موريتانيا تحيي خمسينية استقلالها عن فرنسا مثخنة بآثار الانقلابات

حجم الخط
0

عبد الله بن مولود:

اليوم السبت الثامن والعشرون من تشرين الثاني/نوفمبر تحتفل موريتانيا بالذكرى الخمسين لاستقلالها عن فرنسا باحثة بين ركام هذه العقود الخمسة عن حصيلة تؤسس عليها نظاما مستقرا.

فبعد الثماني عشرة سنة الأولى (من 1960 حتى 1978) التي حكمها المختار ولد داداه، دخلت موريتانيا مطبة الحكم العسكري مدفوعة إليه بعاملين هما الجفاف وحرب الصحراء التي خاضها الجيش الموريتاني ضد جبهة البوليزاريو إلى جانب المغرب ودفعت بالضباط للهروب من الثكنات وخطوط الموت إلى مقاعد السلطة الوثيرة. وفي عام 1991 دخلت موريتانيا تجربة التعددية السياسية وتمدن رئيسها العسكري العقيد معاوية ولد الطايع ليتربع على رأس السلطة إحدى وعشرين سنة تخللتها عدة انقلابات فاشلة، وظل الأمر كذلك إلى قلب نظام ولد الطايع بتدبير من رئيس حراسه العقيد محمد ولد عبد العزيز ومدير أمنه العقيد علي ولد فال في الثالث من آب/أغسطس 2005. أول رئيس منتخبوفي آذار/مارس 2007 سلم الجيش السلطة لأول رئيس منتخب حسب الشروط هو سيدي ولد الشيخ عبد الله، لكن الجيش عاد ليقلب نظام هذا الرئيس في الثامن من آب/أغسطس عام 2008 لتدخل موريتانيا أزمة سياسية انتهت باتفاق مصالحة تلته انتخابات نظمت في تموز/يوليو 2009 فاز فيها الجنرال محمد ولد عبد العزيز بصورة قبلها العالم بينما قالت المعارضة انها مزورة. ودخلت موريتانيا من جديد نظاما سياسيا جديدا منبثقا عن أزمة حيث تقوم للسنة الثانية بلملمة جراحها محاولة الخروج الفعلي لا النظري من أزمتها.

ويبذل الرئيس ولد عبد العزيز حاليا جهودا لترسيخ نظامه بعد أن هادنته المعارضة حيث دشن بمناسبة ذكرى الاستقلال الحالية مشروعات ضخمة تمكنت حكومته من إعادة تنشيطها بعد أن أفرجت هيئات التمويل عن التزاماتها وقبلت التعامل مع النظام الجديد. واستعادت الحكومة الموريتانية علاقاتها الدولية في عدة اتجاهات مدعومة عربيا وإسلاميا بقرار اتخذه ولد عبد العزيز بقطع العلاقات مع إسرائيل.

ومع هذا يواجه النظام الموريتاني حاليا تحديين أساسيين، أولهما سياسي حيث لم يحصل بعد تفاهم داخلي بين أطراف الساحة السياسية على أمور أوصى بها اتفاق المصالحة في داكار وفي مقدمتها تحديد دور الجيش وتحويله لجيش جمهوري مبتعد عن السلطة التي يجب أن تبقى مدنية. أما التحدي الثاني فهو مواجهة غير مجمع عليها، يقوم بها الجيش الموريتاني حاليا شمال مالي المجاورة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الذي يتخذ من نظام ولد عبد العزيز هدفا من أهدافه الرئيسية.

وتحل هذه الذكرى فيما تقبل موريتانيا أواخر العام المقبل على انتخابات بلدية وتشريعية لا يمكن إجراؤها قبل تفاهم داخلي جاد لم تتهيأ له الظروف بعد حيث يلقي كل طرف على الطرف المقابل المسؤولية عن تأخيره. ويحذف الإعلام الحكومي الموريتاني في تناوله للذكرى الخمسين للاستقلال فترات الحكم التي تفصل بين سقوط الرئيس الراحل المختار ولد داداه عام 1978 وتولي الرئيس ولد عبد العزيز للسلطة في آب/أغسطس 2008، فما عدا هاتين الفترتين، ثمة فترات ميتة ربما الأفضل أن تمحى من الذاكرة.

لوحة قاتمةأما نظرة المعارضة الموريتانية لهذه الذكرى فقد أوجزها أحمد ولد داداه (زعيم المعارضة) في بيان وزعه الجمعة أعلن فيه أسفه لـ’فشل السياسات العمومية المتبعة من الحكومة’، حيث يلاحظ بمرارة أن المواطنين ‘يزدادون فقرا يوما بعد يوم، في الوقت الذي تزداد فيه وتيرة استغلال ثروات البلد’. وأكد البيان أن ‘هذه الفترة الوجيزة نسبيا بمقياس أعمار الأمم، تميزت بتحقيق إنجازات معتبرة في مجالي السيادة السياسية والاقتصادية في البلد، خصوصا خلال العقود الأولى من عمر الدولة’، مضيفا ‘أما اليوم فيمكننا أن نلاحظ أن بلدنا من أكثر بلدان المنطقة هشاشة على المستويات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية والسياسية والأمنية’. ويمضي قائلا: ‘فبعد خمسين سنة من الاستقلال لا يزال السواد الأعظم من شعبنا يعيش تحت خط الفقر، كما أن قطاع التعليم في انحطاط مستمر، وتعاني الصحة من العوز المزمن، في حين وصلت البطالة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ البلد المعاصر حيث دفع الظلم والتهميش وانسداد الآفاق بأعداد هائلة من الشباب إلى أحضان الإرهاب، وحدا بآخرين إما إلى المزايدات الخصوصية الطائفية أو هجر الديار إلى أماكن أكثر رحمة’. وانتقد البيان عدم كشف السلطات عن مصير 50 مليون دولار (هبة سعودية قدمت سنة 2007)، التي لم تدرج بعد في أية ميزانية رغم المطالبة المتكررة بذلك منذ سنة 2008. ويزيد من خطورة ذلك أن منظمة الشفافية الدولية صنفت موريتانيا في المرتبة 143 من 179 سنة 2010، بعد أن كانت في المرتبة 84 سنة 2006 مما يدل على تفاقم انعدام الشفافية في تسيير البلد، حسب المعارضة.

وانتقدت المعارضة كذلك ما أسمته ‘انعدام الشفافية في قطاع النفط، حيث لم تعد عقود تقاسم الإنتاج تمر عبر البرلمان كما كانت الحال بالنسبة للاتفاقيات السابقة. كما أن استغلال الثروات المنجمية والنفطية والبحرية يتسبب في أضرار بيئية كبيرة، تلاحظ بشكل يومي مع عدم إمكانية الوقوف على الأثر الحقيقي لها في الوقت الراهن’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية