والإحيائيين الكبار وحسب، ولكنه رائد تجربة تاريخية لشراكة فكر النهضة الإسلامي في سبيل دولة العدالة والحقوق والإندماج الوطني العام ومحاصرته واعتقاله غدر بتونس والحلم العربي».
وكتب وزير الخارجية التونسي الأسبق الدكتور رفيق عبد السلام: «قيس سعيد نصب لنفسه محاكمة لأنه يتهم الغنوشي بما هو متأصل في نفسه الخسيسة من نزوع نحو العنف والتحريض وفساد القول والعمل. وما المتوقع من دكتاتور أرعن وكتلة متحركة من العقد».
وعلق محمد عفان قائلاً: «سيبقى الشيخ راشد الغنوشي أحد أهم المنظرين الإسلاميين للوسطية والاعتدال.. وأحد رموز النضال الوطني ضد الاستبداد في تونس.. وسيبقى كما كان دوما أقوى من كل سجانيه».
يشار إلى أن حركة النهضة بثت تسجيلاً لزعيمها كان قد سجله قبل اعتقاله، حيث قال فيه الغنوشي إن «المعركة في تونس هي بين الديمقراطية والدكتاتورية التي تريد أن تصادر مكاسب الثورة»، مشيرا إلى أن «الملفات المرفوعة ضدنا هي ملفات فارغة بشهادة رجال القانون».
وأضاف «السلطة تمارس استهدافا سياسيا بوسائل قضائية، والانقلاب الغاشم يدفع نحو مزيد من المصائب، واعتقالي واعتقال المناضلين لن يحلا مشاكل الغلاء».