بدي ولد ابنو
1ـ مثل التخوف من طرح الملفات السياسية الذي حشر شيئا فشيئا تشكيلات المعارضة الموريتانية في الزاوية الحقوقية انعكاسا للتجربة المؤلمة التي عرفتها المعارضة السياسية غداة الاقتراع الرئاسي لسنة 91. انها تجربة التفكك المزدوج: من جهة اخذ يظهر بشكل لافت قِصر نفَس شرائح كثيرة محسوبة علي الُمعارضة امام موسم الهجرة الي الحزب الحاكم بعد تراجع حظوظ سلطة الضد في الوصول الي السلطة. وهو ضعف في النفس لا تفسره الجوانب الشخصية وهشاشة القناعات الاخلاقية والسياسية الفردية الا اذا وضعت في اطارها العام، اي في اطار ضعف الانغراس الاجتماعي لهذه القناعات من جهة وضعف البنية المادية او التحتية القادرة علي ضمان استقلال مادي ولوجستي ولو في الحدود الدنيا عن السلطة الحاكمة. السلطة ظلتْ تحتكر الدولة وبالتالي تحتكر الريع العام. اما الريع الخاص ففي معظم الحالات لا وجود له بما هو خاص وانما هو ريع عام مخوصص. انه الامتياز الذي تمنحه الدولة ـ السلطة. لم تعد السلطة حينها محتاجة بالضرورة الي القمع البوليسي المباشر فطرق احتكار المال وطرق خوصصته صارت تضمن في كثير من الحالات تكسير المقاومة تصاعديا واختزال الهوامش التي يتحرك فيها المعارِض في المستوي الذي تراه السلطة منسجما مع اشارات الضوء الاحمر التي تعايرها وتخضعها لمزاجها الخاص ولما تراه منسجما مع محتوي الرسائل التي تعتقد ان عليها ان تبعثها الي الخارج واليه حصرا. صارت المقاومة السياسية مرتبطة اذاً بالنسبة للكثيرين بالقدرة علي المقاومة الاقتصادية في بلد لا يدين فيه معظمُ رأس المال الخاص لرأس المال العام فقط بل اصبح فيه السلطان تاجرا بالتعبير الخلدوني اي اصبح او كاد ان يصبح فيه اصحاب السلطة هم عينيا اصحاب رؤوس الاموال ايا يكن توظيفها. الي ذلك عرفتْ المعارضة ظاهرة اضافية محايثة كذلك لارتباط الثروات الشخصية بمصدر الريع العام اي الدولة. فالقادرون علي توفير حد ادني من البني التحتية التي يتطلبها النشاط السياسي هم فضلا عن قلة عددهم متحدرون غالبا بشكل او آخر من داخل الانظمة المتعاقبة علي الحكم. ويكفي لاستحضار هذا المُعطي ان نتذكر ان اغلب الذين اسسوا احزاب المعارضة او ترأسوها في التسعينات هم من المتحدرين من الفئات التي تعاقبت علي السلطة. ولم يكن للمعارضة او المعارضات في ظل الخيارات التي سادت حينها مفر من القبول هكذا بواجهات مؤقتة ـ دائمة، يتطور القبول بها او تقبلها تبريريا مع الزمن من مستوي الخيار المتاح الي مُستوي الخيار المشروع. ويتم الانتقال من حكم الواقع الي حكم القيمة عبر تطور ـ تطوير واضحٍ للخطاب التبريري تنصاغ من خلاله وفي افقه معايير مفترضة للقبول السياسي والاجتماعي والرسمي والدولي… الخ. انها حالة الاستقطاب التدجيني المشخصن التي اسس لها تشكل الخريطة وفق معايير النفوذ المادي الاجتماعي اللاسياسي التي انتجتها الانظمة المتعاقبة وكرسها النظام القائم حينها، اي تحديدا النظام الذي كانتْ تواجهه تلك المعارضة. تشكلت خريطة المعارضة السياسية في التسعينات اذاً في هامش يصوغ النظام القائم محدداته القانونية والمادية ويرسم حدود ارتهانه للموروثين الرسمي والتقليدي، بما في ذلك ارتهانه في حدود معينة للمرجعيات التقليدية وللعقلية الابوية ولنظرة تبخيس الاغلبية. وهي المرجعيات التي زاد فاعليتها حينها تضاعفُ مسلسل اعادة مأسسة المجتمع التقليدي في الفضاء العمومي وحالة التفرع العرقي الثنائي التي توجتها مآسي اواخر الثمانينيات.
