نواكشوط ـ “القدس العربي”:قبل أقل من شهرين من تنظيم الشوط الأول للانتخابات الرئاسية الموريتانية، تندفع الساحة السياسية والانتخابية بسرعة كبير نحو معركة انتخابية حامية الوطيس، ينتظر أن يتنافس فيها بشراسة غير مسبوقة، صفان سياسيان يحمل أحدهما راية استمرار النظام القائم بينما يحمل الصف الآخر راية تغيير واقتلاع هذا النظام بالكامل.
ويتجمع صف الاستمرار خلف الجنرال المتقاعد محمد ولد الغزواني قائد الأركان العامة على مدى السنوات العشر الماضية ووزير الدفاع الأسبق ورفيق درب الرئيس ولد العزيز في انقلابه وفي جميع تصاريف حكمه.
ويحظى ولد الغزواني بتأييد واسع فهو مدعوم من الرئيس المنصرف ومن أغلبيته، وتتهمه المعارضة باستسهال غير مبشر لاستغلال وسائل وهيبة الدولة وإدارتها، وهو ما حرص المترشح على نفيه مرات عدة.
وفي المقابل، أعدت المعارضة الموريتانية خطة تستهدف إرغام المترشح ولد الغزواني المدعوم من النظام المنصرف والذي تؤكد المعطيات القائمة أنه الأوفر حظا، على التجاوز نحو الشوط الثاني ليتكتل مرشحو المعارضة من أجل “هزيمته في الشوط الثاني أو لنجاحه بنسبة ضئيلة جدا لا تعكس الفخفخة القائمة حاليا حول ترشحه” وفقا لما تقوله أوساط المعارضة.
وهكذا تعددت في هذه الانتخابات بوابات ترشح المعارضة الموريتانية، وكان أبرز المرشحين الوزير الأول الأسبق سيدي محمد ولد ببكر الذي تقف خلفه جهات سياسية هامة يتقدمها الإسلاميون، وأسست أحزاب اتحاد قوى التقدم وتكتل القوى الديمقراطية وحزب التناوب تحالفا من أجل التغيير وقررت ترشيح محمد ولد مولود، ويرشح حزب الصواب الحقوقي بيرام ولد الداه، ورشحت الأحزاب التي يقودها سياسيو الأقليات العرقية النائب السابق كان حاميدو بابا.
وبدأ أطراف المشهد السياسي والانتخابي في موريتانيا تهيئة الطواقم وتجميع الأسلحة لخوض هذه المعركة؛ وقد بدأ استخدام الفضائح والتسريبات ولقطات الفيديو، ضمن جولة أولى سابقة للحملة الإعلامية الرسمية التي ستفتتح يوم الجمعة السابع حزيران/يونيو المقبل عند منتصف الليل والتي ستختتم يوم الخميس 20 حزيران/يونيو 2019 عند منتصف الليل، يومين قبل يوم الاقتراع.
ويواجه التحضير لهذه الانتخابات عقبات كبيرة أهمها عدم اتفاق الحكومة ومعارضيها على آليات تنظيم هذا الاستحقاق الكبير الذي وصفه السياسي الموريتاني المخضرم محمد يحظيه بريد الليل “بأنه ليس انتخابات عادية وإنما هو استفتاء حول مستقبل موريتانيا”.
ومن أبرز آليات تنظيم الانتخابات المقبلة التي لم يتفق عليها لحد أمس، تشكيلة لجنة الإشراف على الانتخابات المؤلفة حاليا من أعضاء مناصرين كلهم للمترشح محمد ولد الغزواني وبالتالي ترى “المعارضة أنهم ليسوا حياديين” بل وترى أن “لجنة الإشراف غير مشكلة على أساس قانون إنشائها وتنظيمها، حيث تنص المادة رقم 6 من القانون 05/2018 المعدل لبعض أحكام القانون النظامي 07/ 2012 على أن اللجنة المستقلة للانتخابات يتم تعيين أعضائها بشكل توافقي من لائحة مكونة من 22 شخصية يجري إعدادها بناء على اقتراح مقدم من طرف الأغلبية والمعارضة بواقع 11 عضواً يقترحهم كل فريق”.
وحمل عضو لجنة تحالف المعارضة في موريتانيا السالك ولد سيدي محمود الحكومة مسؤولية ما وصفه بـ “استمرار التوتر القائم، وحرمان المعارضة من حقها في التمثيل في لجنة الانتخابات، وكذا حرمان البلد من انتخابات يمكن أن تكون شفافة وحرة ونزيهة إذا شارك الجميع وتعاملوا على أساس ما يتيحه القانون”.
