موريتانيا: كي لا يصبح الحلم كابوسا!

حجم الخط
0

عبدالله حرمة الله

المرحلة الراهنة تقتضي التحالف الوطني بين اوسع القوي بناء علي برنامج وطني واستبعاد التناقضات الثانوية… احلم؟ يمكن ان تقولوا انه الحلم.. كثيرا ما غيرت الاحلام الواقع خاصة اذا كان الحالمون رجالا اقوياء.

عبد الرحمن منيف. في ظل الاجماع الوطني علي حياد شفافية الاقتراع النيابي والبلدي، والرئاسي، رسم فرز الصناديق البلاستيكية هذه المرة ملامح طيف سياسي لم يتوقعه ابدا اكثر المحللين تفاؤلا لمستقبل احتراف العمل السياسي الديمقراطي في موريتانيا.

وان غاب دور الشارع وحلقات التنديد بصفة مباشرة عن تجسيد التغيير الذي عرفت البلاد، فان الواقع الاجتماعي بالمفهوم الآلي احكم قبضته علي عملية التجديد الخجولة لما عرف بالطبقة السياسية.

بغض النظر عن اوهام الشرعية النضالية والتغيير البنيوي في آليات رجال الحكم، ينبغي من الآن فصاعدا التعايش ولردح من الزمن مع حتميات فسحتنا الاولي، والحذر المتريث من متغيراتها التي ادخلت للبرلمان اخطرها واسهلها اشتعالا!

مع ذلك تبقي اهمية الحدث: اول جمعية وطنية انتخبت بطريقة شفافة، اول رئيس منتخب اثر شوط ثان.

كان من المفترض ان تكتمل المرحلة الانتقالية التي عاشتها موريتانيا بطي صفحة الماضي، والشروع في توطيد الأسس الحقيقية لحياة ديمقراطية، بصفة هادئة، لكن التجربة الحديثة، والتشكيلة المعقدة للتركيبة السوسيولوجية للمجتمع الموريتاني، والخوف المبالغ فيه من المعارضة التاريخية من طرف الانتليجانسيا الحاكمة، جعلت الامور تأخذ اتجاها آخر، ولو انه وفق في جلب اجماع وطني من طرف القوي النافذة علي مستوي البلد.

مع ان العربدة التي ميزت ما بعد المرحلة الانتقالية، تثير اكثر من سؤال حيال مستقبل التعايش الديمقراطي في البلاد، خصوصا بعد ما تاكد لاكثر من مراقب، ان رأس الجهاز التنفيذي يبدو مصرا علي دفع الوزير الاول الي تحمل مسؤولياته، امام المؤسسات الدستورية اولا، والراي العام الوطني ثانيا، من خلال رسالة التكليف التي سلمها رئيس الجمهورية لوزيره الاول، والتي حوت الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي الذي تعهد به الرئيس الجديد، خصوصا انها تعتبر سابقة في التاريخ السياسي للبلد، قد تقر تقاسما حقيقيا للسلطة التنفيذية التي اعتبرتها مختلف الدساتير الموريتانية منذ الاستقلال، حكرا علي رئيس الجمهورية، الذي تعود تكليف وزيره الاول، دون اعطاء هذا التكليف، بعدا اجرائيا يمكن الاحتكام اليه.

لفك طلاسم هذا التحول الموريتاني، بايجابياته، وسلبياته، تنبغي العودة الي الايام التفكيرية التي طبعت بداية المرحلة الانتقالية، كذلك الدور الجديد لمعارضة نقشت برامجها السياسية علي جدران زنزانات النظام السابق، ومن المفترض ان تساهم علي غرار الديمقراطيات العريقة في تسيير الحياة السياسية للبلد؟

اضافة الي الدور المحوري الذي لعبته المؤسسة العسكرية بموريتانيا علي مر التاريخ بوصفها الجهاز الوحيد القادر علي تغيير مجريات الامور بحكم تنظيمها، من ناحية، وسيطرتها علي مقاليد الامور من ناحية اخري، كذلك الدور الجديد الذي ينبغي ان تلعبه كمؤسسة جمهورية، تسهر اضافة الي دورها التقليدي، علي انضباط السير الفعلي للمؤسسات الديمقراطية الوليدة.