ـ 2 ـفي المستوي الثاني من التفكك ظهر منذ السنوات التسعينية الاولي الدرجة التي بلغتها الانقسامات والصراعات الحركية التي تأخذ ـ هي ايضا ـ في كثير من الاحيان طابع الصراع الشخصي او المشخصن. لم يظهر ذلك التشرذم هشاشة التحالفات المعارِضة التي انطلقت في اواسط سنة 91 (خصوصا مع الرسائل الثلاث وتكوين الجبهة الديمقراطية الموحَّدة من اجل التغيير ). وقد اظهر ذلك التفككُ اشكالية التحدي الذي يطرحُه علي القوي السياسية خلْقُ مستويات جديدة من التداول السياسي تتناسب مع مرحلة ما بعد العمل الحركي السري. كما تداخل في ترجمته الميدانية من جهة مع ارث الحركات السرية ومن جهة ثانية مع ما سميناه حالة الاستقطاب التدجيني المشخصن، او لنسمه الصراع الفوقي للزعامات الجديدة، ومن جهة ثالثة مع الاختراق الرسمي المؤَجج والموظف. ووجدت هذه الظاهرة ثلاثية الابعاد اشكالا عديدة للتعبير عنها، منها تمثيلا لا حصرا الانضمام الانتقامي ـ في بعض الحالات ـ الي السلطة ومنها الصراع علي المواقع داخل الاحزاب الذي مثل امتدادا شبه تلقائي للصراع الحركي داخل النقابات والاطر الطلابية، ومنها ايضا الصراع الحزبي بالمعني الحصري وتفكك وخروج عدة احزاب من حضن حزب واحد. ثم وصلت مستوي الصراع القانوني علي مشروعية وجود هذا الحزب او ذاك ولجوء الفرقاء احيانا الي المؤسسات الرسمية التي يشككون في مشروعيتها، وهو ما سيعني عمليا تشريع استقواء طرف او آخر من الاطراف المحسوبة علي المعارضة بالنظام الحاكم ضد الطرف الآخر. مما عمل بداهة علي طمس جزئي لحدود الشراكة والمنافسة والخصومة في المعارضة. وهو ما ساهم مع معطيات اخري في تغيير ملموس في وجهة الصراع السياسي مع السلطة وهزّ مشروعية البني السياسية المعارضة بالرغم من ان مشروعية الخطاب المعارض نفسه ظلت مفارقيا في تصاعد. لقد عرّتْ تلك الصراعات ـ خصوصا منها تلك التي تمت في اجواء استحقاقات انتخابية ـ حجم العقبات التي يطرحها الانتقال من مرجعية الوزن السياسي الحركي الي مرجعية الوزن السياسي الانتخابي خصوصا مع الاستثمار المتصاعد للمحددات التقليدية، العرقية والفئوية والجهوية والعشائرية، ومع الشــــروط الموروثة عن مــــناخ المواجهة العرقية التي مثلتْ احداث نيسان (ابريل) 89 وتداعياتها اوجها، وبشكل اعم مع استمرار آلية اعادة ماْسسة المجتمع التقليدي في الفضاء العمومي. كمـــــا اظــــهرت نجاعة الدعاية الرسمية الموجـــهة ضد المعارضة اذ افلح النـــظام حينها في شل الحماس الذي حظي به عدد من التشكيلات المعارضة في شرائح شعبية واسعة عبر تسويقه لجزء من دعايته التخوينية، بل افلح ايضا في بث تلك الثقافة التخوينية نفسها داخل صفوف المعارضة. ـ 3 ـلم تكن النتيجة السلبية المباشرة للمفارقة المزدوجة التي مثلها من جهة صراع معارضة مدنية دستورية مع سلطة عسكرية اوتوقراطية ومن جهة ثانية تراجع مشروعية البني المعارِضة المقنّنة بالرغم من تضاعف مشروعية الخطاب المعارِض نفسِه، لم تكن نتيجته تصاعد مسلسل الانفصال الداخلي الذي تحدثنا عنه من قبل والذي افترضنا امكان التاريخ له بمظاهرات الخبز لسنة 95 بل كان له انعكاس مباشر علي الدياسبورات الخارجية التي اخذتْ تعرف دينامية خاصة وتغيرات جذرية منذ اواسط التسعينات. بيد انه جدير بنا قبل ان نعود الي مدلول هذا الانعكاس الاخير ـ في حديث آخر ـ ان نأخذ علي محمل الجد المستوي المحايث لهذه المفارقة المزدوجة وللصراع الذي ميزها ـ كظاهرة ثلاثية الابعاد ـ علة كان ام معلولا ام هما معا. هذا المستوي المحايث جسده التجاذب بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني او نواته. حشرت وانحشرت رغما عنها شيئا فشيئا الطبقة السياسية في الزاوية الحقوقية. وشل ذلك جانبا جديا مما به كان يفترض انها ستستطيع تحقيق حد ادني من التفاهم السياسي الجماعي. ولكن ذلك الركون الي الخطاب الحقوقي قد خفف مستويات معينة من حالة التفرع الثنائي العرقي رغم ان نزيف الجراح ما زال حينها في اوجه. كما سمح ذلك الركون لنواة المجتمع المدني ان تلعب دورا فاعلا الي حد ما وان تلعبه خصوصا مكوناتها التي تتمتع باستقلال مادي نسبي وبتقاليد تضامنية معتبرة. وهو ما يصدق مثلا بمستوي او آخر علي سلك المحامين وبضعة روابط عمالية ومهنية وطلابية. هذا اضافة الي الدور الذي اخذ منذ بداية التسعينات يصدق بنسب متفاوتة علي الصحافة المستقلة الوليدة. وهي معطيات لا يمكن تجاهلها حين يتعلق الامر بفحص المعادلة التي تمت بها مواجهة النظام المنهار كنظام بوليسي كان فعلا في بالغ الشراسة والمركزية الاتوقراطية ولكنه كان كذلك وللاسبــــاب نفسها في بالغ الهشاشة والتآكل. ہ كاتب موريتاني8