واعتبر في تصريح صحافي “أن لجنة التحالف المعارض فوجئت بعد الاتفاق على تمثيل المعارضة بخمسة أعضاء باستدعاء مستعجل من وزير الداخلية ليعرب لهم عن أسفه لأن هذا الاتفاق لا يمكن أن يدخل حيز التنفيذي إلا بعد أزيد من شهر”.
ورأى “أن السلطة عرضت عليهم عودة من جديد للتفاوض على أساس تغييرات من داخل اللجنة القائمة، وانتهت جلسة المفاوضات بعرض 3 من أصل 11”.
وأفاد موقع “صحراء ميديا” الموريتاني الإخباري “أن الاتصالات ستستأنف بلقاء جديد بين وزير الداخلية ووفد من المعارضة، على أن يناقش هذا الاجتماع عرضاً جديداً من المعارضة حول تشكيلة لجنة الإشراف على الانتخابات، يتماشى مع آخر عرض للحكومة بمنح المعارضة ثلاثة مقاعد في اللجنة”.
وفي العرض الجديد تقترح المعارضة استحداث منصب الأمين العام المساعد، يتمتع صاحبه بصلاحيات الأمين العام، ويكون من نصيبها، كما تطلب المعارضة في مقترحها الجديد أن يتمتع ممثلوها في اللجنة بصلاحيات المدراء المركزيين، بمن فيهم مدير العمليات الانتخابية”.
وما زال هذا العرض ينتظر موافقة الحكومة المتوقعة خلال الأسبوع المقبل، من أجل الشروع في تطبيقه، بصفته آخر أمل لاستمرار الاتصالات بين الطرفين قبل الدخول في معمعة الانتخابات.
ويساور كبار المدونين المعارضين قلق كبير على مسار الانتخابات المقبلة، حيث أكد الإعلامي أحمد الوديعة “أن من الصعب في الظرف الحالي، وجود انتخابات ديمقراطية حقيقية، طالما لم يصبح بمقدور كل شخص (موظف حكومي أو غيره) وكل عائلة (صغيرة أو ممتدة) وكل قرية ريفية (أينما كانت) التصويت بإرادة واعية وحرة، دون خشية عقاب أو انتقام من السلطة العمومية، ودون انتظار مكافأة منها أو رشوة”.
وأضاف “ورغم افتقارنا التام لهذين الشرطين (حياد السلطة العمومية وحرية إرادة الناخب) فعلى القوى السياسية الحقيقية أن تمارس واجبها في تنمية الحس الديمقراطي، وفي التصدي لأساليب التزوير الانتخابي وتزييف الإرادة العامة وتحريفها فذلك دورها الضروري قبل خوض الانتخابات”.
وقال “لقد بات واضحا أنه مع تعدد هؤلاء المرشحين، ومع دعم كل واحد منهم من عدة أحزاب وقوى معارضة، ومع استقطاب أغلبهم لناخبين من خارجي ناخبي المعارضة التقليديين، ومع توفر كل واحد منهم على ميزات تنافسية خاصة به، بات واضحا أن الحسم في الشوط الأول شبه مستحيل وبالتالي فان فرصة نجاح أحد مرشحي المعارضة في الفوز في سباق 2019 فرصة جدية، إن نجحت المعارضة في تعزيز المشتركات وتنسيق الجهود، وفرض خطة تمثيل فني محكم في المكاتب، وحماية صارمة لأصوات الناخبين”.
وفي تدوينة أخرى يقول محمد محمود بكار المدير الناشر لصحيفة “العلم” الإخبارية “الشعب والمعارضة وكل المخلصين لهذا البلد والذين يتطلعون للتناوب والحصول على فرص للتخلص من أسوأ عشرية مرت عليهم يتطلعون لانتخابات نزيهة وشفافة لكي يتخلصوا من كابوس عزيز ولواحقه والحكم العسكري وآلامه وإخفاقاته التي جعلت البلد فيما وصل إليه من سوء الأوضاع ومن موت الأمل والخوف على الغد ويحملون عزيز مسؤولية مغبة التدخل في مسار العملية الانتخابية وشفافيتها، لكي يجنبوا البلد مسار الفشل”.