الاحزاب: حماس تأخر عن وقته! صحيح ان الايام التشاورية في حد ذاتها تعتبر حدثا تاريخيا للقطيعة مع طريقة التعامل مع الشأن العام من الناحية النظرية ـ علي الاقل ـ اذ كان سيد الموقف في عكاظ موريتانيا السياسي، متمثلا في موازين القوي بين السلطات الانتقالية من جهة والاحزاب السياسية من جهة اخري.

لكن هوس المقعد الدائر اعمي هذه الاخيرة عن تفاصيل ورقة الطريق قبل ان تأخذ شكلها النهائي وبإقرار من الجميع.

فقضية الترشحات المستقلة مثلا، بغض النظر عن شرعيتها الدستورية، مرت برتابة لم تستدع من ممثلي الاحزاب نفس الحماس الذي جابهوها به اياما قبل انفتاح الحملة الانتخابية، كذلك ملحقات القانون الانتخابي من اتفاقات سياسية محتملة بين الاحزاب والادارة بخصوص بعض الامور المسكوت عنها اثناء الاقتراع… حتي التجاوزات التي اثارت الاحزاب محقة في الشوط الثاني من الانتخابات التشريعية والبلدية، لا يمكن الاعتداد بها لان ممثليها وقعوا طوعا كل المحاضر.

اذا من حقنا ان نتساءل ان كان تدجين هذه التشكيلات طيلة العقد الماضي قد حولها الي مجرد هياكل للتنديد البياني يصعب عليها الدخول من الباب الواسع في حلبة مفتوحة.

حتي الحملة الانتخابية التي كانت اختبارا لمدي قدرة الطبقة السياسية علي بسط التعبئة خارج حدود وسطهم الاسري، اثبتت غياب اي مجهود للتفكير في الهموم الحقيقية للمواطن وتقديم مقترحات عملية تمكن من بلوغه الرفاه المادي والاخلاقي!

اذ بدت البرامج متشابهة من خلال وصف دقيق في بعض الاحيان للواقع المزري، لاجئين الي يافطة التغيير الفضفاضة، دون ابسط تميز من ناحية الاجراءات العملية للخروج بالموريتاني من حظيرة الغبن.

ولو ان الاحزاب علي غرار مختلف التجمعات الوطنية قد عبثت بها هي الاخري يد مخابرات الطائع، التي تمكنت من بلقنتها كي تبقي بمنأي عن ديناميكية التنظير، كمكسب يثري الممارسة السياسية الحقة.

حيث يبدو فشل الطبقة السياسية من خلال عجزها عن فرض المشاركة الفعلية في تسيير المرحلة الانتقالية، خصوصا الحكومة التي اشرفت علي مختلف مراحل المسلسل الانتخابي، الذي مهد للتحول الديمقراطي.

لكن موقفها القاضي بالاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية التي توجت الفترة الانتقالية، وتهنئتها للرئيس المنتخب، مع عرض المشاركة من خلال مشروع تصالح وطني، تنم عن مدي استيعابها لحتميات التحول الجديد، الذي يفرض عليها المشاركة الفعلية من خلال نقد صارم ومسؤول لطريقة تسيير الشأن العام.

لكن في خطوة لاحقة، بعد استراتيجية مد العون هذه، ينبغي ان تنظم صفوفها من خلال مؤتمر وطني، لصياغة اعلان للمبادئ، يلزم كل الفرقاء السياسيين، من موالاة ومعارضة، تحدد فيه الخطوط الحمراء للممارسة السياسية، حتي تتمكن من تطهير الحقل السياسي من كل المتطفلين عليه، من مخبرين وسماسرة، كان النظام السابق قد اوكل اليهم مهمة اختراق المعارضة الديمقراطية.

من اللازم كذلك لممثلي المعارضة في غرفتي البرلمان والمجالس البلدية، مراقبة العمل الحكومي عن قرب، والتنديد بكل انزلاق محتمل، والشروع الميداني في خلق نواة عمل تشريعي، يحس من خلاله المواطن العادي بانها لم تعد ذلك الشبح المتآمر علي امن الدولة ـ كما وصفتها الانظمة السابقة ـ وبانها قادرة علي تبني همومه الحقيقية والدفاع عنها.

