نواكشوط ـ «القدس العربي»: وأخيرا.. وبعد مطالبات كثيرة، أصدرت الحكومة الموريتانية الجمعة مرسوما يتضمن حماية قانونية لموقع قلب الريشات الواقع شمال موريتانيا والمعروف بمسميات عدة بينها «عين أفريقيا» وعين «الصحراء الكبرى» و«عين الوحش».
وأكد بيان لمجلس الوزراء الموريتاني «أن الحكومة قررت حماية موقع قلب الريشات نظرا لجمال موروثه الطبيعي وقيمته الاستثنائية، ولأنه يكتسي أهمية جيولوجية وبيئية كبيرة، سواء على الصعيد الوطني أو العالمي، كما أنه يشكل معلما شاهده رواد الفضاء وأسهموا إلى حد كبير في شهرته على مستوى العالم، حيث تم تصنيفه من ضمن أبرز 100 موقع من مواقع الموروث الجيولوجي في العالم، والموقع الوحيد الموجود منها في غرب أفريقيا».
وكان علماء آثار وباحثون قد وجهوا عدة نداءات للحكومة الموريتانية لإنقاذ موقع قلب الريشات، بينهم الباحث المرابط ولد لخديم الذي دعا «الدولة الموريتانية إلى الالتفات على جناح السرعة إلى هذا المعلم الغريب من نوعه على وجه الأرض، بشهادة الجامعات والمعاهد العلمية المختصة، بما فيها وكالة ناسا الأمريكية، وأن يكون هذا الموقع محمية طبيعية لأهميتها العلمية».
وعن أسباب تشكل قلب الريشات، يقول الباحث الموريتاني لمرابط ولد لخديم: «ترى إحدى الفرضيات أن شكل المرتفع الصخري الذي يمتد على مسافة 50 كيلومتراً مربعاً يشبه فوهة بركان، إلا أن عدم وجود فوهة أو منبسط داخل المرتفع وخلوه من الصخور الحادة يدحض هذه الفرضية، وهناك نظرية أخرى هي الراجحة، تقول بعوامل التعرية والنحت في تشكل منعرجات الموقع الدائرية، لكن هذا لا يفسر الشكل الدائري المتقن للموقع الذي ما يزال لغزاً محيراً حتى الآن».
وأضاف الباحث: «هناك جدل علمي حول ماهيته، فبعض العلماء يقول إنه حفرة ناتجة عن نيزك ضرب تلك المنطقة، والبعض يقول إنه بركان خامد قديم، والبحث الموجود إلى حد الآن الذي حصلنا عليه هو الذي قام به غويلايوم ماتون من جامعة كبيك بكندا في رسالته للدكتوراه، واعتمد على فحص وتحليل أكثر من 100 عينة صخرية مأخوذة من الموقع، واستنتج من خلاله أنها قبة قد حصلت نتيجة انصهار عظيم استقر قبل 90 مليون سنة، فارتفعت الصخور بعد ذلك بما فوقها من: كاربوناتايت، وكابروه وكيمبرلايت».
تكوين جيولوجي فريد
ويتميز موقع قلب الريشات، بأنه تكوين جيولوجي فريد من نوعه يحير العلماء؛ فهو عبارة عن حفرة كبيرة يبلغ قطرها نحو 35 كيلومترا، نتجت كما يقول أغلب العلماء عن اصطدام نيزك بالأرض، وتظهر من الفضاء على شكل عين بشرية، وفقا للصور التي التقطتها له وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» انطلاقا من محطتها الفضائية من علوّ يزيد على 400 كيلومتر.
وأطلقت على هذا الموقع مسميات كثيرة، اشتُقت كلها من الانبهار بفرادة وحسن ملامحه التي تبدو على شكل دوائر ثلاث زرقاء تشبه حدقة العين بإنسانها وسوادها وبياضها.
