تبدأ النيابة العامة غدا، التحقيق مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في ملفات الفساد المنسوبة إليه والتي لا تقع ضمن اختصاص محكمة العدل الخاصة.
نواكشوط-“القدس العربي”: موريتانيا على مفترق طرق: ذلك ما أجمع عليه المراقبون منذ أن تسلم المدعي العام لدى المحكمة العليا أمس من وزير العدل الموريتاني، تقرير لجنة التحقيق البرلمانية الذي وثق في 400 صفحة وأكثر من 300 شهادة ومئات المستندات، قضايا فساد منسوبة للرئيس السابق وأقربائه وأعوانه.
ويتوقع الجميع أن تبدأ النيابة العامة غدا الإثنين، التحقيق مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في ملفات الفساد المنسوبة إليه والتي لا تقع ضمن اختصاص محكمة العدل الخاصة التي سيستكمل تشكيلها خلال الدورة البرلمانية المقبلة.
وأكد خبير الدراسات الاستراتيجية ديدي السالك في تعليق له على الموقف “أن تقرير اللجنة البرلمانية للتحقيق في بعض ملفات الفساد، خلال عشرية حكم ولد عبد العزيز، أظهر حجم الفساد المعمم والنهب المنظم والتدمير المتعمد الذي جعل موريتانيا دولة أطلال: تعليم منهار؛ أمن مفقود؛ صحة منعدمة؛ عدالة فاقدة لمضمونها ومعناها؛ وكثيرا ما تم استخدامها كأداة للظلم وتصفية الحسابات”.
وقال “لقد أظهر التحقيق البرلماني ما يعانيه اقتصاد البلاد المنهار والمحاصر بالمديونية الخارجية وبالأزمات الاجتماعية المتفاقمة، مما يجعل موريتانيا على مفترق طرق”.
قوى التغيير تضغط
وأكدت أحزاب قوى التغيير في بيان حول هذه القضية “لقد دأبت المُعارضة الديمقراطية، منذ عقود، على إدانة الفساد وسوء الحكامة السياسية والاقتصادية للبلد، التي تميّزت بها الأحكام الاستثنائية المُتعاقبة، وعلى وجه الخصوص نظام محمد ولد عبد العزيز، حيث عُرف هذا الشخص بتسييره لمقدرات الدولة كأنها أملاك خاصة، وبتسخيره لمؤسساتها لأغراض شخصية؛ ولم يُقابل نضالنا ضد سياسة الفساد وتحذيراتنا من مآلاتها سوى بالقمع والتهميش، وفور تسلّم الرئيس الجديد لمقاليد السلطة، طالبنا بالتدقيق في حسابات الدولة والمؤسسات العمومية، تجاوبا مع ألحّ مطلب عند شعب عانى من مرارة ثُنائية الفقر واستشراء الفساد”.
“وعليه، فإن أحزاب ائتلاف قوى التعيير الديمقراطي، تُثمن جوّ التوافق السائد بين مختلف الفرق البرلمانية، والذي نتج عنه عمل لجنة التحقيق، كخطوة مهمة في محاربة الفساد، وتعتبر أحزاب الائتلاف أنّ هذا الجوّ البنّاء جاء ثمرة لروح الانفتاح التي أضفتها المعارضة والنظام الجديد على المشهد السياسي، وانبثقت عنها منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، التي تسهر على تدعيم التشاور المُثمر والثقة المُتبادلة التي تطبع عملها، من أجل فتح آفاق سياسية جديدة، بنظرة وطنية تتعالى على الأجندات الحزبية الضيقة، وتستشعر خطورة التحديات التي تمرُّ بها البلاد حاليا”.
الإسلاميون يثمنون
وثمن الإسلاميون في بيان لحزب التجمع أمس عمل لجنة التحقيق البرلمانية وجهدها المقدر مؤكدا “أنه يجب أن يرتب عليه ما يناسبه من إجراءات حتى يكون له معنى ودلالة، حماية للمال العام الذي أظهرت نتائج التحقيق أنه كان مستباحا كما كنا نعبر عنه في المعارضة الديمقراطية دائما إذ لم نصدق يوما من الأيام، عكس غيرنا، شعارات نظام العشرية الماضية وحربه الزائفة على الفساد”.