عندما ينظر الدين للهاوية من ضمن مفاجآت المسلسل الانتخابي الذي ميز المرحلة الانتقالية التي تعيشها موريتانيا كسابقة في تاريخها السياسي هو نضج المشهد القبلي، ضامرا كل تناقضاته في تنسيق نفعي يدعي منعشوه الاحتماء بمظلة الاسلام، رغم تطبيلهم لوسطية لا تتعدي حدود مغازلة دميمة لرأي عام، ما زال يعتبر جهلا مرجعية التقدم الحضاري خروجا، يستدعي توبة.

جديد الطيف السياسي هذا الذي افرزه قمع نظام ولد الطايع الي الوجود كانت البلاد في غني عنه.

الآن وقد دخل البرلمان، وسيطر علي بلدية تفرغ زينة، التي تحوي كل السفارات الاجنبية وبعض المرافق الحيوية للاقتصاد الوطني، ينبغي محاولة فهم الاسباب المباشرة التي ادت به الي هذا التموقع المقلق، وكذلك خلفية هذه الطفرة من خلال عودة الي اهم الاسباب التي جعلت منظري القياس المقتبس، قادرين علي ابداء رايهم في اشياء معقدة ومهمة في الوقت ذاته، كتوازنات المالية، والسياسات التربوية، واستراتيجيات الديبلوماسية، اضافة الي السياسات الثقافية للبلد!

صحيح ان كل الدساتير التي عرفتها الجمهورية الاسلامية الموريتانية، تعتبر الاسلام دين الشعب والدولة، وحتي مصدر القانون الاول. لكن هذه التسمية تعود الي مؤتمر الاك1958، حيث كانت الطبقة السياسية الموريتانية في صدد وضع اللمسات الاخيرة علي مشروع الاستقلال مع وفد فرنسي برئاسة ميشل دبري الاب، والذي تدخل بعد ان احتدم الصراع بين النخبتين العربية والافريقية بخصوص هوية الدولة الحديثة: هل هي عربية ام افريقية؟ ليتدخل المنقذ الفرنسي مقترحا كحل وسط بين الاطراف المختلفة، ان تكون جمهورية اسلامية، بحكم اعتناق الجميع لهذا الدين!

هكذا ولدت الدولة الموريتانية دون ان تحسم نخبتها التي ورثت الاستقلال عن الفرنسيين، مسألة هويتها، لينعكس الامر علي تسيير الدولة الحديثة علي مستويات عدة، من ابرزها مسألة الدين، الذي هو دين الشعب وبالتالي لا ينبغي احتكاره من اي طرف سياسي. كذلك حضوره بصفة دائمة في التسيير المباشر لمختلف امور الحياة العامة، حيث يمكن تحديد الاسباب الحقيقية لهذا الاستغلال من خلال المظاهر التي اخذت علي طيلة حياة الدولة الموريتانية:* دولة الدين: بحكم التعنت الايديولوجي السابق، ينضاف حرص السلطات آنذاك علي اقناع القبائل الرحل بالاندماج في مشروع الدولة المركزية، لذا كانت سلطة الدين اكثر الآليات فعالية في اقناعهم بالتخلي عن الاحلاف القبلية التي كانت تدين كل حسب مصلحته لامارة توفر له الحماية وتضمن له سلما هشا! لتعتمد اجهزة الدولة سياسة التبرير الشرعي لمشاريعها التي تحتاج الي تبني هذه القبائل لها، حتي تقطع الطريق امام اطماع الجيران المصممين علي ضم موريتانيا.

عمدت مختلف الوزارات والادارات العمومية الي تشريع كل خطوة تقوم بها، لينشط عمل رجالات البدو الحديثي العهد بالمدن، والذين يطلب منهم ابراز الجوانب الدينية، حتي ان لم توجد، الكفيلة بضمان تقبل ملاك القطيع بانهم معنيون بما تخطط له السلطة المركزية، وبانها لا تعدو كونها امتدادا اكثر عدلا لما كان في الامس القريب صاحب الحل والعقد في حياتهم اليومية. لتتعدد الهيئات الاستشارية، القادرة وبسرعة فائقة علي اقناع من يكون بان ازهار الشر ترجمة محققة لدليل الخيرات.

