لندن ـ «القدس العربي»: أثار اكتشاف نفايات قنبلة ذرية تحت ستة منازل في مدينة «سانت لويس» بولاية ميسوري الأمريكية حالةً من الذعر وتجدد القلق في مدن أمريكية أخرى لا تزال تعاني من تلوث مشروع مانهاتن.
ويعود التلوث إلى مشروع مانهاتن، وهو مشروع بحث وتطوير قادته الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، والذي أنتج أول قنابل ذرية في تاريخ البشرية.
وتم تخزين الكثير من المواد المشعة بشكل غير صحيح، مما تركها معرضة للرياح والأمطار لعقود.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إنه مع مرور الوقت، انتشرت النفايات إلى نهر كولدووتر القريب، ووجدت دراسة أجريت عام 2025 أن الأفراد الذين عاشوا بالقرب من هذا الجدول المائي في طفولتهم يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسرطان نتيجة التعرض لفترات طويلة للمياه الملوثة.
وأصدرت الحكومة المحلية أُمراً للعائلات المتضررة في فلوريسانت، وهي مدينة في مقاطعة سانت لويس، بالإخلاء. وسيحصلون على تعويضات تغطي قيمة منازلهم، وأموال لسداد قروضهم العقارية، ومبالغ إضافية للمساعدة في شراء عقارات جديدة.
وقالت إحدى أمهات فلوريسانت، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، إن التلوث لم يُكشف لها قط قبل إغلاق المركز، وإن محنتها كانت صادمة للغاية.
وأضافت: «الحمد لله أنني لستُ مصابة بالسرطان، ولكن ماذا عن المعاناة النفسية التي عانيتها خلال السنوات القليلة الماضية؟».
وسانت لويس ليست المدينة الوحيدة التي لا تزال تعاني من تداعيات مشروع مانهاتن، ففي جميع أنحاء البلاد، لا تزال مواقع مثل هانفورد في واشنطن، وأوك ريدج في تينيسي، ولوس ألاموس في نيو مكسيكو ملوثة بشكل خطير.
ولعبت سانت لويس نفسها دوراً حاسماً في مشروع مانهاتن، حيث احتضنت مصانع معالجة اليورانيوم مثل مصنع مالينكرودت للكيميائيات، الذي نقّى اليورانيوم لصنع الأسلحة النووية. وولّدت هذه العمليات كميات كبيرة من النفايات المشعة، خُزّن الكثير منها بشكل غير سليم وعُرّض للعوامل الجوية. وعلى مر العقود الماضية، تم التخلص من بعض النفايات في مواقع متعددة حول المدينة، بما في ذلك الأحياء السكنية، مما خلق مخاطر تلوث طويلة الأمد.
وتناولت دراسة أجرتها جامعة هارفارد خلال العام الحالي 2025 الآثار الصحية للعيش بالقرب من كولد ووتر كريك.
وصرح الباحث الرئيسي مايكل ليونغ، وهو زميل ما بعد الدكتوراه في الصحة البيئية: «كان الأطفال الذين يعيشون بالقرب من كولد ووتر كريك من أربعينيات إلى ستينيات القرن الماضي أكثر عرضة للإصابة بالسرطان بنسبة 44 في المئة مقارنةً بمن يعيشون على بُعد أكثر من 12 ميلاً».
وتتوافق أنواع السرطان المُبلغ عنها، بما في ذلك سرطان الدم والغدة الدرقية والثدي والقولون، مع الأمراض المرتبطة بالتعرض للإشعاع.
ويمتد التلوث إلى ما هو أبعد من سانت لويس، حيث لا تزال هانفورد واحدة من أكثر المواقع النووية تلوثاً في البلاد.
ووفقاً لوزارة الطاقة الأمريكية: «يُمثل موقع هانفورد التحدي الأكثر تعقيدًا في مجال التنظيف النووي في البلاد، مع وجود العديد من مصادر التلوث البيئي».
واستطلعت دراسة أجريت عام 2003 آراء 801 فرداً يعيشون في اتجاه الريح من منشأة هانفورد لإنتاج البلوتونيوم، ووجدت أعداداً أكبر من المتوقع من أورام الجهاز العصبي المركزي وسرطانات الجهاز التناسلي الأنثوي، كما تم تحديد حالات إصابة عالية بجميع أنواع السرطان، وخاصة سرطان الغدة الدرقية.
وفي لوس ألاموس، كشفت دراسة عن تلوث شديد بالبلوتونيوم في منطقة أسيد كانيون، بمستويات تُضاهي المناطق القريبة من كارثة تشيرنوبيل النووية.
وقال مايكل كيترير، العالم المشارك في البحث: «ما وجدته هنا في أسيد كانيون هو في الواقع أسوأ سيناريو لتلوث البلوتونيوم، في بيئة خارج الموقع وغير خاضعة للرقابة رأيته في حياتي المهنية».
ووفقاً لوزارة الصحة في ولاية نيو مكسيكو، فإن معدل الإصابة بالسرطان الإجمالي في مقاطعة لوس ألاموس أعلى بقليل من متوسط الولاية.
وواجهت أوك ريدج عقوداً من التحديات البيئية الناجمة عن عمليات تخصيب اليورانيوم. وأفادت وكالة تسجيل المواد السامة والأمراض: «أدى التسرب من النفايات المدفونة والمخزنة والأنشطة التشغيلية لهذه المرافق إلى ظهور مئات المناطق الملوثة في جميع أنحاء الموقع».
ولا تزال الآثار طويلة المدى للتعرضات الإشعاعية منخفضة المستوى السابقة على السكان قيد الدراسة.
وبينما تستمر جهود التنظيف، لا يزال سكان هذه المجتمعات يواجهون مخاطر صحية طويلة المدى ناجمة عن التعرض الإشعاعي السابق، وهو تذكير صارخ بأن إرث مشروع مانهاتن لم يُدفن بعد.