واعتبر حزب التجمع “أن تشكيل محكمة العدل السامية استحقاق دستوري كان من المفروض ألا يتأخر” مثمنا “كل خطوة تؤدي إلى الإسراع في تشكيل هذه المحكمة وتمكينها من تأدية الدور المنوط بها على الوجه المطلوب”.
براءة من الرئيس السابق
وتبرأ غالبية وزراء وأعوان الرئيس السابق من تحمل المسؤولية في قضايا فساد استجوبتهم لجنة التحقيق البرلمانية حولها.
وكان الوزير السابق سيدي محمد ولد محم وهو من أبرز أعوان الرئيس السابق حيث كان يرأس حزبه الحاكم أكبر هؤلاء المتبرئين، حيث أكد في تدوينة له أمس أن أهم ما في تقرير لجنة التحقيق البرلمانية بعد ما أشار إليه من فساد هائل في عدة قطاعات وملفات اقتصادية حساسة وفي صميم عصب الاقتصاد الوطني هو الرسائل السياسية التي وجهها.
وقال “لقد تأكد من خلال التقرير وجود فساد هائل تم برعاية سياسية واضحة من المسؤول الأول في الدولة، والذي كان يفاخر بطريقته في مركزة كل السلطات والقرارات الاقتصادية خاصة، وبقدراته الخارقة في كشف كل خبايا التسيير المالي بشكل يستحيل معه وجود عمليات فساد بهذا الحجم دون علمه ورعايته، سيما إذا كان أبطالها من دائرة مقربيه الأقربين والذين كان يضعهم في الواجهة دون مبرر ولا حرج”.
أكبر الأعوان
“شخصيا، يضيف الوزير سيدي محمد، لا أولي كبير اهتمام للجانب القضائي من الملف على أهميته، بقدر ما تهمني أبعاده السياسية والأخلاقية باعتبار مقتضيات العقد الاجتماعي والشعارات التي رفعنا للمواطن حينا من الدهر ولم تعد شيئا مذكورا مع الوقت، كما لن أدخل في جدل حول حصانة فلان أو علان، لكون الحصانة عاصمة من المتابعة القضائية لكنها لا تعني أي شيء في المنظور السياسي حين تكون كل عناصر الإدانة السياسية قائمة”.
وقال “يشكل اكتمال أعمال اللجنة في وقته وبحصيلة كهذه، وفي انسجام كامل بين مكوناتها، رسالة قوية تدشن عهدا جديدا من الحياة البرلمانية، ومسارا جديدا في العلاقة بين السلطات، وأملًا غامرا ببناء مؤسسات تدين للجمهورية بالولاء أولا وأخيرا، وفي نفس الوقت يشكل موقف رئيس الجمهورية بعدم التدخل من قريب أو بعيد في عمل اللجنة، ووفائه بتعهداته بإزالة كل العوائق من طريقها وإلزام السلطة التنفيذية بالتعاون الكامل معها رسالة أخرى ونهجا جديدا يحقق انتظام وتناغم السلط ومؤسسات الدولة وتكاملها”.
المدافع الوحيد
وكان وزير الخارجية الأسبق الدكتور إسلك ولد إزيد بيه الشخص الوحيد الذي وقف إلى جانب الرئيس السابق من ضمن معاونيه الذين تبرؤوا منه جميعا حيث كتب مقللا من أهمية تقرير لجنة التحقيق البرلمانية “بعد عجزهم عن تمرير الربيع العربي عن طريق بوابة الشارع العام، ها هم الإخوان المسلمون الموريتانيون يدخلون من النافذة الخلفية للجمعية الوطنية، فيفجرون أزمة سياسية خطيرة على البلاد والعباد (الربيع البرلماني)”.
وقال “لقد نجحوا في تمرير مبادرة إنشاء لجنة برلمانية للتنكيل برموز العشرية، بدعم من المعارضة الديمقراطية وبعض قوى الأغلبية المنحدرة من صفوفهم والتي ظلت على الدوام قريبة منهم في توزيع للأدوار لا يخفى إلا على غبي، كما استغلوا التجاذبات السياسية التي شهدتها أوساط هذه الأغلبية حول ما سمي بإشكال المرجعيةن واستفادوا كذلك من إرث صراعات الماضي”.