ولا تخلو الحياة العامة في موريتانيا من امثلة حية علي هذه المغامرات الروحية، اذ اجمع موظفو وزارة الداخلية من ائمة ومفتين في مطلع السبعينات علي ان حرب الصحراء التي خاضتها موريتانيا ضد الجزائر وجبهة البوليزاريو كانت جهادا، يحرم التقاعس عنه تماما كحروب الردة.

وفي تاريخ اقرب اسقطت نفس المجالس حد الحرابة علي كل مظاهر رفض اليسار الوطني، علي المستوي الطلابي والنقابي لتذهب ابعد من ذلك في تبرير التطبيع من خلال الاحاديث والروايات التي تعودت استنطاقها لمثل هذه المناسبات. * مدارس دين الدولة: ساهمت المدارس القرآنية بموريتانيا الي حد كبير في تغذية الجهاز الاداري بنخب حفظة القرآن وتفننت في رسمه واحتقان الاكة التاويل اليثربي له، بالغاء آلي للمرجعية التاريخية، التي يفترض انها واكبت، امتهانهم للسياسة التي عجزت جهلا من غير العبادة عن تجاوز تراتيل طاعة الامير، الضابط لـ خراج يملي نسق مداد الالواح الظامئة لرفاه الحضارة.

حيث بقيت كذلك هذه المدارس سابحة في فلك العشائر، مفتوحة لكل من هب ودب دون ابسط وصاية، حتي تتناسق مواد تدريسها مع النظام التربوي المعتمد في المدارس الحديثة. مع ذلك اكتتبت قطاعات عدة بعض خريجيها كالقضاء، الجيش، التعليم… اخطر من ذلك ما زالت ابوابها مفتوحة لارهابيي المنطقتين الافريقية والعربية المطاردين من بلدانهم الاصلية…* تصدير الجهادان بلاد الملثمين، كآخر محطة للفتوحات الاسلامية، تعتبر حديثة العهد بخطاب الجهاد: منهجا وعقيدة. كما ان المنظمات الخيرية التي تنشط في البلد منذ الاستقلال لعبت دورا كبيرا في اثراء النقاش داخل ورشة الجهاد، مما جعل موريتانيا تنجب اجيالا متعاقبة من المجاهدين، شاركوا في حربي الخليج الاولي والثانية، كذلك المقاومة في لبنان وفلسطين. وفي عهد قريب، البوسنة، ثم الشيشان، واخيرا افغانستان.. اذ ورد في نشرة سرية للمخابرات الفرنسية، نشرتها جريدة لموند، سنة 2001، ان المحاظر الموريتانية، مسؤولة بدرجة اولي عن التكوين الايديولوجي لغالبية اسلاميي فرنسا الداعين للجهاد. فبعد ظهور ابي حفص الشنقيطي علي شاشة الجزيرة، واحتلال المهندس ولد صلاحي المرتبة الخامسة علي اللائحة المقدمة من طرف بوش؛ ظهر تجاوب من طرف الراي العام الموريتاني مع اسامة بن لادن، بنفس الطريقة التي تضامنوا بها مع صدام! هكذا تداخل المال والعواطف، جاعلين من زعيم القاعدة في بعض الاوساط الشعبية بن الخطاب، العصر الحديث. من جانب آخر، استغل النظام، كعادته ضلوع بعض الشباب الموريتاني في تنظيم القاعدة للتقرب من الولايات المتحدة الامريكية في اطار حربها ضد الارهاب، مقدمة اسر الشهداء ومأساتهم كثمن للتقارب مع واشنطن.

الآن وقد انحسرت هذه الفرص يبدو انهم مستعدون للعمل داخل موريتانيا وعلي مختلف الاصعدة.* اموال الزكاة:

اضافة لهذه الفرص يبدو مشهد الدين السياسي اكثر تعقيدا بسبب القيمة السياسة والمالية المتزايدة لهذا التيار.

حيث تعودت الحركة الاسلامية، بمساعدة من اجهزة الامن علي جباية الاموال الطائلة التي درت بها زكاة مترفي الخليج، لنشر بعض المذاهب المتعصبة، عن طريق مدارس، خرجت بنظام تدريسها وتكوينها عن ضوابط النظام التربوي في الجمهورية، مما جعل عملية تجديد النخب تتم بصفة متوازية مقارنة مع حاجيات الدولة، من الاطر الشابة في مختلف المجالات التقنية، وخصوصا التربوية.