ويقع قلب الريشات على مقربة من مدينة وادان الأثرية شمال موريتانيا، ويتراءى هذا الموقع للناظر، على شكل حفر ذات أشكال دائرية لها قطر كبير بطول 30 ميلاً، تحيط بها هالة زرقاء تشبه بؤبؤ العين يمكن رؤيتها من الفضاء الخارجي، حيث تظهر التكوينات الصخرية المحيطة بها على شكل حدقة عين زاهية.
ويستحوذ الموقع على اهتمام الباحثين الغربيين والسياح أيضاً، وذلك لفرادة تشكل هذا التكوين، الذي تكثر حوله القصص والأساطير، وإلى اليوم ما يزال لغزاً يحيّر الكثيرين، ويلفت انتباههم ويُشغفون بزيارته والتنقيب في تاريخه وتشكله الجيولوجي.
وكان الباحث الفرنسي تيودور مونو (1902-2000) المغرم بجيولوجيا وتضاريس الصحراء، والذي كرس عمره للبحث في صحاري موريتانيا، أول مكتشف لهذا الموقع في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث لفتت تقييداته عن «قلب الريشات» أنظار البعثات الجيولوجية التي توالت زياراتها للموقع من أجل دراسته وإيجاد تفسير علمي مقبول لتكوينه الجيولوجي، المحتفظ على مرّ الزمن بمظهره الخارجي الشبيه بعين مفتوحة على الأفق. وعرّفَ رائد الفضاء الأمريكي كوت كيلى «قلب الريشات» في تعليق قال فيه: «تقع هذه الصورة في الحد الغربي للصحراء الكبرى في وسط موريتانيا، وهي عبارة عن شكل دائري يتكون من دوامة صخرية محفورة في الصحراء في عمق كبير جداً، ويبلغ قطرها حوالي 35 كلم».
وكتب رائد الفضاء توماس بيسكيه، وهو مهندس طيران فرنسي وطيار ورائد فضاء في وكالة الفضاء الأوروبية: «اعتقدت أنني كنت أدور حول المريخ عندما رأيت هذا المنظر! لا توجد سحابة في الأفق والألوان الحمراء تمتد إلى الأفق» مضيفاً: «كذا أتخيل أن المركبة الجوالة المثابرة كانت ستشهد المريخ وهي تقترب من الهبوط».
وعن قلب الريشات، ذهب البعض إلى أنه قد يكون مدفن مدينة أتلانتيس المفقودة، التي يقال بأنّها واحدة من الجُزر الأسطوريّة الواقعة في منطقة المحيط الأطلسي.
وكان الاعتقاد السائد لدى سكان مدينة وادان الموريتانية، أن قلب الريشات مملكة للجن تخفي كنوزهم منذ عهد سليمان عليه السلام. وتحكي الأساطير أن ملك الجن نفسه يتجول ليلا على حصانه فيسمع وقع حوافره ولا يتمكن أحد من رؤيته.
وعندما اكتشف تيودور مونو قلب الريشات اعتبره بركانا نائما منذ ملايين السنين، ثم جاء الجيولوجي الفرنسي آندري كايي سنة 1946 ليقدم الأطروحة القائلة بأن أصل الظاهرة جاء نتيجة سقوطٍ نيزكٍ اصطدم بالأرض.
وقد فنّد عالم الجيولوجيا الأمريكي روبرت دييتز في العام 1969 هذه الأطروحة، مثبتًا أنه لا توجد أيّ مكوناتٍ جيولوجيّة مغايرة للمكونات السائدة والمعروفة في المحيط الجغرافي لقلب الريشات.
ويتابع رواد الفضاء مشاهدته عن بعد وهو يسلب ألبابهم كلما نظروا إليه، كما يواصل علماء الجيولوجيا انبهارهم بالصور الملتقطة له. فهل سيكون إعلان الحكومة الموريتانية عن اهتمامها به ووضعها خطة لحمايته ودراسة تكويناته، بداية للتعرف العلمي على حقيقة قلب الريشات، وإنقاذا لتراثه الأثري، ونهاية لما ينسج حوله من أساطير؟