لكن بعد الاصطدام بأجهزة الامن التي كانت ضالعة في خلق هذا التيار كبديل عن المعارضات الديمقراطية، اخذت الاموال وجهة اخري، حيث غذت نشاطا اقتصاديا هامشيا، يعتمد اساسا علي تبييض الاموال، وتغذية عمليات المضاربات والتهريب، مما جعل الحديث عن طبقة مالية، تسعي الي اقامة نظام وهابي بموريتانيا، يقلق الجميع، خصوصا ما اظهره هذا التيار في الانتخابات الاخيرة، من ثراء، وسخاء في المنح، قد يكون مصيريا في عملية تجنيد جيوش الشباب المحبطة، بفعل البطالة وانسداد اي افق مهني في ظل الدولة المركزية العاجزة عن اخذ مسؤولياتها، في مجالي التكوين والتوظيفالعسكر وحلم السلطة الابدي! تكاد تجمع الدراسات التي تناولت التاريخ السياسي لموريتانيا، علي ان السبب المباشر لاستيلاء الجيش علي السلطة، يعود الي محاولة الرئيس الراحل، المختار ولد داداه، فتح تحقيق في عملية ضلوع بعض الضباط السامين في التحايل علي الاموال المخصصة آنذاك لتمويل حرب الصحراء.

لكن الاب المؤسس قابل تحرك الجيش الذي ابلغته به بعض الدول المجاورة، برضوخ تفادي احتمال اراقة دماء الموريتانيين علي حد تعبير الرئيس الراحل، لتحكم المؤسسة العسكرية قبضتها علي السلطة، فجر العاشر من تموز (يوليو) سنة 1978، حيث تعاقبت اثر ذلك اللجان العسكرية، محكمة قبضتها، علي مشروع دولة لم يكتمل بعد بنيانه، فكان ان فرضت طريقتها، الوحشية في مجمل السياسات التي ارتجلت منذ توليها السلطة، مرسية ثقافة الفساد، من تحايل بطولي علي المال العام، وتعيينات عشائرية، حرمت الادارة من الكفاءات اللازمة لتسيير مختلف مرافقها.

لقد اتي العسكر علي الاخضر واليابس، حين هدم البنية القيمية للمجتمع الموريتاني، مبخسا بذلك كل ما يتعلق بالمعرفة او الاستحقاق، والعمل.

مع ذلك ما فتئت المؤسسة العسكرية تعد بالديمقراطية، كلما استولت جماعة جديدة علي السلطة، مما جعل عدوي التسيس بالمفهوم الحركي تنتقل الي هذه المؤسسة التي كان يفترض ان تحمي الحدود بعد ان فشلت في كسب حربها الاولي، حرب الصحراء، لتتحول سريعا فترة حكم العسكريين الطويلة مقارنة بعمر الدولة الموريتانية، الي مجال مفتوح لمختلف اشكال الاحتقان السياسي، من تصعيد قومي الي آخر شيوعي واخيرا الاسلامي… اذ شملت سياسة القمع التي انتهجها العسكر كل الاسر السياسية، من بعثيين، ناصريين، قوميين افارقة، شيوعيين: تارة بتهمة محاولة قلب النظام وتارة بتهمة الانتماء الي تنظيمات غير شرعية، تسعي للفساد، مبدعا في اكتشاف احدث تقنيات التعذيب، التي عبثت باجيال متعددة من الطبقة السيباسية للبلد، حيث كانت اللجان العسكرية المتعاقبة علي السلطة في موريتانيا، سباقة الي الصاق تهم من قبيل الزندقة والخيانة والتطرف والارهاب، علي كل من يشتغل بالسياسة، او يبدي ابسط اهتمام بالشأن العام.

حتي ايام ما سمي بالانفتاح الديمقراطي سنة 1991، في عهد ولد الطائع لم يكن الا ذرا للرماد في عيون المجتمع الدولي، الذي كان مصرا علي دفع موريتانيا لثمن موقفها في حرب الخليج الاولي مع صدام، كذلك ملفها المثقل بانتهاكات حقوق الانسان تجاه المواطنين السود، حيث شرع احزابا ممنوعة من النشاط، وصحفا ممنوعة من الصدور، ونقابات ممنوعة من الاعتراف… لكن الاحساس بالغبن في اوساط الجنود من طرف الضباط السامين، المشغولين بتسيير ثراوتهم المنهوبة بوقاحة عالية من تلك البقرة الحلوب التي اصر العسكر علي تسميتها موريتانيا، مما طبع فترتهم بنوع من عدم الاستقرار السياسي، الذي اوشك ان يغرق البلاد في مسلسل من العنف.

فبعد المحاولات العرقية، تلاحقت المحاولات القبلية، التي كان آخرها مع فرسان التغيير، التي اظهرت عجز الجهاز الاستخباراتي عن ملاحقة جماعات الشباب الحركيين، الطامعين في السلطة منذ التحاقهم بالجيش، ليستيقظ بعض الضباط الذين فهموا علي ما يبدو ان الوضع بات اكثر تعقيدا وخطورة مما توهم ولد الطائع.

كل هذه المعطيات مجتمعة، جعلت الجيش الموريتاني، يبقي وحده القادر علي التاثير في مجريات الاحداث بحكم تنظيمه، وسيطرته علي دولة المخزن التي تخشاها النخب وتدين لها الزعامات القبلية بالولاء.

اما الآن وقد تنازل عن السلطة لصالح المدنيين، فينبغي اعادة الثقة من طرف الدولة للنخبة العسكرية القادرة علي اعادة تنظيم المؤسسة العسكرية علي اسس اكثر انصافا، حتي يصبح جيشا جمهوريا، يشرف بحزم علي السير المنتظم للمؤسسات الدستورية، دون ابسط تدخل في الحياة السياسية للبلد التي يفترض من الآن فصاعدا ان تعود فيها الكلمة الاخيرة لمن اختارهم الشعب لتمثيله.

اما الاصوات المنادية بضرورة اشراك الجيش في السلطة بصفة دستورية، فلا تعدو كونها نوعا من لي رقبة الديمقراطية الوليدة، والتمهيد لعودة بعض الاساليب البائسة للحصول بطريقة غير شرعية علي جزء من الكعكة، التي بدات تسيل لعاب مهنيي التآمر والنهب، المتربصين لمشروع دولة يقضي علي نفوذهم الزبوني، الذي اورثوه لاجيال عدة.

خصوصا انه في الوضع الحالي، ما لم يعمد الي اعادة هيكلة الجيش، لا يمكن الكلام عن اي دور تمثيلي، لاي جماعة من الضباط مهما كان نفوذها، لان الجيش علي غرار باقي مؤسسات الدولة ممزق، بفعل مخلفات الظلم المهين الذي طبع طريقة تسييره، التي جوعت الجنود، واقصت الكثير من الضباط اثر انتمائهم السياسي او الجهوي في بعض الاحيان. هذا من ناحية، ومن ناحية اخري، تبقي مطالبة المعارضة بضرورة وضع حد لتاثير المؤسسة العسكرية من خلال بعض افرادها النافذين، علي تسيير الحياة العامة للبلاد، من ضمن المواضيع التي تعتبر اثارتها بطريقة سياسية من ايجابيات التحول الديمقراطي الذي عرفته البلاد مؤخرا، الا ان بعض الآراء، التي عبر عنها مؤخرا من طرف بعض الشخصيات العامة، والمطالبة بضرورة اقرار مشاركة دستورية للعسكر في السلطة، تجعل امن واستقرار البلد في خطر، بحكم عبثية هذه الآراء، والاغراض النفعية لاصحابها، كما عرفهم الموريتانيون منذ استيلاء العسكر علي السلطة في يوم مشؤوم من اواخر عقد السبعينات.

موريتانيا تقف اليوم علي مفترق طرق، فمستقبلها السياسي رهينة نضج نخبتيها العسكرية والسياسية، اللتين تقع عليهما مسؤولية عبورها الي بر الامان حتي تتمكن من مواجهة مسؤولياتها الحقيقية، من تسوية لملف حقوق الانساس الي قضاء حقيقي علي الفوارق الاجتماعية التي تعتبر مغذيا اساسيا لعدم الاستقرار السياسي.

هذا هو الثلاثي الذي يتحكم في مصير موريتانيا اليوم وبدون تفاهمه لا يمكن ابدا ان نحلم بحل مشاكل من قبيل انتهاكات حقوق الانسان، او الفقر، او الجهل، او حتي المستقبل الديمقراطي.

ہ كاتب من موريتانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية